]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الفيلسوف محمد باقر الصدر

بواسطة: Hatem Ahmed  |  بتاريخ: 2012-12-20 ، الوقت: 19:07:28
  • تقييم المقالة:

 الفيلسوف محمد باقر الصدر

 

 

حاتم عبد الرحمن سيد أحمد

 

نبذة عنه:

ولد الفيلسوف محمد باقر بن حيدر بن إسماعيل الصدر في مدينة الكاظمية بالعراق سنة 1353هـ ، و توجت حياته بالشهادة بعد اعتقالة لأربع مرات  وتعرضه لتعذيب وحشي- بسبب مواقفة وأفكاره - كان آخرها يوم السبت 19جماد الأول 1400هجري الموافق 5/4/1980 ميلادي ، وبعد ثلاثة أيام من الإعتقال والتعذيب الشديد تم إعدامه وكان عمره الشريف 47 سنة وفي مساء يوم 9/4/1980  دفن جثمانه الطاهر في النجف الأشرف .

    وقد تميز  الفيلسوف الصدر بقدرة فائقة على سبر غور الأبحاثوالدراسات العلمية التي بحثها أو كتبها، فجميع أبحاثه ودراساته تبهر العقول في عمقها وأصالتها ، وترى فيها مع الدقة والعمق ، السعة والشمول، بالاضافة الي منهجية رائعة في طريقة العرض جعلت منه مدرسة فلسفية رفيعة المستوى. أسس الفيلسوف الصدرمن خلال أفكاره ونظرياته مدرسة  فكرية أصيلة اتسمت بالشمول من حيث المشكلات التي عنيت بها، والميادين التي بحثتها وقد أغنى المكتبة  بمؤلفات رائعة مثلت أفقاً واسعاً في المعرفة  واتسمت بالأسلوب الرصين والتجديد والأصالة. شملت مؤلفاته كل فروع المعرفة والفلسفة والاقتصاد والفكر منها ، البنك اللاربوي في الإسلام، دروس في علم الأصول، غاية الفكر في علم الأصول، بحث حول المهدي ، فدك في التاريخ، المرسل والرسول والرسالة، الإسلام يقود الحياة،  المعالم الجديدة في الأصول، الفتاوى الواضحة، نظرة عامة في العبادات، بحوث في شرح العروة الوثقى وغيرها. أبانت  دراسته العميقة  للفلسفة عن تهافت المنظومات الأيديولوجية الفكرية والاقتصادية المغايرة للإسلام في كتابه فلسفتنا، الذي يناقش المذاهب الفلسفية وخاصةً الفلسفة الماركسية التي كانت تنتشر بحدة في أوساط العراقيين ، ، وكتاب الأسس المنطقية للاستقراء الذي افتتن به الدكتور ذكي نجيب محمود  ، واعترف له بلقب ( الفيلسوف الحق) [1]، وكتاب اقتصادنا، الذي ألفه وعمره الشريف 27 سنة ويشتمل على جزئين في المادية التاريخية وقوانين الديالكتيك ، وتحدث فيه عن الاقتصاد الإسلامي وناقش فيه النظريات الاقتصادية بنظرة نقدية اتسمت بالموضوعية والنكران الذاتي ، ووضع فيه الهيكل العام للإقتصاد الإسلامي    وكتاب "المدرسة الإسلامية" وهو حلقة الوصل بين "فلسفتنا" و "إقتصادنا"الذي ألفه وعمره الشريف 26 سنة، وهو دراسة موضوعية لأهم الأسس الفلسفية. أعطى  أولوية في أبحاثه وكتاباته فدعا إلى اتباع منهج جديد في تفسير  فكان التفسير الموضوعي في محاولة منه لجعل المفاهيم القرآنية أكثر حركية ومرونة وحيوية واعتمد مقولة السنن الطبيعية والإلهية في تفسير حركة التاريخ والإنسان فجاءت كتاباته في هذا السياق ممنهجة ومؤصلة وتنم عن رؤية ثاقبة وقدرة فائقة على تناول الموضوعات فضلاً عن اتسامها بالطابع الشمولي ما جعل الشهيد الصدر كما يقول عبد الجبار الرفاعي "مؤسساً ومؤصلاً للخطاب الإسلامي الجديد، فهو لم يقتصر على النقد المنهجي للفكر الغربي وإسقاطاته في الفكر العربي الحديث إنما تجاوز ذلك إلى العمل على إعادة الثقة بالعناصر والمقومات الذاتية للأمة المسلمة وبعث عناصر الحياة واستدعاء روح الإبداع الكامنة في تراثها وماضيها". حاول الشهيد الصدرتنظيم علمي الأصول والفقه لجعلهما يتماشيان مع التطورات والمستجدات فكتب غاية الفكر في علم الأصول، وهو عشرة أجزاء طبع منه الجزء الخامس فقط وفقدت الأجزاء الأخرى. واكب في حركته الفقهية التطورات والمستجدات في حركة الحياة التي لم يتناولها التشريع بشكل تفصيلي، أو تلك التي كانت تتحرك في الواقع ولم يمكن إعطاؤها خطاً شرعياً محدداً، فأوجد نظرية تعالج هذه الأمور عرفت "بمنطقة الفراغ".. كان رائد من رواد الوحدة الاسلاميه في العالم الاسلامي له نظرة شاملة الي الانسانية ويدعو الي تقارب المذاهب الاسلاميه ، ويسعي الي وحدة المجتمع القائمة علي التنوع يلفت إلى ضرورة تكتل كل شرائح الامه في سبيل قضاياها الكبرى ، فيقول : "إني منذ عرفت وجودي ومسؤوليتي في هذه الأمة بذلت الوجود من أجل  و على السواء، ومن أجل العربي والكردي على السواء، حيث دافعت عن الرسالة التي توحدهم جميعاً وعن العقيدة التي تهمهم جميعا[2]". ولكن هذة الوحدة التي يدعو لها الفيلسوف الشهيد ترتكز- عنده - على  دون سواه فيقول "أنا معكما يا أخي  و[3] بقدر ما أنتما مع الإسلام "، في إشارة واضحة إلى الوقوف بوجه كل التيارات المنحرفة والدفاع عن  وترسيخ عقيدته، محاولاً في الوقت نفسه، إفشال المخططات الرامية إلى بث بذور الفتنة وإحداث القلاقل من خلال النفاذ إلى المجتمع واللعب على أوتار الطائفية لإحداث شرخ فيه، سواء تمثّل ذلك بالاستبداد الداخلي أو في تلك الموجات العقائدية والفكرية الوافدة من الخارج.

لماذا تم اختيارة:

الفيلسوف الصدر نقلة نوعية في عالم الفكر ، وعالم الواقع ،  خط بمداد قلمة فكر الاسلام ، وبدمائة الزكية موقف الاسلام ، فهو عالم عامل

جدارته كفيلسوف تنبع مما يلي[4]:

    شموليته : والتي تتبدي من النظرة المستوعبة لكل اطراف الموضوع الذی يتناوله ورجوعه في كل موضوع إلى المقدمات المؤثرة فيه والنتائج المترتبة عليه . تجديده: في أنه لا يتقيد بالصيغ التقليدية أو يكون حبيساً بالافق الذی نشأ فيه فهو يتطلع إلى آفاق المستقبل ويرسم على ضوء ذلك نهجه التجديدی. تنوعه :  من خلال كتبة في العديد من المجالات فقد  كتب في الفقه والاصول والتاريخ والتفسير والفلسفة والاقتصاد والاجتماع .. وغيرها. أما جدارته كامام فتنبع من موقفة ، واستشهادة من أجل مايؤمن به.

لذلك افكارة حية ،  تقدم حلولا لمشاكل الواقع الاسلامي ، وتمثل مشاريع طويلة الامد في مجالات مختلفة ، واحاديثة تحرير للخطاب الديني من المباشرة الخطابيه السطحية الجافه ، حتي استحق لقب : مؤسس الخطاب الاسلامي الجديد.[5]

 

أهم افكارة:

سأكتفي في هذه المقالة بمناقشة بعض أفكارة فيما يتعلق بالتاريخ  ، ونظريته في حركة التاريخ في نقطتين فقط، ، قوانين تحكم التاريخ ، وكيفية تأثير العامل الانساني في حركة التاريخ .

 

    قوانين تحكم التاريخ[6]:

يؤكد الفيلسوف الصدر انّ :

    الساحة التاريخیّة لها سننٌ، ولها ضوابط، كما أن هناك سننٌ وضوابط لكلّ الساحات الكونیّة الأخرى. هذة السنن التاريخیّة عبارة عن قوانين تتحكّم فی عملیّة التاريخ . تتميز السنن التاريخية بأنها : ذات طابع علمی؛ لأنها تتميز بالاطراد الذی يميز القانون العلمی ذات طابع ربانی؛ لأنها تمثل حكمة الله وحسن تدبيره على الساحة التاريخية، ذات طابع انسانی ؛ لأنها لا تفصل الانسان عن دوره الايجابی ولا تعطل فيه ارادته وحريته اختياره، وانما تؤكد اكثر فأكثر مسؤوليته على الساحة التاريخية القرآن أول كتاب عرفه الإنسان أكد على هذا المفهوم، وكشف عنه وأصر عليه وقاوم النظرة العفوية أو النظرية الغيبية الاستسلامية لتفسير الاحداث بكل ما لديه من وسائل الاقناع والتفهيم،لذلك فأن البحث فی سنن التاريخ مرتبطٌ ارتباطاً عضویّاً شديداً بكتاب الله بوصفه كتاب هدىً وإخراج للناس من الظلمات إلى النور.

وعند مناقشة هذا الرأي نستطيع ان نقول :

    نتفق مع ماذهب اليه الصدر من أن للتاريخ سننا وقوانين تحكم مسيرته ، الا ان هذة القوانين ليست قوانين علية أو سببيه تعزو حدوث الاحداث إلى الأسباب الأساسية التي أحدثتها فقط ، ولكنها قوانين غائية تُرجع حدوث الاحداث إلى الغاية التي من أجلها حدثت الواقعة ،ولكن غائيتها ذات طبيعه خاصة ، علمية –ربانية – انسانية، وبالتالي فأن أحداث التاريخ لاتحكمها علاقة حتمية وقطعية. مع أن القرآن الكريم أكد عليمفهوم السنن ، بتواتر في العديد من الآيات مهد الى تنبه الفكر البشری لفهم التاريخ فهما علميا ، مثل قولة تعالي( سنه الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) كان نتيجتة دراسات ابن خلدون لكشف سنن التاريخ وقوانين بعد نزول القرآن بثمانية قرون ، الا أننا نجد فكرة العناية الالهية كتعبير عن  هذة السنن نجدها في أفكار حضارات الإنسان عبر التاريخ، على سبيلالمثال نجد أن المصريين والبابليين والآشوريين والأكاديين واليونانيين القدماءآمنوا بأن الإنسان جزء من الكون، ومن ثم يسري عليه ما يسري على الكون من قوانين[7]، والمؤرخون في العصر اليوناني والروماني آمنوا بوجود قوة إلهية مقدسة، لكنهم ذهبواإلى أن حركة التاريخ تنطلق من إرادة الإنسان، والإرادة الإلهية تتدخل لدعم إرادةالإنسان الحرة[8].مما يجعلنا لانتفق مع الكاتب في ان القرآن كان أول من قال بوجود سنن التاريخ.
    كيف يؤثر العامل الانساني في حركة  التاريخ أو ( حركة الامة) يري الفيلسوف الصدر أن غريزة حب الذات ، هي أصل كل الغرائز ، ويعبر الانسان عن هذه الغريزة بحب اللذة  والسعادة وبغض الألم والشقاء. وهذة الغريره هي المحركة للتاريخ ، وهي تكمن وراء الحياة الإنسانية كلها وتوجهها بأصابعها ، وبها يفسر كل سلوك الإنسان لا في مجال الأنانية فحسب، بل في مجال الإيثار أيضاً [9]. وأن المآسي التي تعيشها البشرية رهين بطريقة معالجة هذة الغريزة ، [10]  فالماركسية تتبنى تفجير الدوافع الذاتية في الطبقة المسحوقة وتدفعها إلى انفجار ثوري، قد يحقق شوطاً من العدالة الاجتماعية، لكنه يبقى يواجه مشكلة حب الذات التي تعمل على إفشال تجرية هذا الشوط من الطريق ، والرأسمالية تتبنى التركيز على الدوافع الذاتية لدى الطبقة المرفهة، وتحقق بذلك تقدماً على الطريق، لكنه تقدم مقرون بظلم وحيف واستغلال وامتصاص دماء .

وعند مناقشة هذا الرؤية ، نقول:

    نحن نتفق مع الفيلسوف  الصدر فيما ذهب من أم غريزة حب الذات هي اصل الغرائز ، والقرآن ملئ بالآيات التي تؤكد هذا المعني ، قد قال الله تعالي ( ان الانسان خلق هلوعا . اذا مسة الشر جزوعا . واذا مسة الخير منوعا) الشيوعية التي بشرت بحل مشكلات البشرية والليبرالية الديمقراطية التي يبشربها أصحابها اليوم في ظل العولمة لم تستطع إقامة المجتمع السعيد التي بشرت به، وهذه المظاهرات الصاخبة في أوربا وامريكا ضد العولمة هي من أمارات ذلك الفشل . نتفق مع الفيلسوف في ان الاسلام هو البديل القادر على تربية غريزة حب الذات تربية تقي المسيرة التاريخية من التناقضات والصراعات وتحل هذا الاشكال  ،ولعل ولادة البشرية على ظهر الأرض متزامنة مع ظهور النبوة يؤكد ذلك.

هذه بعض افكار وآراء الفيلسوف فيما يتعلق بفلسفة التاريخ فيما تسمح به المساحة ولكننا نعتقد أن كتابات الصدر حول فلسفة التاريخ تحتاج إلی دراسة ابعد و اعمق.

 

 

 

 

 

 

 

 

[1]نقلا عن الدكتور عدنا ابراهيم في محاضراته عن الفلسفة ومباحثها

[2]خضير ميري  محمد باقر الصدر .. الحقيقة الخالدة : http://www.babnews.com/inp/view.asp?ID=52277

 

 

 

 

 

 

 

   

 

[3]المرجع السابق

[4]الإمام الصدر.. تأملات فی فكره وسلوكه ،http://ca.iqna.ir/es/news_detail.php?ProdID=529637

[5]في حوار مع الدكتور نعيم الموسوي – رئيس قسم الفلسفة – جامعة الكوفه.

[6]كتاب "قوانين تحكم التاريخ" اعداد مركز نون للتأليف والترجمة ، صدرت الطبعة الاولى منه عن جمعية المعارف الاسلامية الثقافية فی عام 2009م-1430هـ.

[7]- د. رأفت غنيمي الشيخ، فلسفة التاريخ، ص ٧٢.

[8] د. إسحاق عبيد، معرفة الماضي، ص ١٨

[9]كتاب (فلسفتنا ) ص36

[10]كتاب اقتصادنا

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق