]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التغيير

بواسطة: عبد الله المؤدب البدروشي  |  بتاريخ: 2012-12-13 ، الوقت: 20:55:44
  • تقييم المقالة:

                                       التغيـيـــر 

   قد يكون سهلا ..أن يغير الإنسان في مسكنه.. فينتقل في إقامته من مكان إلى آخر.. وقد يكون سهلا كذلك أن يغير الإنسان من مظهره..فيجتهد في أناقة ملبسه.. فيراه الناس بلباس أفضل.. و قد يكون سهلا ..أن تغير الشعوب قادتها إن هم ظلموا و تجبروا .. ولكن .. ليس من السهل أن يغير الإنسان دواخل نفسه.. فأصعب البناء .. بناء النفس.. لأن بناءها يحتاج لإيمان..يملأ القلب و العقل..و يتوزع على كل جزء من جسم الإنسان .. فإذا آمن الإنسان.. قويت إرادته..و تصلبت عزيمته.. وشق طريقه الذي يراه حقا و صوابا.. في الزمن النبوي..عاش رسول الله ص..ثلاثة عشر عاما في مكة.. ينادي في قومه.. قولوا لا إله إلا الله..ولكم الجنة.. لم يكلفهم بصلاة و لا زكاة ولا صوم .. ومع ذلك تصدى له شيوخ قومه.. ولم يستطيعوا أن يتركوا أصنامهم.. قال الله تبارك و تعالى.. وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ.. وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ.. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ..إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ.. فلما آمنوا..  وتفتحت القلوب على الهدى.. سخروا مما كانوا يعبدون..

    كان لأحدهم صنم يعبده..آمن أفراد العائلة..ولم يبق على الشرك غيره.. دعوه للإيمان ..قال لهم ..لا يعرف قلبي إيمانا حتى أستشير صنمي..ذهب إلى صنمه.. قال له ..  إنك تعلم بما يجري .. وإنهم يريدون بك سوءا.. وإني جئتك راغبا في نصحك ورأيك..فانظر ماذا ترى؟..والصنم لا يجيب.. قال له..ربما تكون غضبت ..سأتركك أياما لتفكر.. و بعد أيام وقف أمامه.. وقبل أن يحاوره.. رأى بللا على رأس الصنم..فعجب..و قال بلل بلا مطر..ثم التفت فرأى ثعلبا يدور في المكان.. فتسرب الإيمان إلى قلبه..واتضحت أمامه الحقيقة.. فقام منشدا..  

   

 أرب يـبـول الثعـلـبان بـرأسه                                                                             لقد ذل من بالت عليه الثعالب                                                                        لو كان ربـا كان يـمنع نـفـسه                                                                            فلا خير في ربٍ نأته المطالب                                                                     برئت من الأصنام في الأرض كلها                                                                    و آمنت بالله الذي هو غالب                                                                       

   من أجل ذلك.. جاء التأكيد على ضرورة التغيير..من عند خالقنا جل جلاله.. فقال تبارك و تعالى.. إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ .. فجعل الله التغيير من الإنسان أولا .. الإنسان الذي يعيش الأيام و الأعوام ..دون أن يفكر في حاله..دون أن يحدد موقعه من الله..و من شرع الله.. يعيش و يحي على مشاغل الدنيا.. يفرح إن حل عنده الفرح..ويحزن إن ألم به الحزن .. وهاهو يصلي..و يصوم..ويتصدق.... ومع ذلك ..قد لا يفكر في الحرام.. يتكلم بما يريد..يحلو له مجلس الغيبة ..وفلان بيه و فلان عليه.. و ربما يغتاب الميت أثناء تشييعه لجنازته ..لا بأس كذلك إن غش.. فكل الناس يغشون..والغش وسيلة للربح.. لا بأس إن تعامل بالربا..فلكل زمان أحكامه..يعطي المائة دينار..ليأخذ بعد مدة مائة وخمسين.. هذا الإنسان..إن لم يغير من طريقة حياته..إن لم يغير من نفسه..من دواخله.. فينسجم مع طاعة الله..مقدسا لكل أمر من الله.. فإن الله لا يغير من حاله.. إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ.. حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.. غير أنت أولا.. كن مع الله أولا..وأنت تعلم أنه العليم الخبير..و أنت تعلم أنه الرقيب..فاعمل بما أمرك ..اشتغل بما يرضيه عنك..طبق له شرعه الذي شرعه لك..وأمرك باتباعه.. و أوصاك  بصراطه المستقيم..والوصية أشد من الأمر.. فناداك من سابع سماء.. وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ..وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ.. فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ.. ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.. اجعل غايتك في هذه الحياة.. قول الله جل وعلا.. وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.. فالله الذي خلقك..هو اعلم بما ينفعك.. هو أعلم بما يصلح لك.. في هذه الأيام..و بلادنا تتحسس طريقها .. و تتلمس مسلكها.. رأيت من ينادي بالهروب من الإسلام..وقالت إحداهن ..نبني دولة علمانية .. وربما لا تدري معنى العلمانية.. إنما تريد أن تلبس ما تشاء.. و تصاحب من تشاء..و تتزوج كيف تشاء ..ولا بأس إن شربت الخمر..ولا بأس إن قالت لا وجود لله..فالعلمانية تنشر حرية المعتقد..أنت حر..أن تعبد ما تشاء.. أو لا تعبد.. فالمهم أن تحي..و العلمانية تقول أن الأخلاق لا ترتبط بالدين..و لا للإهتمام بالآخرة..وهذا هدف الغرب..أن يبعدوا الأمة عن دينها.. أن يفصلوا الدين عن حياة الناس.. لكن .. الإسلام قائم .. والإسلام دائم ..بتعاليمه السمحاء.. يحمل قلوبا طيبة..و نفوسا خيرة .. تحب الطمأنينة و الرخاء للجميع .. تحب الطهر و النقاء للجميع.. تسعى لحياة أساسها طاعة الله..و عمل الصالحات .. من أجل ذلك ..وجب على الأمة أن تغير من حالها.. ليغير الله أحوالها.. و لا يكون ذلك..إلا بإيمان صادق.. يغمر القلوب .. و يملأ الفضاء تراحما و إخاء ..

وقد حدثنا ربنا و خالقنا عن الإيمان.إذا تغلغل في القلوب .. وضرب لنا أمثلة في القرآن كثيرة.. السحرة الذين جاء بهم فرعون.. ماذا كان قولهم قبل الإيمان.. كان مطلبهم الأول الحصول على المال..قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ .. قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ..فلما ضمنوا المال.. توكلوا على من؟ توكلوا على فرعون .. وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ.. وهو حال الغافلين.. يرون العزة في المال.. والعزة في الجاه..و ينسون رب العالمين.. فلما رأى السحرة الحقيقة..و حل الإيمان الحق في القلوب .. وأشرقت شمس الرسالة في العقول.. خروا لله سجدا.. سجدوا لله أمام فرعون.. فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ .. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ .. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ.. فهددهم فرعون.. قال لهم لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ.. فماذا كان جواب السحرة.. قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ .. إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ.. ما الذي غير حالهم ..أي مطر نزل على الأرض القفر..فاخضرت و أزهرت .. إنه الإيمان.. إنها مشاعر التعلق بالرحمان ..إنه الحق الذي لا يهان ..إنه التغيير الذي يغمر الكيان .. إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ.. حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.. لا بد أن نتغير..لا بد أن نقترب من خالقنا أكثر ..في تعبدنا..في تعاملنا .. كفانا عيشا للأكل و النوم .. كفانا أعمالا لا تعرف الميزان ..كفانا أقوالا تجمعها الغيبة و البهتان.. علينا أن نجسم طاعة الله في حياتنا.. علينا أن نعود بحق إلى الله..نعود إليه  بشرعه  في حياتنا..قبل ان نعود إليه بمعاصينا بعد مماتنا..علينا أن ننظر إلى كل أمر..هل هو على طاعة الله ..هل يرضي ربنا..هل ينفعنا يوم القيامة .. عندها نضمن حياة في الدنيا سعيدة..و مآلا في الآخرة إلى النعيم الدائم المقيم ..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق