]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قصة قصيرة للصالون الأدبي في دورته الثالثة : هي التي كانت ..

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-12-17 ، الوقت: 08:14:46
  • تقييم المقالة:

 

هي التي كانت .. (قصة قصيرة)

 

ليلى كانت فتاةً جميلةً ، وأَجْمَلُ ما كان فيها عيناها الكبيرتان ، والشديدتا السواد ؛ إذا نظرت بهما إلى رجل قتلته عذاباً وعُذوبَةً ، وإذا نظرت بهما إلى امرأة قتلتها عذاباً فقط ..

وكل امرأة في الحَيِّ ، الذي تنزل فيه ليلى ، تنتظر زوجها ، أو ابنها ، أن يأتي في المساءِ .. ويأتي المساءُ ، ولا يأتي الزوجُ ، أو الابنُ ، تَجْزِمُ أنه سيقضي الليلةَ عند ليلى ... ولهذا السبب لم تكن لِلَيْلى أي صديقة حميمة ، أو جارة عزيزة ، أو مرافقة دائمة ... وإنما هي دائما وحيدة .. وكانت جميلة ...

وكانت ثرثارةً ، وتحب الكلام كثيراً ، وتكلم كل الناس ، وتكلم الرجال أكثر من النساء .. وإذا لم تجد من تكلمه ، تكلم أوراقها بالكتابة أو بالرسم ؛ تكتب خواطرها الحزينة ، وأشعارها البسيطة تارة ، وترسم الورود الجميلة ، والطيور المغردة تارة أخرى .. وكثيراً ما كانت تُخَطِّطُ رأس امرأة ، في أوضاع مختلفة : امرأة تُحَدِّقُ في النجوم بِتَوَسُّلٍ .. أو تنظر إلى الأرض بِانْكِسارٍ .. أو تذرف الدموعَ بيَأْسٍ ...

كانت رومانسية .. وكانت ثرثارةً ...

وكانت كريمة أيضاً ؛ تفتح صدرها ، وذراعيها ، لكل الناس ، ولكل الرجال خاصةً . وأول فتى أَغْدَقت عليه بِكََرمِها زميلٌ لها في إحدى مراحيض المؤسسة ، التي كانت تدرس فيها . وبسبب هذا الكرم طُرِدَتْ من المؤسسة ، عندما ضُبِطَتْ وهي متلبسة ـ أو في الحقيقة وهي عارية ـ .. ومن البيتِ عندما أُجْرِيَ عليها الفَحْصُ .. وطَفِقَتْ تُغْدِقُ بِكَرَمِها على كل الرجال ، وفي كل الأماكن ، وهي بذلك كانت حزينة .. وكانت كريمةً ...

ليلى كانت عاهرة إذن .. وستظل في أعين الناس ، وعلى ألسنتهم ـ كل الناس رجالا ونساء ، صغاراً وكباراً ـ عاهرة إلى الأبد ، حتى بعد موتها ظلت عاهرةً .. لم يَرْحَمْها أحدٌ ، وقال عنها إنها كانت : جميلة .. أو وحيدة .. أو ثرثارة .. أو رومانسية .. أو كريمة .. أو حزينة ... تلاشت كل هذه الصفات ، التي تُضْفي على المرأة مزيداً من الأنوثة ، وكثيراً من الجمال ، وبقيت صفة واحدة ، جَرَّدَتْها من كل ما تبقى لديها من الأنوثة ، والجمال . وقالوا فقط : إنها عاهرة !!

وهكذا كانت ... وبقيت ليلى عاهرة ، حتى وهي الآن مدفونة في قَبْرٍ مُنْعَزِلٍ عن باقي قبور أهلها ، الذين تُوَفُّوا قبلها وبعدها .. لم يفكر أحدٌ في ذلك ، أو اتخذه كقرارٍ . وإنما هي التي فكرت ، وقبلت هذه الفكرة ، واتخذت هذا القرار ، وقالت للذين عايشوا لحظات احتضارها ، وعاينوا سكرات موتها :

ـ دَنَّسَني أهلي وأنا حية ، ولم أُؤاخِذْهُمْ بذلك ، أما أنا فلن أُدَنِّسَهم وأنا ميتة ، كي لا يؤاخذوني بذلك !!

وأضافت وهي تلفظ آخر أنفاسها :

ـ وداعاً يا أبتي ، ويا إخوتي ، ويا أفراد عائلتي ، وداعاً جميعاً .. وآسفة يا أمي ؛ فأنا لا أستطيع أن ألتقي بك في جنات النعيم ، آسفة جداً .

ليلى كانت يتيمة الأم بالروح والجسد معاً منذ طفولتها ، ويتيمة الأب بالروح فقط إلى آخر أيامها ، أما جسده فإنه منحه لزوجته الثانية ، بكل سخاء وعطاء ، وسَخَّرَهُ لأبنائه الجُدُدِ ، بكل عطف وحنان .. أما حين يثور هذا الجسدُ وينفعل فإنه يتوجه بكليته إلى ليلى ؛ كي يُخْمِدَ عليها ثورته ، ويطفئ انفعاله ، بالضرب ، والصفع ، والسَّبِّ ، والشَّتْمِ ... وكان يبحث عن أَيِّ دليل ليفعل ذلك ، ويُمارس أُبُوَّتَهُ السلبية ، وإذا لم يجده بسهوله فإنه يَسْتَشِفُّهُ في أنواع الملابس ، التي كانت ترتدي ليلى ، ولا تروق له ، ويَراها غريبةًً عنه .

وبعد حادثة المرحاض ، وفضيحة الكشف ، التي اعتبرها كبيرةً ، لا يجب السكوت والتغاضي عنها ، ولا يجوز في حقها العفو والمغفرة ، وجد سبباً قوياً كي يطردها من المنزل ، دون أن يُؤَنِّبَه ضَميرُه ، أو يُؤَرِّقَه فِكْرُه ، أو يُؤاخِذُه الناسُ بذلك .. وَطرَدَها .. وأصبحت ليلى يتيمةً خالصةً ...

ولم تجد ليلى سوى أن تقضي يوماً عند خالتها فلانة ، وليلةً عند خالتها علانة ، وأسبوعاً في بيت جَدَّتِها ، وأسبوعاً آخر في مكانٍ مغايرٍ ... وهكذا وَزَّعَت أيامها ولياليها بين أهل أمها فترةً من الزمن . وكان بإمكانها أن تغيب عن هؤلاء جميعاُ ، وتَصْرِفَ أوقاتها عند أناس آخرين ، وفي أماكن أخرى ، دون أن يعلم ، أو يكشف أحد من أقاربها هذا الأمر ؛ فلا أحد يسألها عن أحوالها ، أو يحاسبها في شؤونها ، أو يتفقد أمورها .. لا أحد ، فهي دائماً وحيدة .. وحزينة ...

ولكي تقضي على هذه الوحدة ، وتقتل هذا الحزن ، وَطَّنَتْ نفسها على الإقدام والشجاعة ، وعَوَّدَتْ جسمها على العطاء والكرم ، وكانت في ذلك جريئةً جرأَةً لم تَجْنِ عليها سوى الوحدة أكثر ، والحزن أطول ، بعد أن نبذها أهلها جميعاً ، ورفضها أزواج خالاتها في بيوتهم خاصة ، فقد خشوا على أبنائهم وبناتهم منها ، واتقوا الفضيحة والعار .

 وأخيراً ، وبصورة علانية ، وبصفة نهائية ، وجدت ليلى نفسها في الشارع ـ الشارع الذي لا يرحم ـ وأرغمت جسدها على أن يكون مِلْكاً للجميع ...

وعرف الجميع ليلى ؛ عرفها بعضهم كاسِيَةً مُغْرِيَةً ، وعرفها بعضهم الآخر عَارِيَةً شهيَّةً ، وأجمع كلهم أنها عاهرةٌ ... نسوا تماماً أنها كانت : جميلة .. ووحيدة .. وثرثارة .. ورومانسية .. وكريمة .. وحزينة ... وتذكروا فقط أنها عاهرة !!

وهكذا كانت .. وظلت ليلى ( ... ) ...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • أحمد عكاش | 2012-12-21

    (ليلى الضّحيّة المظلومة)

    (ليلى) في قصّة الزميل (الخضر الورياشي) ظاهرة اجتماعيّة مُوجعة، ضحيّة عادات اجتماعيّة شبه موروثة، فهي (ابنة الزوج)، هي ابنة المرأة الأخرى، وإن كانت هذه الأخرى قد طواها الموت، فلا غرابة  -وسط الظّلْمِ الاجتماعي - أن تُمارس (زوجةُ الأب) على ليلى القسوة والإهمال وأن تُؤْثرَ أبناءَها - إخوةَ ليلى غير الأشقّاء- على ليلى وأن تضيق ذرعاً بهذه المًتطفّلة التي تقتحم حياتها وحياة زوجها وأبنائها، فتشعر ليلى بالغبنِ وتشعر بالوحدة حين لا ترى من الأب حاكماً عادلاً، أو أباً شفوقاً، بل ترى من هذا الأب قسوة وضرباً بسبب وبلا سبب، بل إنَّها كثيراً ما تكون كبش الفداء لنزوات الأب وسخطه يُنَفِّسُ بمُعاقبتِها عن تبرُّمِهِ من الآخرين، ولم تجد ليلى في مُجتمعها كلّه يداً حانيةً واحدةً تمسحُ دمعها بصدق وبراءة، أو قلباً واحداً نقيّاً يحبُّها لنفسها ولِيُتْمها، دون مطمع بجسمها وبجمالها.

    (ليلى) في حقيقتها امرأة صالحة ، امرأة حزينة، أتعبها البحثُ عن أُذُنٍ تُصغي لهمومها، وترحم شكواها،خذلتها زوجةُ أبيها، وخذلها أبوها، وخذلها مجتمعُها، فلم تجدْ غير تقديم جسدها لمن يريدُهُ حتّى تحظى ببعض الحبّ وبعض الاهتمام، وبعض الرعاية، وقد دنّسها أهلها حيّةً ودنّسها مُجتمعها حيّةً وميّتةً.

    عانت عزلة قاتلة في حياتها، ولم تُفارقها عزلتها حتّى بعد مماتها.

    (ليلى) مخلوقة رقيقة جميلة مظلومة ظلمتها أُسرتها، وظلمها مُجتمعها، إنّها شهادةُ إدانةٍ لهؤلاء الظَّلَمَةِ، وما بَذْلُها لشرفها للراغبين إلاَّ تسوُّلٌ لبعض الحبّ، وانتقام لنفسها من الظالمين.

    أيمكن لـ (ليلى) وأمثالها أن تكون غير ما كانت ؟!.

    أجل، فلو أنَّ كلّ مظلوم انتهج الخطيئة يستدرُّ بها عطف الآخرين، أو ينتقم بها لكرامته المهيضة لأضحت المُجتمعات غابات نتةً من الخطايا والآثام.

    ولعلّ لجمال ليلى وسحر عينيها دوراً فاعلاً في انحرافها، فغالباً ما ينقلب الجمالُ الصاعقُ وبالاً على صاحبه,

    - سرد القصّة موفّق ناجح ولقد لقي أُسلوب الزميل (الورياشي) استحساناً في نفسي، وبخاصة اعتماده على هذه اللازمة التي يعود إلى تكرارها عند كل مُنعطف: (كانت جميلة -كانت ثرثارة - كانت حزينة _ وكانت ,,).

    ولا يفوتني هنا الإشارة إلى الطرفة التي أوردها دون عمدٍ في قوله: (كانت ثرثارة، وتحبُّ الكلام كثيراً). فقد ذكّرني هذا بتلك التي (كانت: رقّاصة ، وكانت ترقص)، كما قال ذميم الذكر (عادل إمام).

    لقد كشف لنا زميلنا (الخضر التهامي الورياشي) بهذه القصّة وجهاً جديداً  فيه -أنا ما كنت أعرفه - هو وجه قصّاص ناجح مُتمرّس، فهذا عندي ميلاد بهيٌّ نهنّئُ الزملاء أعضاء صالون مقالاتي الأدبيّ به.

    فليت شعري: هل سنحظى من الزميل (الخضر) بمواهب جديدة في مُقْبِلِ أيّامنا، نرجو ذلك.

    • الخضر التهامي الورياشي | 2012-12-21

      كلما قرأت لأستاذي الكبير أحمد عكاش نقداً لي ن أو لأحد الزملاء ، في الصالون الأدبي ، إلا واستحضرت في خيالي صورة الناقد العربي الراحل رجاء النقاش ؛ إذ أني لم أر يوماً صورة لأحمد عكاش ، ورأيت صوراً كثيرة لرجاء النقاش ، وأجد تشابهاً كبيراً بينهما في تقنيات الكتابة النقدية ، وأسلوب معاجة النصوص ، وشرحها ، وتحليلها ...

      وكما أستمتع بقراءة دراسات رجاء النقاش ، استمتع بنفس الدرجة بكتابات أحمد عكاش ، وأستفيد منهما معاً غاية الفائدة الأدبية والفكرية .

      ولا يفوتني أنا أيضاً الإشارة إلى أن ملاحظتك يا أستاذي عن الطرفة التي أوردتُها ـ تقول أنت دون عمد ـ .. وأقول أنا عن عمد : وهي : ( كانت ثرثارة ، وتحب الكلام كثيراً ) ، أنها لم تكن موفقة ؛ إذ ذكرتك بتلك التي ( كانت رقاصة ، وكانت ترقص ) ، ففي هذه العجالة أود أن أبين لك أن طرفتي لم تأت بنفس التركيب ؛ إذ لم أكتب : ( كانت ثرثارة ، وكانت تثرثر ) ، وإنما قلت : (كانت ثرثارة ، وتحب الكلام كثيراً ) ، فقد قصدي أن أبرر ثرثرتها بحبها للكلام ، الذي تنطق به هي ، أو ينطق به غيرها ، والحب عند ليلى ، في الاقصة ، له تأثير كبير في حياتها ، وعلى شخصيتها ...

      وشكراً لك دائما أستاذي الكبير ..

      تلميذك المحب : الخضر الورياشي .


  • طيف امرأه | 2012-12-17
    تحية لحرفك استاذ خضر ,,
    قد نجد  في ارساء مرساة القصص ,,بعض الحكم ,,وخصوصا ان كانت خارجة عن المألوف
    لكن هنا لا اجد شيء خارج عن المألوف ,,ففي كل الاوطان تسكن تلك الحالة التي عريتها لنا تماما من كل خلق
    بداية ,,قراتها واردت ان اسقط يدي جانبا كي لا ارد!
    ولكنني بحثت باعماق الواقع ,المجتمع وجدت بعضا منها ,  وقد تكون ممزوجة  في حارات الحياة
    لنقل انك كتبت قصة انثى في مجمل حياة صعبة
    ولم ازاود في الحديث ,فكل فرد في المجتمع له نوعيته ,ولا يعني ان اوافقها بدرب سلكته
    فالكل معرض لسوط المجتمع السام المنافي لكل مبدأ ,,الكل معرض للحظة كبوة
    وحينما يقع احدهم ,,تجد الاف السياط , ومئات الخناجر والسيوف مسلطة على ذاك الجسد المتهشم
    ولن يغفروا لن ,,فهل يقفوا للحظة متساءلين عن السبب ؟!
     فالكل غادر او منافق ,او منسحب , او متكبر متغطرس ,,قد لاذ بالفرار لحظة الحكم عليها
    ليتركوها قابعة على مذبح الحياة
    لا تعني قسوة الحياة السقوط في الوحل , ولا تعني الاخلاق التي كسبناها او عاشت بنا , ان نمضي في سبل الحرام ,,
    علينا اتباع الدرب السليم ,, والنهوض كلما سقط المرء ,,فليس الطفل بأذكى ولا ,,اكثر قوة وعزم ,فكلما سقط ,,قام وانتعش
    الاستاذ خضر ,,
    لا نلون الخطيئة بمنتهى الجمال , ولا نلون الشرف بلون رمادي
    لك التحية على كل حرف قد قصدت به عبرة وحكمة
    بيدك القلم ,,وبداخل ذاك العقل الف فكرة وفكرة ,,ستكون نتيجتها ان شاء الله للنور والدرب السليم
    بارك الله بكم واسعدكم بظلال رحمته
    طيف ما
  • لطيفة خالد | 2012-12-17
    آخ وآه وكل التأوهات والحزن والألم على ليلى فما جادت ليلى الاّ بالجسد او هكذا وجهوا ليلى لتكون بذارا\" في سوق الدعارة لا اخفيك أستاذنا الخضر لم اتعاطف معها لا لشىء ولكن لا احب الضّعف الذي يأخذنا إلى التهلكة وكم ليلى عندنا وكم ليلى محشورة بالزوايا مجبورة على فعل الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولكن ألا ليت قومي يدركون كم بجهلهم ينتجون ألف ليى وليلى وكان الاحرى بهم ان يكون عندهم ألف مصونة ومصونة مؤمنة راضية ومرضية واأسفاه واخجلتاه من ليلى واخواتها وليس منهن وإنّّما من كل زّعيم ورجل دين وولي امر كلّهم ليلى العاهرة ولولا تقصيرهم لما ماتت ليلى ودفنت في مقابر المنبوذين والمقهورين .....

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق