]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

من مفكرتي ...1

بواسطة: محمود فنون  |  بتاريخ: 2012-12-12 ، الوقت: 18:59:27
  • تقييم المقالة:

 

من مفكرتي---1

محمود فنون  19 |12|2011

دققت الطرقات المتعارف عليها ...معتمدا ان من بالداخل ,لا بد وان يعرف من الطارق ,وتعجلت بادخال المفتاح في الباب...

انه من المهم ان ندخل سريعا قبل ان يرانا أي من السكان ونحن ندخل الشقة .. فلا احد يعرف انني ارتادها ..كنت متعجلا فعلا وخاصة ان برفقتي رفيق آخر جديد ,اريد اخفائه في هذه الشقة بالذات ,فهي قد اثثها صاحبها بأثاث حسن ,ومفتوحة من الجهة الشرقية والغربية والشمالية ,وفي الطابق الاول وفي آخر عمارة من جهة البر. ويمكن ان يخرج الساكن منها لاستنشاق الهواء في الفضاء القريب ليلا..صاحبي من سكان المخيمات  من قطاع غزة وكان يقيم في بيت مكتظ ,انا اعرف من هو القادم الجديد الذي استقبلته,واعرف ملفه كاملا وهو لا يعرفني.

-انا لا افهم في السياسة ,قلت له عندما اتاحت لنا الظروف فرصة الحديث وانا اصطحبه الى المكان

-انا مستعد ان اخدم امثالكم ..ليتني متعلم كي افهم بمقدار ما تفهمون ..انشاء الله اوفر لك كل شيء ..

بدا عليه الخجل والتواضع

-الله يكثر امثالك وشكرا لك قال ذلك وظل ساكتا .

كان قادما من قطاع غزة ليختفي من وجه الاعداء ويظل مستمرا في مهماته الوطنية.

اردت ان اضعه في افضل الاجواء التي استطيع ان أؤمنها  في ظرف مثل ظروفي ..مما يسّره الرفاق القائمين على شؤوني في ذلك الوقت .

ولذلك اخترت له هذا المقام

ومن جهة ثانية فأن هذا افضل ما اتيح لحظتها حيث وصلتني معلومته في ذات الليلة التي استقبلته فيها ولهذا حديث آخر يكشف حقائق وخبايا المصادفات واثرها على مسار حياة الانسان.

قلت انني تعجلت حسب الاصول ووضعت المفتاح في الباب ,ولكن وبصورة مفاجئة انفتح الباب من الداخل وظهرت فوهات مسدسين في وجهي رأسا.

دخلت وصاحبي وكأن الامر عادي

-ازح المسدسات قلت للمستقبلين! ادركت وعلى الفور ان جديدا قد حصل . قلت في نفسي اصبحت الآن معتقلا

- ماذا يقول صاحبي؟وقد عزلونا فورا

-وقعت!! ..أوقعوا بي سيقول في نفسه.

-لا بأس فهو سيعرف الحقيقة حين يعرف اسمي

-ولكن لماذا لا أريحه من الآن ؟كيف؟..

جاء احدهم وسألني عن اسمي .اجبته بأعلى صوتي وشعرت براحة عظيمة اذ ظننت انه سمع الاسم وانه بالتالي لا يظل في حيص بيص وهو يتسائل كيف وقع في الاسر ,وتخيلته يقول :"وقعنا ..ليتني لم آت ..ليتني لم اكن السبب في وقوع هذا الرفيق.."

كنت مطلوبا ومختفيا لمدة تقل قليلا عن اربع سنوات واساهم في قيادة العمل بسرية تامة

يبدو ان الجنود الذين قبضوا عليّ  لم يعرفوا من امري شيئا سوى إنني أتيت الى هذا المكان, المداهم قبل مجيئي..لم يبد الاهتمام على أي واحد منهم وظلوا منصرفين على ما تكهنت به في تفتيش الشقة وهي كبيرة ومليئة بالاثاث .

حضر آخرون بالتتابع وكنت اشعر بهم امامي وانا جالس على كرسي الحمام يفتحون الباب ويذهبون وأميز اختلاف اصواتهم حينما يسألونني عن اسمي ,الى ان جاء احدهم وقال:

-انت ؟!

انا !وماذا في الامر؟

- هل تعرفني؟  ازاح العصابة عن عيني

- لا

- تعال معي.  واقتادني الى مكان الهاتف وانا اعرف هذا المكان ورفع السماعة قائلا باللغة العبرية وفهمتها قدر المستطاع وعشت معه لحظته وهو ...

- الو. اتدري من معي ؟اتدري من الذي قبضت عليه؟ وكان السرور والدهشة يملآن نفسه

-.......

-احزر

-....

-لا اريد ان اقول لك  انت احزر.

-......

وبصوت المتفوق على اقرانه

- فلان

لم يتطرق الى اسم صاحبي  وحتى ولم يخبرهم عنه بقدر حصري للامر في تلك اللحظة

بدأوا يتوافدون ..وينظرون إلي ويسألونني ما يخطر على بالهم من اسئلة توحي بالمفاجئة .  وتجمعوا باللباس المدني ما يزيد على اربعين شخصا يتزاحمون, بعضهم يكتفي بالنظر إلي  وبعضهم يتصل او يرد على اتصالات...

خرجوا كلهم الا من اقتادني بعدهم لأجدهم صفين متوازيين على الدرج وانا اسير بينهم .تخيلتهم موكبا لي فرفعت رأسي وصدري وقلت في نفسي

- رأسي اعلى من رؤوسهم وصدري أعلى من صدورهم وقامتي اعلى من قامتهم وخطر ببالي مارسيل خليفة واخذت اردد:

منتصب القامة امشي.. مرفوع الهامة امشي  ..في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي ..وانا امشي..وانا امشي...وانا امشي..

موكبهم يحف بي وانا اسير ,وخرجنا من باب العمارة واتجهنا صوب الساحة التي تقف بها السيارات  وانا بينهم ,والناس ينظرون من الشبابيك الى ان وصلنا الى شاحنة واقفة وبقربها مجموعة اخرى يظهر من بينهم احد الضباط في وجهه علامة معروفة لدي ولدا أمثالي ممن سبق واقتيدوا الى اقبية التحقيق في السجون .

مد يده مسلما ..

-كيف اسلم وانا مربوط اليدين الى الخلف؟

 وكأنه انتبه ..

- عفوا. وسلم علي من ساعدي

- هل تعرفني؟

- انت ابو غزالة ,طبعا اعرفك واعرف هذه العلامة في وجهك.

 قال متفاخرا وموجها حديثه لجماعته:

-حققت معه سنة 1975 وسنة 1976 .هو صلب جدا لا يقول شيئا .

كانت سياسة التحقيق وقتها تعتمد على العصا الغليظة والضرب المبرح والشبح والتجويع وكل اشكال الحرمانات

هو صلب لا يقول شيئا ولا فائدة من التحقيق معه .هو مؤلف كتاب فلسفة المواجهة وراء القضبان ,هو معلمهم الكبير .

-هل تعلم ؟ موجها كلامه لي :لو لم ينكشف امر القبض عليك لكل هؤلاء الناس لقمنا بتصفيتك ,لك حظ كبير ,حتى وسائل الاعلام اصبحت تعرف عن القاء القبض عليك

- اين قبضوا عليك؟

-في الشارع ,كنت اسير اتنزه فواجهتني دورية من دورياتكم وقبضوا عليّ وساقوني اليك .وانت ماذا تريد مني ؟

-لست انا الذي اريد ,كل هؤلاء يريدون .سنلتقي في المسكوبية ونتكلم.

صعدوني الى السيارة ولم ار صاحبي ولم اسمع ولو نأمة صغيرة تدل على وجوده منذ دخلنا البيت . هو حظه العاثر كما يقولون, اما انا فأقول هذه حقائق النضال .

 

كانت كومة من البريد قد وصلتني في آخر النهار,تبادلنا اطراف الحديث وطلبت "منها" ان تنتظر قليلا قرب الاقامة لعلني اتفحص البريد ان كان فيه شيء مستعجل .هكذا خطر ببالي ,وكان يمكن ان لا يخطر في بالي فتح البريد لحظتها ..كان احد الاصدقاء من نفس الشلة في زيارتي ,وقد وقف يتناول اطراف الحديث وتركتهما وذهبت مسؤعا الى منزلي الخاص

نحن لنا عالمنا الخاص الخفي عن الناس ,حتى وان رآنا احد  وهذا نادرا جدا فهو لا يدري من نحن ولا ماذا نفعل  ولا الى اين نذهب ولا من اين نأتي.

صعدت مسرعا الى شقتي

وبدون أي قصدية تناولت احدى الاوراق ونظرت فيها عموديا فوقع بصري على ما غيّر سياق حياتي كلها .وقع بصري على سطر يقول ان الرفيق فلان قد جاء من القطاع وهو سيكون في الساعة والدقيقة في المكان المعين ويلبس كذا ويمكن التفاهم معه بهذه الطريقة .

نظرت الى الساعة ..بعد ساعتين ونصف سيكون المذكور على الشارع الرئيسي شارع رام الله القدس ولا يوجد عندي من يستقبله ,والرفيق الذي اتواصل من خلاله غادر قبل ساعة ,وحتى لو وجد أي شخص فان الموعد قد ازف ولا اعلم ان كان الرفيق يعرف خط الرجعة .وهكذا قررت التصرف بنفسي اضطراريا وحبا بالرفيق .

خبأت البريد وعدت الى حيث يقف الرسول والصديق الآخر وكنت قد حزمت امري واتخذت القرارات التي اعتقدت انها مناسبة لهذا الوضع .

-رجا ء اخلي بيتك يا رفيق وسوف اعرفك على مكان آخر .

قلت له ان هذا امر ضروري مع ان الليل قد بدأ

عرفته على مكانه الجديد وانتظرت موعد الرفيق القادم .لم يكن امامي خيار فاما ان اذهب لاستقباله وضمه الى المجموعة واما ان اتركه  فقررت اصطحابه.

شاهدته عندما نزل من الباص واتجه الى الخلف.

كنت اقف بمحاذاة الجدار  وانا احاول تجاهل مرور الوقت فقد كان مروره ثقيلا .ومر الباص بقربي وتجاوز حوالي عشرين مترا قبل ان يتوقف وينزل منه شخص يرتدي معطفا ويلتف عائدا الى منطقة الصور حيث كان قد تجاوزها .كنت اضع يدي الاثنتين في جيوب معطفي وحركت اليسرى وهي في جيبي واشرت له ان اتبعني وسرت

كان هو قد لاحظ وقوفي ولا احد غيري في هذه الساعة, فتبعني حتى دون تبادل وسائل التعريف ونزلنا الدرج الى سيارة قديمة لصاحبي كان قد تركها بالصدفة في الساحة وترك مفتاحها عندي .

-انت يوسف  قطعت الصمت هكذا وقلتها

اعتقد انه لم يقل شيئا

-انا مستعد لخدمة الناس الطيبين.

ونزلنا درجا طويلا حيث وصلنا الى السيارة واشرت عليه ان يصعد ففعل .لقد كان الاطمئنان باديا عليه وهو من الصنف المهذب الذي لا يكثر الكلام ,كما انه مقبل على المجهول ,وعلى حياة جديدة ,قد لا يذكر كيف ساقته ظروفه لها ولا يعرف منتهاها .انه سيدخل عالم الاختفاء ولا يعرف كيف هو ولا كيف سيتعايش معه ولا كيف سينتهي.

من المؤكد انه كان قد اتخذ قراره الصائب هذا انطلاقا من ايمانه العميق بالثورة وانه هو من اركانها وقد وجد نفسه هكذا   جزءا اصيلا فيها ولا يهاب المصائر الشخصية ومستعد لتحمل كامل النتيجة .

سقت السيارة في طريق عالمنا الخاص حتى وصلنا ساحة البيت الذي سأدله عليه ولا اعرف بعد كيف ستكون ترتيبات اقامته   انني فقط اتلقاه من الشارع الى عالم الاختفاء مطمئنا الى آليات عملنا وقدرتها على احتضانه واعطائه الفرصة المناسبة في اجواء مناسبة كي يقوم بمهماته الكفاحية على خير وجه

طلبت منه ان ينتظر في السيارة  وسرت باتجاه البيت مارا عن اشخاص لم افهم جيدا ماذا يحملون

-ربما يوجد عرس في الحارة فهذا يحمل كمرة تصوير فيديو .كنت قد لحظت شيئا كهذا بطرف عيني وانا لا اريد ان انظر لاحد وجها لوجه فقد يعرفني ونقع في ورطة لا حل لها ..انني مختف ومطلوب ولكن الاحتلال لا يعرف مثل هذه التجربة بل ويظن وفقا للاشاعات المتداولة انني غادرت الى الاردن وانني في بيروت او في الشام  لقد كانت تجربة الاختفاء جديدة كظاهرة .الاحتلال يعرف المطاردة في الجبل , ولم يضع في حساباته الاختفاء والعمل القيادي من خلف السواتر

-اضواء الشقة كلها مضاءة ,ربما الرفيق لا زال لم يخرج ..طيب لماذا كلها مضاءة؟..طيب يمكن من اجل ان يجمع اغراضه ..طيب ساعطيه فرصة اخرى للمغادرة بالطبع كي لا يلتقي الرفيقان .

عدت الى السيارة من مكان آخر وانتقلنا الى ساحة اخرى قريبة مجاورة لها بينهما الشارع الموصل الى الاسكان .

جلسنا في السيارة ساعة من الزمن قليلا ما تحدثنا ولكنني طمأنته انه في يد امينة ,وانه سيكون بخير ودون ان اعطي اية اشارة عن معرفتي لشخصه او دوره

ثم قررت العودة بالرفيق الى مأمنه !

وضعت السيارة في مكانها الاول ونزلنا الاثنان  وقلبي  واحساسي  منشغلان .

نزلنا الدرج الموجود في الساحة  الذي يفضي الى الفسحة بين عمارتين   وتوجهت به الى الجهة الشرقية من وراء العمارة المقصودة ,كانت امرأة مع ابنتها تقابلني على الشباك في الطابق الارضي  انزلت رأسي ومشيت دائرا الى الجهة الجنوبية من العمارة ثم الى الجهة الشرقية حيث البوابة الرئيسية ..وبشكل مفاجيء ومستغرب ولاول مرة تخاطبني المرأة وتسألني ان كنت احمل مفتاح البوابة ام لا .

اقتربت منها الى اقرب نقطة ممكنة ثم قلت لها نعم معي مفتاح .

هي لم تقل شيئا ,ولم تعطني اية اشارة عن حالة البيت المداهم ,ربما انها ارادت ان تحذرني .

عندما لم تقل شيئا دخل الاطمئنان الى قلبي فجأة ,فنحن كثيرا ما نهتم باحساسنا بالخطر  ولا نهمل مثل هذا الامر,فاستدرت وقلت بصوت مسموع لنفسي وبصورة عفوية "الآن اطمأنيت "وسمعني صاحبي ولم يقل حينها شيئا,وفتحت باب العمارة وصعدنا الدرج الى الطابق الاول حيث  دققت الطرقات المتعارف عليها كي اطمئن من بالبيت انني من صنفهم ,و فتح الباب من الداخل كما فتحت بوابة مندل بوم عام 1967.

 

 

من مفكرتي-2

محمود فنون 21|12|2011

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق