]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

البناء قبل الهدم ..

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-12-22 ، الوقت: 11:40:51
  • تقييم المقالة:

 

 

 

هكذا بمنتهى البساطة أقدمت السلطات العمومية ، بمدينة الناظور ، في ساعاتٍ مُتَقَدِّمةٍ من فَجْرِ الثلاثاء ، الموافق ل 2012/12/18 ، على هَدْمِ منازل حَيٍّ من الأحياء الآهلةِ بالسكان ، والناس نائمون . مِمَّا أثار الفزعَ الأكبر ، ونتج عنه صراخُ الأطفال ، وسقوطُ النساء مَغْشيّاً عليهن ، وغَضبُ الرجال غضباً شديداً . وآخر نبأ أفادَ بأنَّ شاباً انْتحرَ بعد أن شاهَدَ منْزِلَهُ قد صارَ كُومةً من الحجارة والأنقاض ، بعد أن تَعِبَ في بنائه طوبَةً طوبةً ... !!

وحُجَّةُ السلطات أنَّ تلك المنازل قامت في الأرض بصورةٍ عَشْوائِيَّةٍ ، ولم تُشَيَّدْ بقرارٍ إداريٍّ ، أو بناءً على رُخَصٍ قانونيةٍ ...

وكأنَّ جميع منازل المدينة هي كذلك ، توفرت فيها هذه الشروط ، ولم تَشُذْ عنها إلا منازل ذلك الحيِّ المنْكوبِ ... !!

وكأن كل شارع .. وكل رصيف .. وكل حارة .. وكل طريق .. وكل مكان في المدينة ، سليمٌ في بنائه ، قانونيٌّ في وُجودهِ ، مُناسِبٌ في تَخْطيطه ، جميلٌ في هندسته ، بديعٌ في شكله ... إلا هذا الحي المنكوب ... !!

وكأن كل حياتنا السياسية ، والاجتماعية ، والإدارية ، والقانونية ، سليمة أيضاً ، لا فوضى فيها ، ولا عشوائية ، ولا اختلالاً ، ولا اختلاساً ، ولا تزييف ، ولا تزوير ... إلا هذا الحي المنكوب ... !!

انظروا إلى شوارع المدينة الأساسية ، هل هي منظمة ؟!

انظروا إلى الأرصفة ، والأماكن العمومية ، هل هي صالحة ؟!

انظروا إلى الأسواق ، والمحلات التجارية ، ومواقف السيارات ، هل هي مناسبة ؟!

انظروا إلى حركة السير ، والمرور ، سواء للسيارات أو الرَّاجلينَ ، هل هي سليمة ؟!

انظروا إلى أصحاب العربات اليدويَّةِ ، أو تلك التي تَجرُّها البِغالُ والحَميرُ ، كيف تَسُدُّ الطرقات ، وتنتشر في أَهمِّ الأماكن ، وأكْبَرِ الشوارع ، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وهناك من يبقى حتى منصف الليل ...

وأكثر من هذا ، انظروا إلى النظام داخل المستشفى ، وداخل دوائر الأمن ، وداخِلَ مَكاتِبِ الإدارات العمومية ، وداخل أقسام المؤسسات التعليمية ، وداخل كل مَرْفقٍ من مرافق السلطة والحكومة ... هل هو نظام سَوِيٌّ ومُسْتقيمٌ ، لا عِوجَ فيه ولا عشوائية ؟!

أكل شيء في المدينة في مكانه الصَّحيحِ والمُناسبِ ، ولم يبق غير ذلك الحي ( المتمرد ) الذي خرج عن النظام المألوف ، وكان بُقْعةً مُلَطَّخَةً ، في ثَوْبِ المدينة الجميل والنظيف ، فكان حَقّاً على السلطات أن تُزيلَ أثره السَّيئَ ، حتى يبدو الثَّوْبُ كلُّهُ جميلاً ويَسُرُّ الناظرين ؟!

إن النظام الحقيقي لا يُبادِرُ إلى هَدْمِ منازل السكان أَوَّلاً ، على طريقة زُوَّارِ الفَجْرِ ، ولُصوصِ اللَّيْلِ ،  بل يسعى إلى إيجاد لهم هذه المنازل ، ومساعدتهم على تَشْييدِها ، بأَيْسَرِ الوسائل ، وأَقْربِ المسالك ، إلى القانون والجمالِ ، ثم بعد ذلك يُراقبُ الخُروقَ ، والفوضى ، والتَّسيُّبَ ، وهي في مَهْدِها ، قبل أن تَكْبُرَ ، وتُصْبِحَ بِحَجْمِ منازلَ ، يَخْلُدُ فيها الناس إلى الرَّاحةِ والنَّوْمِ .  


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق