]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

(باقة ورد وجوع - تضامناً مع الأبطال الذين أضربوا عن الطعام في السجون الإسرائيليّة)

بواسطة: أحمد عكاش  |  بتاريخ: 2012-12-17 ، الوقت: 05:56:47
  • تقييم المقالة:

باقةُ وردٍ وَ جوعٍ

بقلم: أحمد عكاش

          هل تناهى إلى عِلْمِكَ سيّدي أنَّ ثمّة أُناساً مثلي ومثلك، فَطَرهمُ الله تعالى من لحمٍ ودمٍ، إذا ما رأوْا شُربَ الماء يمسُّ كرامتهم، أو ينتقص بعضاً منْ أَنَفَتِهِم، حرّموا على أنفسهم شُرْبَ الماءِ، لذا تراهم يعيشون إعزّاء كرماءَ شامخةً هاماتُهم، مُنتصبة قاماتهم لا تنحني إلاَّ لمن برأها في عليائهِ، تتناوشهم الريحُ السوافي منْ كلّ حَدَبٍ، بَيْدَ أنَّهم لا ينثنون عن مبادئهم ولو تألّبت عليهم هُوجُ التآمرِ من أربع جهات الأرض.

وهل تناهى إلى علمك سيّدي أنَّ من هؤلاء أُناساً مثلي ومثلك أيضاً، عرباً ناطقين بالضاد، يتنفّسون تحت الشمس التي تتنفّس، ويخطون فوْق أديم الأرض التي تخطو، إلاَّ أنّهم سكنَتْ أوطانُهمْ في سُويداء أفئدتهم، واتّخذت ملاعبَها في مآقيهم، اختزلوا المشارق والمغاربَ، وأقطابَ البسيطة، وأبعاد الكونِ، والمساحات الشاسعة، والوهاد السحيقة، والذُرى الشُمَّ والأوّل والآخرَ، والوجود والعَدمَ، واللّذّة والألم، اختصروا ذلك كلّه في هيكلٍ تجذَّرَ حبُّهُ في قلوبهم، هيكلٍ عُلْويِّ الهوى، سمَّوْهُ وطناً، فكانت فلسطين خيرَ الأسماء، وكانت فلسطين أروع الأوطانِ.

هؤلاء البررة جعلوا تربة فلسطين إثمداً يتكحّلون به، هؤلاء القدّيسون حملوا فلسطين كرّاسات وأسفاراً أودعوها في حقائب ترحالهم، يُخرجونها ويقرؤونها بشغفٍ كلّما نأى بهمُ السّفرُ، واشتطَّ بهمُ البُعدُ، وعصفتْ بهمُ الأشواق،، فـ (فلسطين) لا تُغادرهم، هي في أعماقهم وإنْ هم غادروها بأجسادهمْ.

هؤلاء في فلسطين شوكة في مُؤْقِ الغاصبِ، قصْفةُ رعْدٍ في عُيُون المُعتدي، هاجس الرعبِ في أحلامِ الجلاّدِ، أحاط خطرُهم بعنُقِ الصهاينة، شُذّاذ الآفاقِ، فلاحقتْهمُ الأيدي الأثيمة، وزجّت بهم في غيابة سجونها، شُموساً غُيّبت عن سمواتها، وحساسينَ كُمَّت أفواهها عن التّغريد، وأفئدةً يُكْتمُ وَجيبُها، لكن اللُّيُوثَ تُهابُ وإن كانتْ رابضةً، فكان السجّانُ سجينَ أسيرِهِ، وكانَ القاتلُ ينتفضُ هَلَعاً حين تلتقي عيناه بعين ضحيّتِهِ.

سمعنا الكثيرَ في معرض سَرْدِ مآسي البشريّة، عن أسلحةٍ ذكيّة، وآلات تدمير غبيّة، ووسائل سحقٍ ومحقٍ شيطانيّة، أبدع منها جانُّ الإنسِ أفانينَ لا يُحصيها العدُّ, ولكن أبداً ما سمعنا وَصْفاً لسلاحٍ أبدعهُ هؤلاء المسجونون في ظلمات القهر في فلسطين، أبداً ما سمعنا بهذا السلاح الفاتكِ القاهر، الذي أشهرتْهُ (عائشة محمّد حمّاد الزّبن)، في وجه سجّانها، فكانَ أنِ استُشهِدت وحلّت اللعنةُ المشؤومة بسجّانها أبد الآبدينَ، أبداً ما سمعنا وصفاً للسلاح الذي طعن به (جواد أبو مغيصب) جلادهُ فارتقى (جوادٌ) إلى مَصافِّ الأنبياء والصالحين، وعاش جلاّدُهُ طعين القلب والسّيرةِ.

لله درُّكَ يا (حسن الصفدي)، يوم تمنطقت بهذا السلاحِ المرعب، وتبخترت به في ساحة سجنِكَ، وأنت تخطو خطواتك الواثقةَ نحو بوّابة السجنِ، واجتزْتَ العقبةَ، وخلّفتَ القُضبانَ تُلَوِّحُ لك بمِنديل أبيض، وتبارك لك حرّيتَكَ.

(حسن الصّفدي) امْتَشَقَ سلاح (الجوعِ) وراحَ يَجَأُ بهِ هامَ السّجّانِ، هنالك طامنَ السّجّانُ مُذْعناً، ولم يجدْ مناصاً من أنْ يفتحَ باب الحرّيّة لِسجينهِ، وانطلقَ بُلْبلاً غِرِّيداً، ولَيْثاً هصوراً، هما سِيَّانِ، كلاهما في مَيْدانِهِ سابقٌ.

واليوم (سامر العيساوي) وصاحبه في سلاح  الجُوعِ (أيمن سراونة)، بَطلانِ من أرض البُطولات تلكَ، ألفيا الطّعامَ يُطيل عُمُرَهما وعيشهما في أصفاد الاعتقال، فأضربا عنهُ، أهلاً بالجُوع سلاحاُ للمقاومة، أهلاً بالجوع بوَّابةً للحرّيّة، أهلاً بالجوع معرجاً للارتِقاء إلى القمّةِ، يا (سامر) ويا (أيمن) اعذُراني فأنا ضعيفٌ أمامَ عزيمتكما، اعذُراني فأنا قميءٌ إزاءَ مهابتكما، اعذُراني فما بي حُثالةٌ من سكْبِكُما، اعذُراني يا شقيقيَّ، فأنا من فئة استمرأت الإهانات، أنا من فئة نشأت مُحْنيّةَ العُنُقِ خُنُوعاً، أنا من فئة تعقّرتُ رُكَبُها ومرافقها من ركوعٍ وسجودٍ لغير الله، أ (سامرُ) أيا (أيمنُ): هنيئاً لكما تحْطيمُكُما وَثَنَ الرَّهبِة في أَنفُسكما، فأنا لا تزال الرّهبةُ تُعرْبدُ في عروقي، لذا أَراني أُناوِرُ وأُداوِرُ فلا أرفعُ عقيرتي بالتّصريح: أنا من أمّةٍ ماتتْ فيها نخوةُ المُعتصمِ، أنا من أُمّةٍ خلعت عنها لبوسَ الحياءِ منْ عار الهزيمة، أنا من أُمَّةٍ تجود بالمليارات لا لتصونَ حُرُماتها ومقدّساتها، ولا لِتستردَّ حقوقَها المُحْتَضَرةَ، بل لِتبْتاعَ كمّاماتٍ تكمُّ بها أفواه ملايينها التي تنادي بالكرامةِ، أنا من أمَّةٍ تداركها الله تهْوي بها الإِحَنُ إلى أغوار خانقةٍ.

يا صاحبيِ السّجنِ أنتما مُقاتلانِ بحقٍّ، والمُقاتل الحقُّ لا يرمي سلاحه، فلا ترميا سلاحيكما، ولكما فيمن سبق وسلك طريق الجهاد والتضحية أُسوةٌ صالحةٌ، لا تضلاَّن ما إنْ تمسّكتُما بِسُنّتهمْ، فما (فتحي الشقاقي) منكما ببعيد، وما (أحمد الجعبري) ومِنْ قبلهِ (أحمد الياسين) منكما ببعيدين، يا صاحبي السجن سيرا ولا تلتفتا إلينا نحن أمّة العرب، فالتفاتُكما هذا قد يفتُّ في عضدكما، وهو لا ريبَ سيؤجّج فينا نيران الخزي والعار.

انتهت


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2012-12-17
    حينما ندرك اننا نعيش في العالم سوية , نعلم انه نحن من أسرتنا الدنيا, وهم لهم الحرية , وفي كل لحظة يجوعون بها ,هم أصحاب القرار ورفع راية العودة والحق , هم يعرفون معنى التضحية بصدق ,وان الكلام المجلجل ليس يوازي الا تُخمة فكرة ,لهم ولكل من في سجون... الاحتلال الغاصب ,,عذرا فنحن لسنا بقدر المسؤولية ,ويجب ان يدعو , هم لنا ,فهم أقرب الى مرضاة الله تعالى منا ,نحن قد أسرنا بنفسياتنا الضعيفة , ان من سيُعيد الكرامة هم انتم , مأسورين جسدا نعم ,لكنكم أحرار واحرار وأحراررغم كل ما تفعله أياديهم ,,,سلمتم يا اهلنا هناك وجعلكم لنا سندا وقريبا لنا حرية وموعد سلمنم فاضلنا واستاذنا الراقي ولكل من قدم كلمة في كل لحظة لهم تحية اخلاص طيف ما
  • غادة زقروبة | 2012-12-17
    سنحتاج لعمر جديد يطهّرنا.. سنحتاج لإضراب عن نفوسنا يطهّرنا.. سنحتاج لجوع عظيم ينقّينا..
    حتى نبلغ أقاصي طرف من إرادة احد ابناء الحركة الاسيرة المضربة عن الطعام..
    شكرا لكل كلمة نطقت بها سيدي..
    والحرية لأسرانا.
  • لطيفة خالد | 2012-12-17
    وكلنا أصبحنا فلسطين ولكننا لسنا فلسطنيين نحن أمة هوت بمالها وبحقها بقدرتها سعدنا بخنوعنا بتخاذلنا ولم ولن نتعلم من قوة وعناد الأسرى الفلسطنيين ولا من إيمانهم بعودة الوطن المسروق التراب والماء والهواء والقدس الشريف.....سلمتم يا عربي من كل سوء وعافانا الله من الانكسار والإنهزام والتخاذل ...من صمودهم ومن ثباتهم ومن عزتهم وآبائهم نأخذ العبر والعظات والدروس والمثل.....

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق