]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أدب الإستئذان

بواسطة: عبد الله المؤدب البدروشي  |  بتاريخ: 2012-12-13 ، الوقت: 14:54:33
  • تقييم المقالة:

                                                أدب الإستئذان

      

 أدب إلاهي .. و خلق رباني.. جعله الله أساسا متينا لدينه القويم.. فإسلامنا العظيم..منهج شامل للحياة .. بل هو الحياة ..بل هو حياة للحياة.. هذا الدين القيم ..هو دين الخلق الرفيع.. فخير المؤمنين عند الله..هم أهل الأخلاق العالية .. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم.. والحديث في الصحيحين إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنـُُكُمْ أَخْلاقًا..ومن الأخلاق التي ربى عليها الإسلام أهله..أدب الإستئذان.. هذا الأدب ..الذي رفع الأسرة المسلمة إلى قمة النقاء والطهارة ..والعفة.. والستر النظيف.. وجنبها ما يحرج أفرادها..من مفاجآت كشف المستور .. والإطلاع غير المشروع .. و الإستئذان..إما أن يكون من خارج البيت.. أو من داخله.. و الذي يكون من خارج البيت..إما أن يكون من أهل البيت..أو من الأقارب و من الزائرين.. فإن كان الداخل من أهل البيت.. وجب عليه إعلام من بالبيت بدخوله .. وذلك بالقيام بحركة تشعر أهله بقدومه.. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: إذا دخل الرجل بيته؛ استحب له أن يتنحنح.. ثم يسلم.. وذاك حال بقية الأسرة.. لأن الله جل وعلا أمر بقوله تبارك و تعالىفَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً.. {النور61} .. و معنى سلموا على أنفسكم..أي سلموا على أهليكم.. فالداخل إلى بيته حين يسلم على أهله  فكأنما سلم على نفسه.. فهم جزء منه..ولذلك.. من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمه أنس بن مالك رضي الله عنه.. و أنس خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين.. خدمه وهو ابن عشرة أعوام و فارقه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو ابن العشرين عاما.. قال له  يَا بُنَيَّ ، إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أهْلِكَ ، فَسَلِّمْ ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ ، وعلى أهْلِ بَيْتِكَ..{أورده ابن تيمية في الكلم الطيب} فإذا كان الداخل من الأقارب وجب عليه الإستئذان.. ولا يدخل حتى يؤذن له.. لا يدخل الرجل دار أخيه أو دار أخته.. أو دار عمه..أو دار خاله ..أو دار إبنه .. أو دار إبنته..دون استئذان مَن في الدار.. لا بد أن يترك لهم فرصة الاستعداد لاستقباله..لا يطرق الباب و يدخل ..وإنما يتريث.. حتى يسمع الإذن.. هكذا أرادها الإسلام.. رابطة أسرية متينة ..وعلاقة إيمانية طاهرة ونقية .. في العهد النبوي الزاهر..و أحكام القرآن تتنزل بما يحتاج إليه الصحابة ..و من ورائهم.. حاجة الأمة إلى يوم القيامة ..في ذلك العهد البهي.. جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد ، لا والد ولا ولد ، فيأتي الأب فيدخل على وإنه لا يزال يدخل على رجل من أهلي وأنا على تلك الحال ، فكيف أصنع؟ و قبل أن ينطق الحبيب .. صلى الله عليه وسلم..أرسل الله لها الحل و الجواب.. فنزل جبريل عليه السلام بقول الله تبارك وتعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا..وَ تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .. فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ..{النور27-28}.. وعلى هذا المنهج ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه و أمته..أورد الإمام مالك في الموطأ.. عَن ِ الصحابي عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ  نَعَمْ .. قَالَ الرَّجُلُ إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ.. فَقَالَ اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا.. فَقَالَ الرَّجُلُ إِنِّي خَادِمُهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً .. قَالَ لاَ.. قَالَ  فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا.. ولذلك ..للدخول إلى الحجرات داخل البيوت لا بد من الاستئذان ..لا بد أن تستأذن و يؤذن لك.. هذا هو الدين.. هذا حفظ  للأنفس.. وبهجة للحياة.. و خلق رفيع يجمع الأسرة  على المودة و الرحمة ..و يؤلف بينها على البر والتقوى..فإذا كان القادم من الأقارب أو من الزائرين.. ففي ذلك أدب  في أدب الإستئذان.. فعلى القادم أن يطرق الباب بلطف..وبطريقة يُسمع بها من في البيت دون إزعاج .. قال أنس بن مالك  رضي الله عنه ..كانت أبواب النبي صلى الله عليه وسلم.. تقرع بالأظافر.. ثم  يستأذن ثلاثا.. يطرق الباب و ينتظر قليلا .. فإذا تيقن أن من في البيت لم يسمع..أعاد الثانية ..ثم  ينتظر قليلا.. ثم يعيد الثالثة.. و ينتظر ..فإن  لم يجد بها أحد فلا يدخل .. هذا أمر الله.. فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ .. وكذلك إذا علم أن أهل البيت في بيتهم.. و لم يسمع منهم الإذن ..فليرجع..لقول حبيبنا صلى الله عليه وسلم . إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ.رواه الإمام البخاري..وإن وجد بها من قال له إرجع ..وجد صاحبه بالبيت ..ولكن صاحبه في شغل.. لا يستطيع مقابلته .. وقال له إرجع .. فليرجع و هو طيب النفس.. و بدون حرج.. مقتنعا أن للناس أسرارهم  و أعذارهم..مدركا  حق  صاحبه في تطبيق أمر الله للجميع.. بقوله تبارك و تعالى.. وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ.. ومن أدب الإستئذان أن تـُعلم من في البيت بإسمك.. فبعض الناس إذا قيل له من : قال : أنا . وهذا أمر كرهه النبي صلى الله عليه وسلم ، أورد الإمام البخاري في صحيحه.. عن الصحابي جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم.. في دين كان على أبي ، فدققت الباب فقال :  من ذا ؟  فقلت : أنا . فقال: أنا أنا ..كأنه كَرِهَهَا ..والصواب.. إن قيل لك من؟ أن تقول فلان... و من الأدب أيضا..أن لا يقف الزائر قبالة الباب..إنما يتنحى جانب الباب الأيمن.. فان لم يتيسر فجانبه الأيسر..روى الإمام البيهقي أن الصحابي سعد بن معاذ رضي الله عنه .. أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عليه وهو مستقبل الباب فقال له.. يا سعد ..إنما الاستئذان من النظر ..فإذا استأذنت فلا تستقبل الباب.. و من روائع الإسلام.. في صناعة الروابط الأسرية.. ذلك التوجيه الأقدس..من عند رب البرية جل و علا..الذي بيّن فيه كيفية دخول الأبناء ..صغارا و كبارا على الأبوين.. ليعلم أهل الدنيا.. أن الحياة العائلية في الإسلام..أدب فاضل.. ينشر حسن الخلق.. واحترام موقر..يحمل المودة في القربى.. قال جل جلاله.. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.. مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ.. وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ .. وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.. ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ.. لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ..{النور58}.. فهذا الأمر الرباني..فرض على المؤمنين و المؤمنات..أن يربوا صغارهم الذين لم يصلوا سن البلوغ..و أن يعلموهم و يدربوهم..ألا يدخلوا حجرة الأبوين في أوقات ثلاث.. من قبل صلاة الفجر.. وعند الظهيرة..وقت القيلولة..و بعد صلاة العشاء.. في هذه الأوقات الثلاثة ..عادة ما يتخفف الإنسان من ثياب النهار..أو يتركها ..و يلبس لباس النوم.. الذي عادة ما يكون شفافا و خفيفا.. طلبا للراحة..فعلى الطفل الصغير..الذي بدأ يميز.. من سن الرابعة مثلا .. إلى حين بلوغه ..ألا يدخل الحجرة على أبويه .. إلا بعد أن يستأذن..و ينتظر إذنهما بدخوله.. أما بعد تلك الأوقات..أي من بعد صلاة الفجر إلى القيلولة ..و من بعد القيلولة إلى صلاة العشاء..فإن الأطفال الصغار.. قبل البلوغ ..أحرار في دخولهم على آبائهم..كما قال الله جل و علا.. طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ..

فالإسئذان ..أدب يتعلمه الطفل مع أمه و أبيه و مع أخته و أخيه..و مع جدته و جده..ويشب عليه..و يعلمه لأبنائه عندما يكوّن بيته.. لتستمر الأسرة المسلمة..أسرة متينة في علاقتها..خيرة في توجهها..يستأذن الأطفال قبل بلوغهم ثلاث مرات.. قبل الفجر و عند الظهيرة..و بعد صلاة العشاء..لا يدخل الطفل الصغير على أمه و أبيه إلآ بعدما يطلب الإذن بالدخول و يؤذن له.. فإذا كبر الطفل..ووصل سن البلوغ..بماذا أمره

الله.. و بماذا أوصاه..و ماذا فرض عليه..يقول الله جل جلاله.. وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ.. فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.. كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ..{النور59}.. إذا كبر الطفل..و أدرك سن البلوغ..وجرى عليه القلم.. وجب عليه الإستئذان في كل وقت من ليل أو نهار ..لا فرق بين ذكر أو أنثى.. على الأسرة أن تعمم هذا الأدب بين جميع أفرادها.. لينعم الجميع بين أبوة بانية.. تمثل الأسوة و القدوة ..و بين أخوة صادقة تشملها المودة و الرحمة.. كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.. فهو العالم بما خلق.. أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ..{الملك14} وهو الحكيم فيما شرع.. فجعل للبيوت حرمة.. و حفظ أهلها من حرج المفاجآت.. و ضيق المباغتات.. كما حفظ للبيوت أسرارها..و للمؤمنين حياتهم  فيها .. وجعلها حياة  طهر  و رغد وصفاء .. بهذا الأدب الرفيع..زين الله لنا دين الإسلام..و أمرنا  بالتزين بآدابه..حفظا للتآلف و التراحم بين المؤمنين عامة ، و بين أفراد الأسرة المسلمة خاصة..     

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق