]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المرأة في زمن الحكومات الملتحية

بواسطة: Jalil Galiaty  |  بتاريخ: 2012-12-20 ، الوقت: 18:05:35
  • تقييم المقالة:

 

المرأة في زمن الحكومات الملتحية

 

بعد كل هذه الصراعات والتدافعات السياسية  التي عرفها العالم العربي من البحر الى الصحراء ,أضحت مجتمعاتنا تعج بقاموس جديد من المصطلحات من قبيل الربيع العربي ,الشبيحة ,الفلول ,الحكامة الديمقراطية المفترى عليها ,الشعبوية والمرأة ,وهذا ما يهمنا في هذا المقال باعتبار المرأة رافد من روافد التنمية وركن اساسي في البلاد العربية .لكن الغريب في الامر هو هل استطاعت فعلا المرأة العربية من الصمود مع هذا التسونامي العجيب الذي اخرج العفاريت والتماسيح من قمقمه؟ وهل استطاعت ايضا ان تثبت شامخة  مع رياحه العاتية للحفاظ على المكتسبات التي تحققت ؟وهل فعلا فرضت وجودها على الساحة ألسياسية ؟ ثم هل أنصفها الربيع العربي  من تبوء المكانة التي تستحقها بعد مراكمتها للعديد من النجاحات  في ميادين شتى داخل المجتمعات التي عرفت انتفاضات اجتماعية وسياسية لتحقيق المزيد من المكاسب الحقوقية والقانونية ,في ظل سحب البساط من تحت أقدام الديكتاتوريات الكارتونية ؟.فمن غريب الصدف أن نجد هذه المجتمعات لازالت تنظر الى المرأة بتلك النظرة الدونية باعتبارها مجتمعات ذكورية لا محل  للمرأة فيها من الاعراب ,حيث تضع المرأة على أبعد مسافة ممكنة بعضها من بعض على حد تعبير قاسم أمين .فالرجل يجب أن تكون له لحية طويلة ,أو على الاقل شارب ضخم حتى تكون رجولته ظاهرة من بعيد.من مسافة.وهذا التعبير يحيلنا على المجتمعات الرجولية القديمة أو ما يسميها الغرب (بles sociétés patriarcales   ) أما المرأة فيجب أن تكون بل أن تبدو كخيمة تمشي على قدمين ,خيمة لا يبدو منها  سوى ثقبين ضيقين يسمحان لعينيها بالرؤية .ان كلا من الرجل والمرأة يجب أن يتميز عن الاخر في سلوكه.فالرجل قوي عدواني وجهوري الصوت .والمرأة ضعيفة خجلة ,خافتة الصوت تلتزم دائما موقف الدفاع ..المرأة لا تتكلم  ,بل تسمع ,لا تناقش  ,بل تطيع لا تتحرك .بل تنتظر ,فهي تنتظر في البيت حتى يصل اليها العريس .والرجل يستطيع أن يتزوج في أي وقت ,أي سن .أما المرأة فلا بد أن تتزوج  في سن محدد وإلا لحقها عار العنوسة,وأتبعها كلام المجتمع المريض بالنميمة ,لدى فالمجتمعات العربية التي تتغنى بحرية المرأة قد أقامت حائطا سميكا وعاليا بين الرجل والمرأة لمعرفته المسبقة بخطورة الوضع في تحرير المرأة,فلقد غطت هذه المجتمعات جسم المرأة بعباءة واسعة لا ينفد منها الضوء ولا الشمس ولا الهواء ,عباءة أخلاقية كان من المتوقع أن تختفي تحتها كل الرذائل ,وتبرز خارجها كل الفضائل.انها نفس المجتمعات في ظل الديكتاتوريات التي اتخذت من قبل أقصى احتياطاتها لنشر الفضيلة والقضاء على الرذيلة ؟نفس المجتمعات التي أرادت أن تحمي المرأة من الرجل ,والرجل من المرأة ؟رغم تكاملها وليس هناك اختلاف في قواهما الادراكية ,بل كل ما هنالك هو اختلاف جزئي من الناحية الفيزيولوجية.انه نفسه المجتمع الذي ارتدى من قبل عباءة أخلاقية محكمة تحصنه من الرذيلة.ان كل ما حدث هو أن الرذيلة انتقلت لتعمل تحت الارض بعيدا عن الاضواء الكاشفة ,فعلى السطح يحتفظ المجتمع بستار كاذب وتحت السطح تنتشر بؤرة فساد أخلاقية تتسع وتتسع,لا لشيء  إلا لأنها بعيدة عن الضوء ,كأن المجتمعات العربية تنظر الى مياه النهر فتتصور أنها هي هي لم تتغير رغم ما جرى من ماء كثير تحت الجسر بعد الربيع العربي ,إلا أنها لم تكن تعلم أن هذه المياه تتغير كل دقيقة .كل ثانية ,كانت تتصور هذه الحكومات الملتحية في البلدان العربية التي عرفت الحراك الاجتماعي أنه –بمنطق الإكراه سترغم المرأة على الفضيلة  ,ولكنها لم تكن تعلم في غياب خبراء اجتماعيين وعلماء الاجتماع لسد باب ألاجتهاد أنه  لايوجد انسان فاضل أو غير فاضل قبل أن يملك حق الاختيار ,وقبل أن يكون حرا.ادن ففي ظل هذه التحولات نستنتج خلاصة مفادها ان دنيا المرأة تعطيها كل يوم درسا جديدا يؤكد ضرورة السلبية رغم الشعارات البراقة والمعسولة التي أنتجتها هذه الحكومات اثناء حملاتها الانتخابية .فستبقى كامرأة عليها أن تطبخ ,فالطبخ في التقاليد العريقة للمجتمع الذكوري يعلمها كل يوم أن تصبر وتطيع وتستسلم ,انه أسلوبه الميكانيكي لتدجينها ,فعليها أن تطيع النار ,تطيع الماء ,تنتظر السكر حتى يذوب ,والعجين حتى يختمر,والغسيل حتى يجف ,والزوج حتى يأكل ,انها تنتظر الاسرة حتى تقرر ,انها تنتظر زوجها حتى يأتي من العمل أو من المقهى ,تنتظر الدورة الشهرية ,تنتظر الطفل كل سنة ,وتنتظر اليوم الحكومات الملتحية حتى تنضج .ان حياتها كلها انتظار طويل لا ينتهي  .انها في انتظار عودة زوجها من العمل أو من الخارج ,لكي تعمل ,في انتظار ابتسامته ,لكي تهدأ .في انتظار ضحكته ,لكي تستريح .في انتظار نقوده كل شهر ,لكي تأكل .حتى في الفراش تظل في انتظار رغبته لكي تبدأ رغبتها ,فبفعل كل هذا الانتظار نسجل البون الشاسع بين القول والفعل لدى هذه الحكومات التي جاءت من صناديق الاقتراع  الشعبي ,نسجل الفجوة العميقة بين الرجل والمرأة في ظل التحولات الكونية التي عرفها القرن الواحد والعشرون ,فالرجل له الحرية وللمرأة الرق .له العلم ولها الجهل .له العقل ولها البله والتبلد .له الضياء والفضاء ولها الظلمة والسجن .له الامر والنهي ,ولها الطاعة والصبر .له كل شيء في الوجود وهي بعض الكل الذي استولى عليه.    
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق