]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الفلسفة كعلم ، والفلسفة كنشاط

بواسطة: Hatem Ahmed  |  بتاريخ: 2012-12-19 ، الوقت: 19:05:11
  • تقييم المقالة:

الفلسفة كعلم ، والفلسفة كنشاط

حاتم عبد الرحمن سيد أحمد

ما من علم من العلوم، تعرض لجولات من الهجوم والهجوم المضاد، مثلما تعرضت الفلسفة منذ انتقالها من اليونانية إلي العربية علي يد ثلة من المترجمين في الربع الأخير من القرن الثاني الهجري.

وقد شهد تاريخنا معارك فكرية جدلية وجولات من الكر والفر حول الفلسفة ، بين تهافت الفلسفة للغزالي ، وتهافت التهافت لابن رشد ، وكان الفوز حليف الغزالي لا لأنه كان محقا،بل لأنّه كان ابن عصر مؤيد للمنطق الفقهي باِمتياز ومنكِر للفكر الفلسفي،و لقي دعما جماهيريا استمر حتى الوقت الحاضر بين الأصوليين ودعاة التقدم والتجديد..

ولعل السبب في ذلك هو سوء فهم الفلسفة ، الناتج عن عدم القدرة علي تنميطها هل هي علم ، أم نشاط ، هلي هي منتج أم منهج ، والخلط بينها وبين السفسطة ، المنهي عنها ،و التي قد تشبهها في الممارسة إلا أنها تختلف عنها في المضامين والغايات.

الفلسفة ليست علما خالصا ، وليست نشاطا ككل الانشطة ، قد تشترك مع العلم في جوانب ، وقد تشترك مع الأنشطة في جوانب إلا أنها- مع ذلك- نسيج وحدها.

تشترك الفلسفة مع العلم في غايته و في نشأته وفي تطور كلا منهما اعتمادا علي الاخر، فكلا منهما يسعي إلي معرفة الحقائق .  وقد نشأ العلم مع الفلسفة وكأنهما موضوع واحد لا حدود بينهما ولا فواصل وكان الفلاسفة القدامى علماء ،وكانت كتاباتهم تشتمل على مباحث فلسفية ومباحث علمية على حد سواء .

وقد ارتبط تطور الفكر الفلسفي بتطور العلم، وكان اكتشاف الفيثاغورثيين لبعض الحقائق الرياضية أصلا من الأصول الهامة التي صدرت عنها نظرية (أفلاطون) في (المثل) ، ودانت فلسفة ديكارت (ت1650م) بالكثير من أصولها لما وصل إليه العلم على يد (غاليلو) وبعض معاصريه .إلا أن الحقائق التي ترنو إليها الفلسفة تختلف عن الحقائق العلمية وتتكامل معها  فهي حقائق كلية ، وليست فرعية ، حقائق توحيدية مترابطة وشامله، وليست منفصلة وجزئية، تعتمد علي العقل والتأمل كأداة المعرفة الوحيدة ، وليس الاختبارات المعملية ، مجالها الوجود والمعرفة والقيم.

تمايز الفلسفة كنشاط  أوسع من تمايزها كعلم ، فالنشاط الفلسفي نشاط تساؤلي تحليلي وتركيبي لاينفك منه انسان ،وهو يهدف إلي تفسير الواقع ، وتجاوزه ، وتغييره ، من خلا ل تحليل ظروف العصر وقضايا الواقع  والنظر في علل الأحداث البعيدة غير القريبة ، وعلاقتها بالفكر السائد ، ودراسة صلاحية المناهج الفكرية السائدة في معالجة مشكلات الإنسان ، ومحاولة الوصول إلي الحل الأمثل لهذه القضايا في ضوء تصور متكامل لقضايا الوجود الإنساني والكوني واستشراف لما يمكن أن يحدث مستقبلا.

فالفلسفة الرواقية في العصر الروماني تجاوزت واقع مجتمع القهر والظلم  وقدمت حلا – لكل عصر- بالتكيف الايجابي مع ظروف الواقع السيئ ، يعتمد علي التماس السعادة من داخل الإنسان  ومن وعيه الذي لا يستطيع أن يتحكم فيها أحد ، وليس من خارجة الذي يتحكم فيه الأباطرة ظلما وفسادا. وأفلاطون سعي إلي تغيير المجتمع – الذي عاش فيه-  من أفراد يبحثون عن مصالحهم غير عابئين بمصلحة المجتمع ككل ، إلي مجتمع يتحلي أفراده بالفضائل الضرورية لصلاح المجتمع الإنساني ككل ، فيما عرف لدية بالدولة المثالية ، التي تستند إلي أن يحقق كل فرد أولا العدالة داخل  نفسه بإقامة التوازن بين وظائف نفسه ، تتحلي المنتجون بفضيلة العفة ، والجنود بفضيلة الشجاعة ، والحكام بفضيلة الحكمة.

وعلي مثل هذا الدرب سارت المذاهب الفلسفية الكبرى في تاريخ الفلسفة في العصر الحديث فظهرت الليبرالية والماركسية رفضا لواقع مجتمعي سائد ، وحلا – كليا وشاملا - متصورا لتلك المشاكل المجتمعية في كل مجتمع.

إن الفلسفة بهذا لا تغني عن العلم، كما العلم لا يغني عن الفلسفة. الفلسفة نشاط عقلي تساؤلي دائم، وآلية للبحث العميق لا يمكن للبشرية أن تستغني عنها لأنها تقود عجلة التقدم الإنساني للمجتمعات.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق