]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مُبَعثَرةٌ فِي كَومَةِ أمَلْ * !

بواسطة: Noor Shiyyab  |  بتاريخ: 2012-12-20 ، الوقت: 17:12:45
  • تقييم المقالة:





مُبَعثَرَةٌ في‘ كَوْمَةِ أمَل * !


تبكي بحرقة مستجمعة كل قواهـا , تصيح وكأنهـا تعلم بأنهـا وحيدة ! هي تلك الطفلة التي زُجت في ملجأ الأيتـام , تنهمر الدموع من عينيهـا فترتطم بخصلات شعرها  الذهبية , وكأنها تسمعُ قرع طبول الفراق , وكأنها تعلم أن جميع من في الكون قد رحلوا وفارقوها , هي طفلة ما رأت من العمر سوى ربيع واحد , مأساوية حياتها منذ البداية. لا تملك سوى قلادة نحاسية معلقة في جيدها , وضعها أبوها في ذلك الملجأ العتيق  , الذي لطالما رأت جدرانه آلاف القصص في زمن تجرد فيه بعض بني البشر  من الإنسانية , تركهـا وكأنه يُوّدع قطة لم تعرف معنى القسوة بعد , تركها ومضى ليكمل بقية حياته ! وكأنه لم يكن أباً قط , وكأنه لم يكن إنساناً قط , وكأنه لم يملك أي ذرة من المشاعر , مضى ليكمل أحلامه الحمقى , ذهب ليشوه بقية الأماكن , لينشر إعاقةً في الفكر ..
      مرّت الأيامُ كالبرقِ في سرعتها ,كلحنٍ حزين في أوجاعها ,مرت لحظاتُ الفقد على تلك الفتاة كريح عاتية ,ولم تقصر الحياة في تعذيبها , ومرت الأيام وتتابعت الفصول ,و بلغت تلك الطفلة التي ما عرفت يوماً معنى الطفولة من الحياة ثمانية عشر ربيعـاً ,وحان الوقت للرحيل الثاني ,وجاء موعدُ الفراق التالي ,الآن هي من سترحل عن عالمها الوهمي ,رحلت ليس معها سوى كومة أمل وتلك القلادة المبهمة عينها ؛فلم يكن لها غير الشارع مأوىً ,ولآ غير الدفئ مهوى ,دموعها صهرت جبال الجليد , ولكنها زرعت بسمة الواثق بربه و يا للعجب من ثقتها بمستقبل جديد .. واضعةً في خيالها مبدأ: أنّ حياتنا لنا ونحن صانعوها !

      تسير وهي لا تكاد  تستطيع الوقوف,إلى أن وصلت إلى ذلك البيت المهجور الذي لم تأمل بوجود أحد فيه , ارادت فقط ان تحمي نفسها من زخات المطر , دخلت ورأت ما لم يتحمله حنان قلبها ! رأت عجوزاً باكيةً رافعة يديها,تبكي الذكريات بين تجاعيد كفّيها, تدعو ربها أن تلتقي مولودها الذي أصبح الآن في غض الشباب وحُرمت من احتضانه ولو لمرة , بسبب أبٍ ظالم لم يعرف للأبوة معنى, ما لبثت الفتاة أن سمعت دعاء تلك المرأة إلا أن اقتربت وحضنتها , علّها تخفف من وجعها الذي ارتسمت لأجله معاني الشفقة في عينيها .
      احتضنتها ,وكأنها في حريق من الاشواق ,تلاقت حمم الحنين في دقات قلبيهما , وازدادت النبضات ... وعم الصمت الاركان ,ثم ركضت الفتاة تجمع بقايا الحطب علّ الدفىء يساعد كليهما على الشفاء من الوجع ,ورغم ذلك لا تزال البسمة تزين ثغرها البسّام ,أكملت العجوز سرد قصتها ,مخبرةً الفتاة بأن جُل ما تعرفه عن مولودها أنه امتلك قلادة صفراء كانت هي الباقية لها من أمها ,وشعر أصفرٌ كخيوط الشمس في صباحٍ جميل, وما أكملت العجوز قصتها إلا وأحجمت الفتاة تحمل مجازر وحروب في عقلها ,اشتبكت الأفكار ,وتعرقل سير الكلام, وتعطلت شفتاها ,وقلعت طاقية الصوف الحمراء من أعلى رأسها لتخرج سنبلات القمح الذهبية من أسفلها ,شعرها البراق كشعر والدتها ,قلادة نحاسية كقلادة والدتها ,وقصة مأساوية كقصة امها ,قطرات الندى تحكي القصة وتفصل معنى العبرَه ,والدموع نفسها تبكي على سنوات من العمر مضت في عذاب.
      والابتسامة هي ذاتها لم تفارق شفتيهما تحكي قصة أمل ممزوجة بالعذاب ,قوس قزح يزين المكان والندى يضحك بأعلى صوته,وأمٌ وابنتهـا كلٌ تربت بيدها على كتف الأخرى تسندها وتقويها وتطمئنها,بعيدتين عن أبٍ تعرى من كل معاني الأبوة, بأن القادم أجمل بإذن الله ...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق