]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

إنحسار الأخر و تضخم الذات

بواسطة: Fairouz Attiya  |  بتاريخ: 2011-08-25 ، الوقت: 09:44:50
  • تقييم المقالة:

كثيرا ما تتعالي الأصوات من حولنا متذمرة من تغير الناس و سلوكياتهم الاجتماعية والأخلاق، واذا سألت شخصا منهم كيف حالك مع الجار و الصاحب وأفراد العائلة ، بدأت نبرة الشكوى تلك في التراجع لتحل محلها نبرة اخرى من الدفاع عن النفس ضد التقصير وهضم حقوق الأهل و الجيران!!! اذا فهذه هي الحال، لا داعي للشكوى عزيزى من انشغال الناس عنك ان كنت أنت أيضا لم توالي أحدا منهم يوما بحجة تواتر المتاعب و كثرة الأشغال.

قديما في بيتنا المزدحم بمختلف أفراد العائلة في حيينا العامر، كانت تاتي لأمي مرة في أول كل شهر سيدة بسيطة متواضعة تبيع الملابس والبياضات والشراشف و تقوم بتحصيل ثمنها دفعه واحدة في حينها أو تزورك مرات ان قررت السداد علي دفعات. أذكر أنه حين كانت تأتينا كانت أمي تبادر بارسالنا علي الفور لمناداة الجارات، الاتي من فورهن تترك كل واحدة منهن جميع أشغالها و تهرع الي بيتنا حيث تمضي برهة من الزمن بعيدا عن متاعب البيت لتري الجديد لديها من بضائع و بالمرة مع احتسائها للقهوة التي ماتلبث أمي أن تعدها تسمع القليل من أخبار فلانة و علانة، فقد كانت "أم مريم" في وقتها ليست مجرد بائعة متجولة و انما أيضا خير ناقل للأحداث و الأخبار، و هكذا تمضي ساعات طوال في معاينة ما لديها من بضائع و تصفح ما لديها من أخبار....ومرت سنوات وسنوات اختفت أم مريم خلالها من علي ساحة بيتنا و سائر البيوت و حل محلها العديد من  المحال والمولات، أختفت أم مريم من علي الساحة و اختفت معها جلاسات القهوة والثرثرة و النمنمات. وكثيرا ما تسائلت أين ذهبت تلك السيدة الجميلة البسيطة و ماذا حل بها؟ لقد كانت زياراتها لبيتنا تعد مناسبة تستحق الاحتفال، كنا جميعنا وقتها صغار ولكن كانت تسلينا جدا حكاياتها المتنوعة والمتجددة في كل مرة عن الناس و أحيانا الكثير من الجارات. و كانت هي معروفة لدي الجميع أو بالأحرى كل من لديها بنات "علي وش جواز"فقد كانت تساعدهن جميعا بالبضاعة وتحصيل ثمنها علي دفعات، كانت الجارات تتهافت علي قطعة معينة مثلا لأن فلانة بنت فلان أخذت منها حبتين او ثلاث في جهاز ابنتها، وربما تقوم أخرى بمضاعفة العدد ليعلم الجميع مقدرتها علي تجهيز ابنتها العروس فيتهافت عليها العرسان. لقد كانت هذه السيدة البسيطة سببا قويا في التواصل الاجتماعي في حينا، فما أن تذكر أنها عندما كانت تبيع جارتنا فلانة نصف دستة ملايات (ِشراشف) و فوجئت بأن زوجها فلان مريض أو ابنها علان واقع في أحد المشكلات، كانت سائر الجارارت  في نفس الجلسة تتواعد لزيارة جارتهم تلك والسؤال عما أصابهم حيث جائهم الخبر من "أم مريم"فسارعوا اليها من فورهم.

قديما، عندما كان ينجح أحد أبناء حينا أو تخطب إحدى بنات الجيران ، كانت تكتفي والدته بالخروج الي الشرفة "لتفقع زغرودة" وما هي الا لحظات حتي تخرج سائر الجارات للسؤال عن سبب الأغاريد ثم تتوالي التهاني و تتعالي الأغاريد في السماء ويتسارع الأبناء لهذا الجار أو ذاك بحمل صناديق "الساقع" لبيت الجار صاحب المناسبة السعيدة، و بالطبع تنقل النساء الخبر للرجال، فيكون نهارهم للتداول الخبر و التهنئة فيما بينهم بينما يقوم بذلك مساءا الرجال.....هكذا قديما سيداتي سادتي كانت هي الحال، إلتفاف جماعي حول الأخر في كل المناسبات و الأحوال. قديما لم يكن هناك دور "للأنا" ولكن كل الأدوار للغير والأخر والجار، لم يكن أحدا يخشي من حسد الناس ولم يكن أحدا يدارى مرضه حتي لا يشمت أو يتشفي به الناس. كان صاحب السيارة و لو لم تكن فارهة يعلم جيدا أن لكل من في الحي حق في سيارتة إن احتاجها في نقل مريض أو زفاف عروس، أما الأن فعليك سيدى بقصد مكاتب الإيجار. كان من لدية شقة مصيف يقول لجيرانة "والله بنا  ررزقنا  بشقة كدا محندقة في اسكندرية و مفتاحها جاهز و تحت امركم لو عزتوة في أى و قت"، أما الأن، فألالاف الفلل مغلقة في مارينا او الساحل الشمالي لا يعلم بها أحد خوفا من الضغائن و الحسد وربما أيضا كلام الناس.  لم نعد نعلم بخطبة فلانة فأمها لم تعلن الخبر للجيران بأغاريدها و فضلت التكتيم علي الموضوع حتي يتم "أصل الحاجات دى بتتنظر". كان الأخ الكبر في عائلة يتبضع لنفسة ولبيتة ولا ينسى أخته فلانة أو أخيه علان، أما الأن......أراهن علي ذكاءكم في معرفة الوضع الراهن، فإن تذكر اخ أخته حين تبضعه أو تذكرت الأخت أخيها تعالت أصوات الاستنكار من حولهم ، ولا مانع من بعض الثرثرات الحاسدة "طبعا أمال إية هما شوية دول عندهم و عندهم و عندهم....قديما كان الأخ الأكبر لعائلة ثكلي يوقف كل عمرة و حياته حتي يؤمن مستقبل إخوانه و اخواته وتزويج من كانوا منهم بنات، أما الأن أعزائي يقتل الأخ أخيه أن لم يغافلة ليحصل علي حقه او حقها في الميراث......

لكم اشتقت أعزائي كثيرا الي "أم مريم" والي زمنها الجميل، حيث القلوب الطاهرة بنقاء السماء بعد انقشاع الغيم والمطر، و كرهت كثيرا ما ساد وقتنا هذا من إنحسار للأخر و تضخم للذات........ 


من وحي تجارب حياتية و خبرات جدا شخصية


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق