]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

محبة الوطن

بواسطة: عبد الله المؤدب البدروشي  |  بتاريخ: 2012-12-21 ، الوقت: 07:36:15
  • تقييم المقالة:

                                             محبة الوطن

 

من حكمة الله جل جلاله..أن جعل محبة الأوطان فطرة في باطن الإنسان.. فنبضت بها القلوب.. وجرت بها الدماء في العروق.. وتوارثها الأبناء عن الآباء جيلا بعد جيل..يطيب العيش في الوطن..و لو كان الوطن كثبان رمل بصحراء ..                                 يعز على الإنسان مسقط رأسه                                                                                            .                             ولو كان قفرا لا يرد به صدى                                                

الوطن عزيز .. والوطن غالي .. حتى لو غادر الإنسان وطنه لضرورة .. يبقى الحنين إليه ساكنا في ذهنه و وجدانه.. بل يحن الإنسان إلى وطنه.. بمجرد السماع.. حين يعلم أن أباه و جده قدما من بلد بعيد.. يتولد فيه الحنين إلى ذلك البلد قبل أن يراه .. هكذا زرع الله في نفوسنا محبة الوطن .. هذه المحبة.. وجدها حبيب هذه الأمة.. صلى الله عليه وسلم..في بداية رسالته..في يوم بعثته المباركة .. حين ضمه جبريل إليه ضما.. وبلغه الخمس آيات الأولى من القرآن الكريم ..اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ..خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ .. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ .. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ .. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  [العلق : 1 - 5].. يومها ذهب الحبيب مع زوجته خديجة رضي الله عنها إلى ورقة بن نوفل.. وكان ورقة عالما بالتوراة و الإنجيل.. فسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. بداية نزول الوحي.. فقال له ورقة.. إن قومك سوف يعادونك.. وسوف يلحقك منهم شديد الأذى..وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ..يسمع من ورقة في سكون ..حتى قال له ورقة.. و سوف يخرجونك.. فانزعج النبي صلى الله عليه وسلم.. وتراءى أمامه فراق مكة.. و تحركت في قلبه محبة الوطن.. فقال بشديد الأسى..أوَ مخرجِيَّ هم؟!.. قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي..وبعد ثلاثة عشر عاما.. وفي ليلة هجرته إلى المدينة ..وقف على مشارف مكة .. وعيناه تدمعان.. وخاطبها بما في ذلك القلب الكبير.. من محبة وحنان..قال لها وقوله في صحيح الجامع ..ما أطيبكِ من بلد، وما أحبكِ إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيركِ..و استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة.. وأسس فيها دولة الإسلام.. ولم ينس مكة ..فكان من دعائه..اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبّنا مكة أو أشد.. هكذا كان مثلنا..و قدوتنا.. يحمل في قلبه الطاهر..محبته الصادقة للوطن..وفي أيامنا هذه.. أمامنا وطن.. نحمله في قلوبنا.. يحتاج من قلوبنا طهارة القلوب ..ولا ينقي القلوب إلا المحبة.. وهذه المحبة..لا تتحقق إلا بما شرع الله لنا..لأن ما يشرعه الإنسان.. يحمل الخطأ كما يحمل الصواب .. ويمر على أحكامه عامل الزمن.. فتحتاج إلى تنقيح و تجديد .. فالذين يريدون إبعاد الدين عن حياة الناس ..إنما يريدون بهذا الوطن سوءا.. فالذي يشرعه الله.. هو الحق ..وهو الدائم الباقي.. وهو الصواب الذي لا يحمل الخطأ.. ومحبة الأوطان في شرع الله.. تتطلب أركانا تنبني عليها.. وأول هذه الأركان.. أن نكون أمة واحدة كما أمرنا الله..بأمره جل في علاه..إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء : 92].. و لا تتحد هذه الأمة.. إلا بتوحدها في عبادة الله..وَأَنَا رَبُّكُمْ، فَاعْبُدُونِ.. أمرنا الذي خلقنا أن نتحد على دينه..وأن نلجأ إلى شرعه ..و أن نعتصم بتعاليمه..فقال تبارك و تعالى..وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا  [آل عمران : 103]..تمسكوا بهذا الدين.. اجعلوا طرفه في قلوبكم..لأن الطرف الثاني موصول بربكم.. فالتآلف بين الأمة يقوم على حسن العبادة.. وهما جميعا يؤلفان محبة الوطن.. من أجل ذلك..واجب علينا أن نتآخى..واجب علينا نتعامل بود.. ألم يقل  خالقنا جل وعلا..إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ  [الحجرات : 10].. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه و سلم.. وكونوا عباد الله إخوانا.. لا بد أن نجسم هذه الأخوة لنكون من الطائعين.. فلا تنافر بين المسلمين في الإسلام.. ولا أنانية في الإسلام.. ولا تقديم لمصلحة خاصة على المصلحة العامة في الإسلام ..ونداء حبيبنا صلى الله عليه وسلم..يتردد على مسامعنا..لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.. فنحن الأمة الواحدة .. الأمة المتراحمة.. الأمة المتآلفة ..فلا خصام و لا تخاصم..  و لا يرضى الله على رجلين متخاصمين .. و لا يقبل الله عملا من رجلين متخاصمين.. جاء في صحيح الإمام مسلم..قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.. تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ.. فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا.. أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا.. ويوم يصطلح المسلم مع أخيه المسلم.. تفرح الأرض من تحت أقدامهما.. و تفرح السماء بارتفاع أعمالهما..فليس في الإسلام  اعتداء.. وليس في الإسلام قطع طريق..الإسلام عكس ذلك.. الطريق في الاسلام.. سبيل واسع ممهد.. لقضاء مآرب المسلمين.. ولمن سهل المشي فيه أجر عظيم..  أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وحديثه في صحيح مسلم ..قال..لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ.. فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ.. كَانَتْ تُؤْذِى النَّاسَ.. من أجل ذلك كانت خشية الفاروق عمر بن الخطاب.. حين قال..لو عثرت بغلة في العراق .. لخشيت أن يسألني الله عنها لمَ لمْ أسو لها الطريق..فالمسلمون مأمورون بالتعاون..و الآمر هو الله..وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[المائدة : 2]..  التعاون يكون على البر..بين كل مسلم و مسلم.. بين كل مؤمن و مؤمن.. يقيمون الصلاة صفوفا متلاحمة.. يتعاملون بينهم بمودة وإخلاص.. تجمع بينهم أخوتهم الصادقة و قلوبهم السليمة .. يخشون ربهم ..و يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الأبصار..يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ .. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  [الشعراء : 88 ، 89] .. والقلب السليم.. هو القلب المتسامح..القلب الودود.. و صاحب القلب السليم هو الذي يعيش دنياه سعيدا..و يموت رغيدا.. و يسلم من عذاب القبر و هول المحشر .. فإذا أقبل على الله..فرح الله به.. وأفرحه الفرحة الدائمة.. يؤتيه كتابه بيمينه.. وتحمله الملائكة على منبر من النور..إلى مثواه في جنات النعيم.. تلك نتيجة التآلف و التعاون على البر.. خلود في النعيم يوم القيامة ..وقبل ذلك سعادة و هناء و أمان في الحياة الدنيا.. وكم يحتاج وطننا اليوم إلى قلوب سليمة ..منفتحة على كل أبواب الخير..واعية بحق ربها..عالمة بحقوق من حولها.. وكم يحتاج وطننا اليوم إلى جموع متآلفة متعاونة تقية..  تتعامل بينها بإحسان..لتنشأ الأمة  التي أرادنا الله أن نحيا في رحابها..في أمان و اطمئنان.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق