]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الفيل الازرق

بواسطة: Shaban Fadl  |  بتاريخ: 2012-12-25 ، الوقت: 14:59:18
  • تقييم المقالة:

 

الفيل الازرق                                               

د. شعبان بشر

 

يرسم لنا الكاتب أحمد مراد رفاقا لفيله الازرق عبر عوالم المرض النفسي وشخوصه وتفاصيله ، حتى نجد انفسنا احيانا نشتم روائح تلك العوالم ونتحسس ردهاتها المظلمة، رفيق الفيل الازرق ذلك الطبيب العقلي الذي يخوض عوالم الرفيقات وكؤوس الخمر المعتقة وسجائر الحشيش المختنقة و موائد القمار المليئة بالخوف والغضب والاصابع التي لا تتحسس الا ورق النقد.

ذلك الطبيب الذي يختلط لديه الليل بالنهار و إبر الانسولين تغطى كامل جسده المنهك يمارس حالة الهروب من الذات وتبدوا له الايام متكورة متداخلة مع مهنته التي عادة ما تثير الاشتباه لدى كل من يدعون انهم عقلاء، لطالما تغنى شعرائنا بالعقل وزينته وقدرته على وضع العالم في صناديق ذات محتوى موحد لا تختلف الا الوانها ، اللهث نحو فضيلة حددتها هذه الصناديق العقلية جعلت حياة رفاق فيلنا الازرق مشوهة وممهورة بالخوف السرمدي.

في داخله يتساءل رفيق الفيل الازرق عن كنه هذه الطبابة التي يمارسها فعادة ما تشحن بالريبة والشك من المحيطين ، رافق رفيقنا فيله الازرق وسكنا سويا ضمن ذات تائهة متسائلة ، وعلقت له محاكم التفتيش اليومية ضمن خطاب الجنون والطبابة والدهاليز الكريبلينية التي يعشقها ممارسي هذه الطبابة ضمن عوالمنا الثالثة والرابعة والعصية عن العد.

رسمت سينما الستينات والسبعينات صورة للعباسية مليئة بعبق الجنون والسخرية والسلطة والعزل و ربما المراقبة والمعاقبة، واحيانا ترددت عصا السلطة ضمن خطاب الصورة المعاصرة وتم اعتماد قراطيس العباسية كصكوك للخطيئة لكل من حاول التمرد عن قوانينها.

العباسية في عواملنا العصية عن العد أخذت مواقع جغرافية متعددة ضمن بلدان الناطقين باللهجات العربية الانجلوفونية أو الفرانكوفونية ، ولكنها مثلت نسقا للطبابة مهمته الاساسية هي وضع العقول الشاردة ضمن قوائم وإصدار الاحكام، فهذا لديه اضطراب شخصية، وذاك ذهاني والاخر يعاني من البارانويا ، تداولت العباسية وحكمت احكامها بالسجن الابدي على العاملين بها قبل روادها وساكنيها المتحولين ، و تراقص كهنتها بكؤوسهم المعتقة ووضعوا نواميس العقل وسلاسل لقيد العقول التي غادرت الصناديق، ذلك الفيل الازرق الآخر الذي قتل زوجته لم ينجوا من دهاليزها بالرغم من محاولاته اليائسة للباس ثوب الفضيلة ورقصه المتكرر في معبد الكهنة.

كما قال الانثربولوجي شتراوس " لكل لا عقلانية عقل يحركها " يتسأل الفيل الازرق عن عباسيات الاوطان الممزقة وعن الكم المهمل من الذين تراقبهم صناديق العقل المحكمة ويعاقبهم مجمع الكهنة السيكولوجي بصرامة عند شكه في تحطيمهم لهذه الصناديق. الانفس المنهكة المليئة بالأثقال لا يحقها لها أن تئن ولا أن تجد زاوية مفردة تمارس فيها حالة البكاء ،  الاوطان المليئة ببوابات وجنرالات صناديق العقل تمارس فيها السلطة لعبتها المحببة وتحكم بناء المشانق لكل من يهمس بتمتمة تزعجها.

إيه ايتها السلطة وصناديقك عقلك المحكمة ، كم انت بارعة في احتجاز كل من راودته نفسه الامارة بالسوء أن يخرج عن تقاليدك و طقوسك المعتقة " هكذا يتمتم الفيل الازرق ورفاقه ".

صناديق العقل المحكمة والمزركشة بالوان تحرق الفراشة حال الاقتراب منها ترسم معالم الكون فتجعله مجزأ مقطع عصي عن الفهم ، فيلنا الازرق يشعر بانه يعيش داخل صندوق عقل مليء بالرماد ، وطرقات الفزع تتردد صداها داخل ذاته المفرغة الا من قوانين الجلد والمراقبة.

سلاسل القيد المخفية تطوق كهنة العباسية قبل ساكنيها، وسياط الجلد تلسع جلود الحلقة الاضعف، ونمط العلاقات مليء بالدسائس السيكولوجية، ولغة الخطاب تزداد تشوها كلما تدرج الكهان في سلمهم، فهي مزيجا بين مفردات اعجمية برطانة غير مفهومة ولغة محلية ركيكة تجلب النعاس والملل، ويقبع الجميع في صناديق عقل تملئ عليهم تفاصيل موغلة في التفاصيل، وهذه الصورة التي يقدمها أحمد مراد ليست محتكرة في مستشفى العباسية و لكن يمكن القول تم استنساخاها ضمن عوالمنا العصية عن العد، وباقي العباسيات ضمن ثقافاتنا لا تعدوا ان تكون الا صور مصغرة مشوهة عن العباسية الام، فمثلما ورث سجن أبوسليم في ليبيا  على سبيل المثال نسخة مشوهة عن السجون السياسية في مصر، وانقسمت خلايا هذه السجون ضمن بلدان حقول الرماد ومدن الملح، توارثت هذه البلاد تقاليد وطقوس وسراديب سجن العقول في العباسية، فتحولت الاوطان الي سجون كبيرة تحوي قلاع باردة رطبة تسلب العقول وتنخر العظام، فهل ذاك الربيع سينبت لحبة الرمل زهرة ارجوانية أم ان صناديق العقول ستزداد قسوة وتحكم اقافلها وتنصب المشانق لمن تراوده نفسه البحث عن دروب مغايرة.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق