]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

عاشوراء... الطقوس والعادات

بواسطة: فاطمة الفدادي  |  بتاريخ: 2011-08-22 ، الوقت: 16:00:18
  • تقييم المقالة:

 

تعد عاشوراء طقسا احتفاليا متوارثا من السلف إلى الخلف، بحيث يلتقي فيها ماهو ديني واحتفالي واجتماعي وتجاري. فإن الاحتفالات بعاشوراء في المغرب يجتمع فيها كل المتضادات والمتقابلات، فهو إما يوم حزن مستمر أو فرح دائم وتزين واستمتاع وبهجة وإن كان ذلك هو الغالب وتمارس هذه العادات والطقوس والتقاليد ببراءة دون معرفة أصولها وجذورها.

       تتميز عاشوراء بعادات شعبية مثيرة للاهتمام، ومن بينها عادة التراشق بالماء وأيضا عادة إشعال النار مع ترديد الأهازيج الاحتفالية من طرف الأطفال والنساء، وترجع العديد من الدراسات الأنتربولوجية والتاريخية وجود عادات عاشوراء في الثقافة المغربية إلى فلول المذهب الشيعي المنتشر بالمغرب خلال ( القرن 11 ميلادي)، حين كانوا يحتفلون بيوم عاشوراء أو ذكرى مقتل الحسين بن علي في كربلاء، وصارت مناسبة للحزن والألم وربما البكاء والتحسر.

   ويؤكد الدكتور عباس الجراري:«بأن الاحتفالات بعادات يوم عاشوراء ظلت مترسخة بالتقاليد الاجتماعية المغربية على المستوى الرسمي أو الشعبي»[1].  

إن الاحتفالات بعاشوراء يدخل فيه مجموعة من الطقوس منها ماهو يهودي وماهو شيعي، فويستر مارك يقول:«على الرغم من الاعتقاد السائد في بعض مناطق المغرب بأن عاشوراء حداد على مقتل أبناء علي بن أبي طالب، وأحيانا على موت الرسول، وعلى الرغم من توقيتها الذي يصادف اليوم الثاني من محرم وهو الشهر الأول للسنة الهجرية فإنها طقس شمال إفريقي لا ينتمي إلى الإسلام ولا إلى الوثنية العربية»[2]

   ويتضمن"مهرجان عاشوراء" طقوسا مائية ونارية هي بالأساس طقوس وقائية وتطهيرية يدوم مفعولها سنة بكاملها وتتنوع هذه الطقوس بتنوع مناطق المغرب، حيث تصل أحيانا إلى النواح وندب الوجه –كماهو- الشأن عند رحل المناطق الوسطى لدكالة.

   فالمسلمون يحتفلون باليوم التاسع، احتفالا وفرحا بنجاة نبي الله موسى:«نحن أحق بموسى ولئن حييت إلى قابل لأصومن عاشوراء وتاسوعاء».

  لكن عند الشيعة أن اليوم التاسع هو يوم حزن على موت الحسين بن علي كرم الله وجهه، وأن مظهر" الشعالة" هو مظهر شيعي.

وفي هذا الإطار سنتحدث بداية عن طقسين احتفاليين " رش الماء" أو ما يسمى التزمزيمة وثانيا "الشعالة".

- التزمزيمة:  إن الماء ارتبط في كل الثقافات والحضارات العربية برمزية التطهير من الذنوب، ولم تكن رمزية الماء ترتبط بهذه الدلالة في الثقافة الإسلامية وحدها فحسب بل لها الدلالة في الثقافات الإنسانية الأخرى، حيث قال عبد الفتاح فاتحي في مقاله :« الدلالة الرمزية لرش ماء عاشوراء في الثقافة اليهودية والمسيحية يحتفى بالماء بشكل عميق وقوي، ففي العهد القديم يبتدئ الكتاب المقدس من سفر الرؤيا بكلمة الماء، وينهي بماء النهر الحي، وهي مياه الخلق، مياه الطوفان، مياه تطهير اليهود»[3].

  ويجسد التعميد بالماء في العهد الجديد أي في الثقافة المسيحية كما اليهودية تطهر وتوبة من الخطايا، كشرط لقبول يسوع المسيح، "معاناة المسيح" الذي سيعود في وقت لاحق من السماء في سحابة، وتقوم معظم الكنائس عادة بسكب أو رش ماء التعميد.

«وفي الثقافة الكنعانية تكمن القيمة الدلالية للماء في البعد التطهيري،إرضاء للآلهة، حيث يعتبر الكنعانيون أن الاغتسال والتطهير بعد الحرب ضروري، ذلك لأنهم يعتبرون الحرب جريمة لابد من غسل آثارها»[4].

    أماالفينيقيون فيحتلفون بأدونيس إله الخصب بعد تساقط الأمطار والسيول معتقدين أن المياه الحمراء تمثل دم أدونيس، ورمز تجدد الطبيعة، بها تكتسي الأرض خضرة، وينتشر الدفء. 

ولقد جاء في كتاب دائرة المعارف لبطرس البستاني:«أن الماء الذي يشي بتحول إلى رمز عند الشيعة على شكل دموع، ففي إيران تقرا قصة مقتل الحسين بنغم محزن فتهيج العواطف ويعلو النحيب ويطاف على الحضور بقطنة تمسح بها الدموع وتعصر في قارورة وتحفظ للاستشفاء من الأدواء، حيث لا ينفع داء»[5].

   أما في الثقافة الإسلامية فقد ارتبطت دلالة الماء بالحياة بل وبأساس وجودها، حيث قال الله تعالى في الآية الكريمة:«الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم»[6].

  ويرى إدريس هاني الباحث في الفكر الإسلامي «أن لليهود الذين قطنوا المغرب قرونا قبل الإسلام احتفالا خاصا بهذا اليوم أيضا، مبرزا أن هناك "علاقة بين طقس الرش بالماء واحتفال اليهود بهذه الذكرى التي أنجى الله فيها موسى من فرعون وأغرق هذا الأخير، ويتابع الباحث بالتأكيد على أن ما يسميه المغاربة بيوم زمزم ليس سوى تعبيرا إسلاميا عن قصة ماء البحر الذي انشق لموسى، وأغرق فيه فرعون وجنوده »[7].

 لكن ما يلاحظ أن المغاربة مايهمهم هو إحياء هذه العادة الاحتفالية، بحيث نجد وكما جاء في مجموعة من الأبحاث والدراسات حول الثقافة الشعبية وهي عبارة عن "سلسلة ندوات لكلية الآداب والعلوم الإنسانية"، عين الشق.     

   «أنه كانت العادة أن يغتسل الناس بالماء، ومن لم يستطع الاغتسال يرش بالماء

 ويلامس كل ما في البيت من أثاث وأشياء وترش بالماء لتنزل البركة فيها، وأن كل من رش غيره، أو رشه غيره يتفاءل بذلك ويقبل على عمله ظانا أن البركة قد حفت به واكتنفته»[8].

  لكن هذا الطقس بدأت تتخلله مجموعة من المظاهر التي بدأت تفسد هذه الأجواء الاحتفالية ( التراشق بالبيض، واستعمال المفرقعات...).

الشعالــةاو النـار:

  « تقام ليلة تاسع محرم شعلة ضخمة يهئ لها الأطفال والبالغون الوقود اللازم لترتفع إلى عنان السماء، وعند ذلك يهيأ الأطفال للقفز عليها غير مبالين بالخطر، بل يعتبرونها مناسبة لإظهار شجاعتهم وفتوتهم، وقد يشوي بعضهم قديدة على هذه النار ثم يأكلها ويرددون الأهازيج التي تتكرر فيها لازمة بابا عاشور»[9].

 وقد بقي في الذاكرة الشعبية « أن اليهود هم الذين قتلوا الحسين بن علي، وقد أشعلوا النار وأخذوا يطوفون بها وهم يتقاذفون رأس الحسين المقطوع، كما اعتقد الناس أن أحد قتلة الحسين ليس قميصا من الشحم وأخذ يقفز على النار والقوم من حوله يتخاطفون الشحم ويأكلونه»[10].

وثمة تعليلات قديمة سنذكرها لأنها وإن لم تعرف في المغرب فإنها بلاشك مترسبة في اللاشعور الجماعي منها:«

    أن الفرس يزعمون أن إيقاد النيران فيها لتحليل العفونات التي أبقاها الشتاء في الهواء ومن نيران الاحتفال نار أهل مكة وأهل مكة يجتمعون ويوقدون  النار ويلعب ولدانهم وعبيدهم... لفرحهم بقرب وقت الحج»[11].
 وعندما نتطرق لعاشوراء لابد من الوقوف عند ماحدث لنبي الله موسى الذي رأى النار فترك أهله، وذهب إليها فنودي من قبل الله تعالى، وهذا ما تؤكده الآية الكريمة:«فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين»[12].    إن ظاهرة عاشوراء اختلطت فيها تقاليد وعادات وطقوس عدة أمم وعدة ديانات، ولاشك أن كل ذلك انتقل إلى المغرب في مختلف العصور. فنلاحظ أن عاشوراء تجمع بين المتناقضات- كما قلنا سالفا- بحيث انه يتم إيقاد النار ليلا أي "شعالة"، وفي الغد يتبعه طقس مناقض له تماما، حيث يتم التراشق بالماء بين الناس في الأزقة والشوارع خاصة في الأحياء الشعبية للمدن وفي البوادي.

إن إيقاد النار ورش الماء يشكلان مظهرا احتفاليا عند المغاربة، لأنها تسمح بما لا يسمح به عادة وهو خروج النساء وانغمارهن في جو من المرح.

  كما أن عاشوراء لا تتخللها فقط هذه الطقوس الاحتفالية، بل تتعداها إلى تحضير "الكسكس" ببقايا لحم عيد الأضحى المقدد، بحيث تجتمع الأسر حول موائد الطعام، وتقدم أطباق الفواكه الجافة، وهذا يجسد نوعا من التلاحم والتآزر الإنساني. كذلك في عاشوراء آخر يمتد إلى اليوم الحادي عشرمن محرم، وهو "يوم الربا والهبا"، حسب إدريس هاني، بحيث ينقطع التجار عن أي لون من النشاط التجاري، معتبرين أي ربح ربا وهو هباء لا بركة فيه، وهذا بعد أن تنشط التجارة في اليوم العاشر باعتبار المتاجرة فيه تأتي بالبركة، لا سيما شراء أشكال الحلوى والمكسرات وألعاب الأطفال وماشابه.

   أيضا في عاشوراء لا يمكن الوقوف فقط عندما هو مدنس من خلال مظاهر السحروالشعودة التي تبرز بقوة في هذه المناسبة، خاصة في الليلة التاسعة إذ تعتقد بعض النساء أن في كون هذه الليلة هي مناسبة ذهبية للقيام بأعمال السحر، بحيث تستغل النساء فرصة إشعال النار ليرمين فيها صنائعهن.

  وفي هذا اليوم يستفيد المشعوذون والسحرة، إذ تلجأ النساء إليهم لعمل طلاسم وغيرها، وفي هذا الصدد قال الدكتور تركي العطيان:«إن الأسباب التي تؤدي إلى لجوء عدد من ضعاف النفوس للسحرة والمشعوذين تتجلى بالأساس في عجز الطب الحديث والأطباء في الوصول إلى علاج لبعض الأمراض النفسية إضافة إلى التأثير في الشخصية ( كالسذاجة والحقد والانتقام...)، وأيضا الجهل بتعاليم الشريعة الإسلامية، وتغليب العاطفة على العقل، فيغفل الفرد عن دينه ويتبع هوى نفسه ليحصل على مراده»[13].          

    إن الطقوس الاحتفالية في عاشوراء، شغلت العديد من الباحثين والدارسين في العديد من الحقول المعرفية، وجعلتهم يقفون عند حدودها ويطرحون مجموعة من الأسئلة دون وجود أجوبة، ففي هذه المناسبة تمتزج مظاهر الفرح مع الحزن.

  ففي المغرب هذه المناسبة تشكل يوم فرح وبهجة، ولا يهتم المغاربة بالخلفيات اليهودية أو الشيعية التي تتخلل هذه الاحتفالات، فالأهازيج التي تتردد في يوم عاشوراء يمتزج فيها مفهوم الأسطورة فتعبر عن متخيل جماعي شعبي حاضر بقوة في ثقافتنا الشعبية المغربية لكن الأسئلة التي تبقى مطروحة هي:

هل لازلت احتفالات عاشوراء حاضرة بقوة في مختلف المناطق والمدن المغربية؟

أم أن الدين صار ينظر إلى هذه الاحتفالات على أنها تدخل في نطاق المحرمات؟

هل فعلا شخصية بابا عاشور شخصية أسطورية؟ وهلا فعلا تنتمي للثرات الشعبي المغربي؟

 هذه بعض الأسئلة التي تثير حرقة السؤال فينا جميعا مع العلم أنه هناك أسئلة كثيرة يمكن أن تطرح في هذا المجال.  

 

 

[1]نقلا عن مقالة لعبد الفتاح الفاتحي: "الدلالة الرمزية لرش ماء عاشوراء في الثقافة المغربية".

[2]د عبد الغني منديب : الدين والمجتمع، دراسة سوسيولوجية للتدين بالمغرب،ص 23.

[3]عبد الفتاح فاتحي: الدلالة الرمزية لرش ماء عاشوراء

[4]نفسه.

[5]بطرس البستاني: دائرة المعارف، المجلد 1. ص496.

[6]سورة البقرة: الآية 22.

[7]إدريس هاني: طقوس عاشوراء المغرب... ماء ونار.

[8]" ندوة جوانب من الثقافة الشعبية بالدار البيضاء"، مجموعة من الأبحاث والدراسات حول الثقافة الشعبية، سلسلة الندوات، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق الدار البيضاء، ص90.

[9]نفسه،ص89.

[10]نفسه، 90-91.

[11]تقي الدين المقريزي: الخطط والآثار، الجزء 1، ص93.

[12] سورة النمل، الآية 7.

[13]تركي العطيان: " أسباب تفشي ظاهرة السحر، الوطن السعودية، العدد 1798، 2005، ص17.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق