]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أثر اللسان

بواسطة: عبد الله المؤدب البدروشي  |  بتاريخ: 2012-12-13 ، الوقت: 14:36:37
  • تقييم المقالة:

                                               أثر اللسان

      في مفتتح لقائنا هذا.. يجمعنا صحابي أنصاري..خزرجي شاب ..هو من السابقين الأولين ..حمل الإيمان و الإسلام و عمره ثمانية عشر عاما.. لزم الرسول صلى الله عليه و سلم ..فتلقى منه القرآن.. حتى عده الصحابة  من أول القراء و تبحر في الشريعة حتى قال في حقه رسول الله صلى الله عليه و سلم..هو أعلم أمتي بالحلال و الحرام.. هذا الذي شرّفنا اليوم بلقائه.. هو الصحابي معاذ بن جبل رضي الله عنه.. يحدثنا في مفتتح لقائنا هذا.. وحديثه في صحيح الترغيب.. فيقول .. كنت مع النبي صلى الله عليه و سلم في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ..ونحن نسير.. فقلت يا نبي الله.. أخبرني بعمل يدخلني الجنة.. ويباعدني من النار.. قال لقد سألت عن عظيم ..وانه ليسير على من يسره الله عليه.. تعبد الله ولا تشرك به شيئا.. وتقيم الصلاة.. وتؤتى الزكاة.. وتصوم رمضان.. و تحج البيت.. ثم قال ألا أدلك على أبواب الخير.. الصوم جنة.. والصدقة تطفئ الخطيئة.. وصلاة الرجل في جوف الليل تكفر الذنوب ..ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر.. وعموده.. وذروة سنامه.. فقلت بلى يا رسول الله.. قال رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله.. وعموده الصلاة.. وذروة سنامه الجهاد .. ثم قال ألا أخبرك بملاك ذلك كله.. فقلت له بلى يا نبي الله ..فأخذ بلسانه.. فقال كف عليك هذا.. فقلت يا رسول الله  وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به.. فقال وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم ..يا معاذ..إنك لن تزال سالما ما سكت.. فإذا تكلمت كتب لك أو عليك..

   ملاك ديننا كله..في اللسان . هذه الآية التي ركبها الله فينا..جعلها واحدة في جميع الناس..لكنها تختلف  في نطقها من أمة إلى أخرى.. يقول الله تبارك و تعالى.. وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .. وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ ..وَأَلْوَانِكُمْ ..إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ {الروم 22}..و تختلف كذلك من إنسان إلى آخر ..فهذا لسانٌ مؤمنٌ ينطق بالخير.. وهذا لسانٌ كافرٌ لا يرعى لله ذمة.. و ألسنة المؤمنين مختلفة كذلك.. فهذا لسان قارئ للقرآن..شغوفٌ به..دالٌ على الخير..آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر.. ذاكر لله بالليل والنهار..وهذا لسان لاه..يمزح طول النهار..ينتهك أعراض الناس..يهوى الإشاعة والزيادة فيها..يطيع هوى النفس..و وسوسات الشيطان..همه الدنيا..وأحوال الناس.. من أجل  ذلك كان أمر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يعلـّم أمته حلو الكلام و أطيبه و أحسنه..فقال جل جلاله.. وَقُللِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا {الإسراء - 53}.. قل يا محمد..قل للمؤمنين.. أن يتخاطبوا بالكلام الطيب..و المفردات الحسنة ..فإن لم يفعلوا حل الشيطان بينهم.. وأمدهم بكلام يضر بهم ويزرع العداوة بينهم.. و ربنا وخالقنا هو الذي أمرنا بقوله عز وجل ..وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا {البقرة 83}..فالقول الحسن..هو الذي يجمع  الناس على التراحم والوفاق ..والكلمة الطيبة..هي التي تزرع المودة .. وتزيد في الألفة والوئام..وهذا حال أمة الإسلام..متى جمعت كلمتها على الكتاب والسنة.. فهي المأمورة من ربها  بالقول الحسن...وهي الموعودة منه بصلاح أعمالها و آمالها.. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا .. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ..وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا{الأحزاب 70-71}.فكان الرسول صلى الله عليه و سلم وهو الأسوة والقدوة..كان أحسن الناس قولا وأطيبهم كلاما..يقول في حقه خادمه أنس بن مالك..ما مسست ديباجًا ولا حريرًا ألين من كفّ رسول اللهصلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحة قطّ أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لى قط: أف، ولا قال لشيء فعلتـُه: لم فعلتـَه؟ ولا شيء لم أفعله: ألا فعلتَ كذا؟..{رواه البخاري} و يا ليتنا نتبع سبيله..في تعاملنا داخل  بيوتنا..جاء في المسند للإمام أحمد..قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال.. أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله..فالعشرة الطيبة أساس البيت المسلم..والكلمة اللطيفة الهادئة تجمع على المودة و الرحمة..و حبيبنا صلى الله عليه وسلم يقول.. و قوله عند الإمام مسلم.. لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ..هكذا يوجهنا إلى النظرة البعيدة ..نظرة التوسط و التعقل ..فمتى نظر الزوج  إلى زوجته بهذه النظرة.. النظرة العادلة المعتدلة, تعاظمت حسنات الزوجة ..ونشأت المودة وعمت الطمأنينة.. وكذلك الزوجة ..لا بد أن تتأسى بخديجة ..رضي الله عنها.. كانت سيدة البيت ..إذا جاءها النبي مهموما واسته.. وغمرته بلطفها و حنانها .. يوم البعثة.. قدم عليها يرتجف خوفا..مما رأى و سمع.. فاستقبلته  وزملته و دثرته..وبعدما هدأ روعه.. بعدما انقشعت العاصفة.. جلست أمامه..سألته..ماذا جرى يا ابن عم.. وكلمة يا ابن عم.. تفتح آفاق الدنيا..و حدثها بما رأى و سمع..فماذا كان جوابها.. أقسمت له و قالت..والله يا ابن عم ..لا يخزيك الله أبدا .. ثم عددت له خصاله الحميدة.. إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل  ، وتقري  الضيف ، وتعين على نوائب الحق..ثم وهبته إحساسها و شعورها فقالت ..وإني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة..وكانت نعم الأليفة طول حياتها مع زوجها..فإذا ساد البيت المسلم..منطق الإسلام  ..وتعامل أفراده بتعامل المؤمنين ..حقق أهل البيت سعادة الدارين.. الدنيا و الآخرة.. وكذلك تعامل المسلم مع الناس.. التعامل الأمثل ..يرفعه الخلق الكريم..إلى ذرى الفضيلة. لما سئل الرسول صلى الله عليه و سلم عن المسلم ..قال المسلم من سلم الناس من لسانه و يده..رواه البخاري..فالكلمة الطيبة نور..و بهاء.. و لحمة بين الناس.. و تراحم  وإخاء ..مجدها رب العزة..و رفع شأنها فقال جل جلاله أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ.. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ..{ إبراهيم 24 - 25} هذا مثل الكلمة الطيبة.. تنفع قائلها و سامعها في كل وقت..تجمع ولا تفرق..تؤلف و لا تمزق.. من أجل ذلك حرم الله كل كلمة خبيثة..فقال جل و علا وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ..{إبراهيم 26}لا أصل لها..لا نفع منها.. إنما هي أذى..إنما هي فرقة و قذى..فهي حرام.. حرم الله على كل مؤمن و مؤمنة.. كل كلمة تمس عرض المسلم ..تحط من قيمته.. حرم الله على كل مؤمن و مؤمنة .. كل كلمة تبخس من عمل المسلم.. تنقص من إسلامه.. قال الله عز و جل.. وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ..{ الحجرات 12} أي اتقوا الله في ألسنتكم.. أي توبوا إلى الله..من هذه الآفة.. التي فرقت بين المرء و زوجه.. و أفسدت ما بين الأخ و وأخيه.. وطغت على مجالسنا.. واستولت على حديثنا.. بعض الناس في زماننا حين يلام عن الحديث عن الناس..يقول إني أتحدث بالواقع..أتحدث بما فيه.. أتحدث بما حصل..ولقد خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه قائلا.. أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ.. قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ  ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ .. فقام أحد الصحابة و قال.. أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِى أَخِى مَا أَقُولُ.. قَالَ  إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ – تلك هي الغيبة-.. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ ..{رواه الإمام مسلم}.و البهتان هو كذب يبهت سامعه و يدهشه لفظاعته.. هذا حال اللسان.. فرب كلمة حملت المودة و المحبة و الأخوة ..رفعت قدر صاحبها بين الناس.. وانطلقت من فم صاحبها تجتاز أقطار السماء ..لتصل رب العزة.. تبارك و تعالى..فيباركها ..ويرضى عن صاحبها..ورب كلمة..فيها السوء .. وفيها الخيانة..تخرج من فم صاحبها..فتدنسه بين الناس.. تنفر منها الملائكة..وتـُنكـَس في الأرض.. فلا السماء ترضاها.. و لا الأرض تقبلها ..فهي منبوذة لا قرار لها.. يقول حبيبنا صلى الله عليه وسلم.. إِنَّ أَحَدَكُمْ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعْهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، فَهُوَ يَهْوِي بِهَا فِي نار جَهَنَّمَ . رواه البخاري.. فما أحوجنا في هذا الزمان للسان صدق.. ينطق بالحق و ينشر الخير و المودة بين الناس..و ما أحوجنا للتروي قبل الكلام..حتى نزن ما نقول..فإن كان نافعا لنا و لغيرنا قلناه..و إن كان لا نفع منه و لا خير فيه صمتنا.. يا معاذ..إنك لن تزال سالما ما سكت.. فإذا تكلمت كتب لك أو عليك.


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق