]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ابن المقفع : من كاتبٍ للدولة إلى وَقودٍ لِلتَّنُّورِ !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-12-19 ، الوقت: 11:02:12
  • تقييم المقالة:

 

... شهد كثيرٌ من مُعاصِريه بأنه كان ذكياً ذكاءً مُفْرِطاً .. فقد قال عنه المشايخُ ، في الزمن القديم : « لم يكن في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع !! 

وأنه كان سَخِيّاً كريماً ..

ونبيلاً ووقوراً ، يَتَرَفَّعُ عن الدَّنايا ، ويُقَدِّرُ الأُخوَّةَ والصَّداقةَ ..

وأنه كان بَليغاً ، بل كان أكبر بلغاء عصره ..

وأنه كان عاقلاً جدّاً جِدّاً ..

ومِمَّا يُرْوى عنه أنه سُئِلَ : « مَنْ أَدَّبَكَ : فقال : نَفْسي ! إذا رَأَيْتُ مِنْ غَيْري حَسَناً أَتَيْتُه ، وإِنْ رَأَيْتُ قَبيحاً أَبَيْتُهُ » .

وبسبب هذه الخِصالِ والمَلَكاتِ ، كان كاتباً مُعْتَمَداً ، في دواوين دولة بني أمية ، ثم بعد ذلك في دولة بني العباس ، على رغم أنه فارِسيٌّ من الموالي ، أَسْلَمَ على يَدِ والي الأَهْوازِ عيسى بْنِ علي ، « ويُقالُ إنه حين حاول اعتناق الإسلام طلب إليه عيسى أن يؤجل ذلك إلى الغد حتى يكون إعلان إسلامه في حَفْلٍ عظيمٍ ، وحدث أن حضر طعام العشاء ، فلاحظ عيسى أنه يأكل ويُزَمْزِمُ ، أو بعبارة أخرى يَدْعو بأَدْعِيَّةِ المَجوسِ ، فسأله عيسى : أَتَصْنعُ ذلك وأنت على نِيَّةِ الإسلام ؟ فأجابه : كَرِهْتُ أنْ أَبيتَ على غَيْرِ دينٍ » (1) . وهذا يُنْبِئُ على أن الرجل يَسْتَمْسِكُ بِحَبْلِ الدِّينِ ، ولا يُحِبُّ أن يَنْفَصِمَ عن عُرْوَتِهِ الوُثْقى ، ولَوْ لَيْلةًً واحدةً !!

وظل بعد إعلانه الإسلام يعمل في الدواوين . وكان إلى جانب عمله هذا ، يكتب ويترجم ، ويتفنن في كتابة النثر ، وفي صَوْغِ الشعر ، ويُرْسِلُ الحِكمَََ ، والآداب ،  والرسائل ، السياسية ، والاجتماعية ، والخلقية ، ويملأ الفكر العربي بمادة أجنبية غزيرة ، في ترجمة عربية بديعة ، استطاع أن يلاءم فيها بين العقليتين والبيئتين : الفارسية والعربية . وقد وصفه شوقي ضيف (2005/1910) ، قائلا : « كان أعجوبة زمانه في البيان والبلاغة مع الجزالة والنصاعة حيناً ، وحيناً آخر مع العذوبة والرشاقة » .

وعلى رَغْمِ هذه الخصائص والمَناقبِ ، فقد أحاط به أَعْوانُ السُّلْطانِ ، ودارت عليه دَوائرُ السُّوءِ ، وغَدَرَ به الوالي ، وقتله شَرَّ قتْلةٍ ، ثم رَمَوْهُ بعد ذلك بالزَّنْدقَةِ !!

ويأخذنا العَجَبُ من هذه التهمة ، التي التصقت بسيرة ابن المقفع (106ه/142ه) ، ونتساءل :

ـ كيف يكون ابن المقفع زنديقاً ، ويعرف مُعاصِروه عنه ذلك ، ويشتهر بهذه المَثْلبةِ بين العامة والخاصة ، ثم يُتْركُ بعد ذلك في خدمة الدولة ، ورَهْنَ إشارة الوُلاة ، ويكون كاتباً مُعْتمداً في الدَّواوينِ، ولِمُدَّةٍ طويلَةٍ ، بل وكاتباً مُخَضْرَماً في دَوْلَتَيْنِ مُتَصارِعَتَيْنِ ؟! ... أَضِفْ إلى مزاياه الخلقية ، ومَلَكاتِه الفِكْريَّة ، التي تجعل منه شَخْصاً حكيماً ، ورَجُلاًً حريصاً على يده ولسانه ورقبته ، في عَصْرٍ كان فيه قتلُ الناس وإعْدامُهم لأدْنَى شُبْهة

وهاهي كتبه التي بقيت بين أيدينا تكاد تنطق قائلة : « وأَيْمُ الله إن صاحبي لبَريءٌ مِمَّا نُسِبَ إليه » ... وكل الذين تناقلوا عنه هذه الفِرْيةَ ، لم يأْتوا ببُرْهانٍ ، ولم يقَدِّموا حُجَّةً ، بل هي من قَبيلِ ما وَجدْنا عليه آباءَنا فقط !!

والحقيقة أَنَّ تُهْمَةَ الزندقة كانت ذَريعةً قوية لِتَجْريمِ الخُصومِ والمُعارِضين ، وأَضْحَتْ في زمن الخلفاء العباسيين سِلاحاً ناجِحاً للتَّشْهير والضَّغْطِ والتَّلْفيقِ ، ومِنْ ثَمَّ مُبَرِّراً مُقْنِعاَ لِلْفَتْكِ والقتْلِ بِشتَّى الوَسائلِ ...

فقد اتَّفَقَ أَنْ ثارَ عبد الله بن علي عَمُّ المنصورِ ، وواليه على الشام ، على الخليفة ، غير أَنَّ جيوشَ المنصور سُرْعانَ ما غلبوه على أَمْرِهِ ، وهزمُوه ، فالتجأ إلى أخويْهِ سليمان وعيسى ، هَرباً من العقابِ . فطلبه المنصورُ منهما ، فرفضا ذلك ، واشترطا عليه أن يكتب له أَماناً ، فقبل شرطهما ، وكلَّفَهُما كِتابَتَهُ ، فاختارا ابن المقفع لكتابته ، ففعل . غير أنه اشْتَدَّ في صيغة الأمان ، وبالغ في وصف عاقبة الخليفة إِنْ هو عَزمَ على نقْضِ العَهْدِ والإخْلالِ بالأمانِ ، مِمَّا أثار حَفيظةَ المنصور ، ومَلأَ صدْره غيْظاً ومَوْجَدَةً ، وسأل عن كاتبه ، فقيل له : ابن المقفع كاتب عيسى بن علي عَمِّكَ ، فقال : أَما أَحَدٌ يَكْفينِهِ ؟ فانْبَرى عامِلُهُ على البصرة ، سفيان بن معاوية المهلبي ، لهذه المهمة ؛ إذ كان يحْقِدُ عليه سلَفاً ، ووجدها فرصة سانحةً ، حين قدم إليه ذات يومٍ ، فَأمَرَ بِتَنُّورٍ ، ومُليءَ وَقوداً ، حتى إذا اسْتَعَرَّتْ نارُهُ ، شَرَع يُقَطِّعُهُ طرَفاً طرفاً ، ويقذفُ بها في التنور ، حتى أتَى عليه جميعاً ... وكانت هذه القتلة أشنع قتلةٍ يُمْكنُ أن يَبوءَ بها ، ويَتَحَمَّلَ عذابها إنْسٌ فوق الأرض !!  

في مِثْلِ هذه الجرائم البشعة ، التي تَقْتَرِفُها السلطة ، في حقِّ المفكرين والمثقفين ، غالباً ما يكون السبب الحقيقي غير مُعْلَنٍ ، ويَتِمُّ تَوْرِيَتُهُ عن الأنظار والألباب ، ويُلَفَّقُ للمُتَّهَمِ جِنايَةٌ باطلَةٌ ، أَعْظَمُها المَساسُ بالدِّينِ ، ويَشْهَدُ عليه بطانةُ السلطان وحاشيتُهُ شهادة الزُّورِ ، فلا يَجِدُ منْ يُدافِعُ عنه أو يَنْصُرُهُ ، ويذهب ضَحِيَّةً للجميع !!

وفي حالَةِ ابن المقفع كانت { رسالةُ الصَّحابَةِ } هي السبب الرَّئيسَ لِلْغَدْرِ به ، واغتِيالِهِ ، على ذلك النحو البشعِ ؛ فالرسالة كانت في نظر الخليفة المنصور ، دُسْتوراً جديداً مُغايراً لدُسْتورهِ ، وبَرْنامَجاً مُضادّاً لبَرامجِ حُكْمِهِ ؛ وكان مِمَّا أشار على المنصور ، في هذه الرسالة ، أن يُعْنَى بالجُنْدِ ، وجند خراسان خاصة ، فيكفل لهم أرزاقهم ، ويضبط لهم مواقيتهم ، ويَقيهم عُنْفَ العمال ، وجَوْرَ الحكام ...

ويُحْسِنَ إلى أهل العراق ، ويُقَلِّدَهُم مَناصِبَ مُمْتازةً في الدولة ، ويُعامِلَهم خيراً من معاملة بني أمية لهم سابقاً .

ويَحْتاطَ في سياسته مع أهل الشام ، بِحيْثُ يكون شَديداً وَعادلاً في نفس الوقت .

ويُصْدِرَ كتاباً جامعاً ، إليه يَرْجِعُ القضاةُ جميعاً ، والفقهاءُ على اختلافهم ، في أحكامهم ، فلا يضطربون ، ولا يتناقضون ، فإنه بتَوْحيدِ مَوادِّ القانون ، وضَبْطِ نُصوصِ الفقه ، على آراء ثابتة ، تَصْلُحُ أحوالُ الرَّعِيَّةِ .

وأن يعمل على تَأْديبِ العامَّةِ ، ومُراقَبةِ أعمالهم ، عن طريق جَماعةٍ من الخاصَّةِ ، تكون وظيفتها أشبه بوظيفة المحتسب ، حيث يكون من مَهامِّها أن تُراقِبَ الأندية ، والمجالس ، والأسواق ، وغيرها من الأماكن العامة .

إلى غير ذلك من البَيانات والآراءِ ، التي عَرضَها على المنْصورِ ، الذي لم يَكُنْ يَقْبلُ أيَّ مُعارضةٍ مَهْما كان شَأْنُها .

وهكذا تَألَّب على كاتب الدولة الحكيمِ حاكمٌ مسْتَبِدٌّ ، ووالٍ حقودٌ ، ورجالٌ نافسوه في ميْدانِهِ ، فلم يبلغوا شأْوَهُ ، فَحسدُوهُ ، وانتهى أَخيراً وَقوداً للتَّنُّورِ .. وما أدراك ما التنور !!

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شوقي ضيف 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق