]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التائه . . . . . على مر الزمان ! !

بواسطة: د. وحيد الفخرانى  |  بتاريخ: 2012-12-11 ، الوقت: 09:35:21
  • تقييم المقالة:

بالأمس . . أرسلت إلىّ صديقة عزيزة ، وأكن لها كل إحترام وتقدير ، باكورة إنتاجها القصصى ، وذلك لإبداء الرأى فيها ، وبالفعل قرأتها أكثر من مرة ، . . وللحق أقول : أنها قصة رائعة ، وتحمل الكثير من جوانب الإبداع الأدبى ، ومن فرط إعجابى بالقصة ، بإعتبارها أول إنتاج أدبى لها . . فقد إرتأيت نشرها على صفحتى بإسمها ، إعترافاً منى بقيمة العمل ، وتشجيعاً لها على مواصلة العطاء والإبداع . . وكلى أمل فى أن تنال إعجاب قرائى الأعزاء ، بعد قراءتها والتعليق عليها بالرأى والتقييم . . وهاهى بين أيديكم:

التائه . . . . على مر الزمان  ! !     ( بقلم : عطر الوداد )

------------------------------

كان نادر شاباً حديث التخرج ، من إحدى الكليات النظرية بجامعة القاهرة ، وهو من أسرة متوسطة الحال ، مكونة من ولدين وبنتين وأب وأم ، وكان هو الإبن الأكبر لأبيه ، الذى سافر منذ عدة سنوات ، للعمل فى إحدى الدول العربية ، كى يوفر لأسرته متطلبات الحياة الكريمة ، من مسكن ومأكل وملبس ونفقات تعليمهم ورعايتهم والقيام على كافة شئونهم . . كان الأب قبل شفره يعمل موظفاً بسيطاً ، بإحدى المصالح الحكومية المصرية ، وكان يتقاضى راتباً ضعيفاً ، لا يكفى لمواجهة كافة أعباء الأسرة بأكملها ، فى ظل الإرتفاع المتزايد فى الأسعار والنفقات . . ومن أجل ذلك الهدف النبيل والمشروع ، قرر الأب عائل الأسرة ، السفر إلى إحدى البلدان العربية فى منطقة الخليج ، للعمل هناك ، من أجل تأمين نفقات أسرته ، وتأمين مستقبل أبنائه وبناته .

تخرج نادر من الجامعة ، وكان لزاماً عليه أن يبدأ أولى خطواته ، لشق طريقه فى الحياة . . ذلك الطريق شديد الصعوبة والوعورة ، الملئ بالعقبات والصعوبات ، فى ظل أزمة بطالة طاحنة ومزمنة بين صفوف الشباب ، من أقرانه وممن هم أكبر منه سناً . . فقد طالت البطالة عدة ملايين ممن هم فى سن الشباب ، الذين عجزت الحكومات المتتابعة عن إيجاد وظائف مناسبة لهم ، وفى ذات الوقت عجزت شركات القطاع الخاص عن إستيعاب أعداد كبيرة منهم . . تلك كانت هى المشكلة الأولى التى وجب على نادر مواجهتها ، عقب تخرجه من الجامعة . . ولكن . .

كان هناك أمر آخر . . لا يقل أهمية فى حياة نادر . . إنها نسمة . . تلك الفتاة الجميلة ، التى كانت زميلته فى الجامعة ، وتعرف إليها منذ أكثر من عامين ، أحبها وأحبته ، أنس إليها وألفته ، مالت إليه بقلبها وهواها قلبه . . على مدى أكثر من عامين كاملين ، ربطتهما علاقة حب وطيدة وقوية ، كانا يلتقيان كل يوم ، يحادثها وتحادثه ، يحاورها وتحاوره ، ويتبادلان الكلمات فى كل شئ ، حتى أحلامهما وآمالهما تقاسماها سوياً . . تشارك الإثنان العديد من المناسبات السعيدة ، وتواسيا فى العديد من المناسبات المؤلمة والحزينة . . كان كلاهما بالنسبة للآخر هو الملاذ والملجأ ، وهو الحضن الدفئ والحنان ، وهو الصبح والمساء والليل والنهار، ويوم أن أنهيا دراستهما معاً ، جددا الوعد والعهد على الحب والزواج .

وها هو نادر اليوم . . وبعد أن تخرج من الجامعة ، وبدأ يشق طريقه فى الحياة ، لم ينس حبيبته نسمة قط ، ولم ينس حلمهما وأملهما فى الحياة سوياً ومعاً . . ولكنها دائماً هى الأحلام الوردية الجميلة ، التى غالباً ما تنكسر وتتحطم على صخرة الحياة ، رغم أنف الحالمين والمحبين .

إنتظر نادر عودة أبيه من السفر ، فى أجازته السنوية ، كى يصارحه بما يحلم به ، ويلقى بين يديه أهم أمر يشغل باله وعقله ، ويحيط بقلبه فى صدره ، ويعصف بوجدانه وكل كيانه . . كان نادر يعد الأيام عداً ، ويحصى الليالى فى إنتظار عودة أبيه ، وكانت الأيام تمر بطيئة وثقيلة ، وكأنها تعانده ، أو هكذا خيل إليه . . ولكنها على أية حال قد مرت ، وعاد الأب من السفر ، ليقضى أجازته القصيرة فى بيته وبين أولاده . . إنها الغربة القاسية ، التى تحرم الأب من أولاده وأسرته وتحرمهم جميعاً منه ، ولكنها الحياة بكل متاعبها ومشقاتها . . لم يكن نادر يدرى ماذا يخبئ له القدر ، وماذا ستفعل به الأيام .

مرت أيام ثلاثة بعد عودة الأب ، وقرر نادر أن يتحدث إلى أبيه بشأن حبيبته نسمة . . وبالفعل . . إنتهز نادر فرصة وجود أبيه وحده بالبيت ، فى مساء اليوم الرابع ،وأخبره نادر بأنه يحب زميلته نسمة ، التى كانت معه بالجامعة ، وأنه يرغب جدياً فى التقدم لخطبتها ، وفاءً  بالعهد الذى قطعه على نفسه نحوها ، وأنه يخشى الإنتظار طويلاً ، فيتقدم آخر لخطبتها ، وبذلك يفقدها إلى الأبد .

إستمع إليه الأب وأنصت جيداً ، حتى إنتهى نادر من حديثه . . ثم فاجأه الأب برفض طلبه رفضاً قاطعاً ، متعللاً بأنه لا يؤمن بالحب ويرى أن الحب شئ والزواج شئ آخر ، وأن إبنه لا يزال فى أول مشوار حياته ، ومازال أمامه مشوار طويل كى يقف على قدمين ثابتتين ، ويقوى على مواجهة مسئوليات الزواج ، فضلاً عن إعتراض الأب على زواج إبنه الأكبر من إحدى بنات القاهرة ، والأسرة كلها من الصعيد . . لقد كان رد الأب قاطعاً وحاسماً وجازماً ، بدرجة تكفى لئلا يناقش نادر أباه ، أو يحاول إقناعه بوجهة نظره .

فى لحظات مرت سريعة ، ودقائق لم يشعر بها نادر ، إنهارت كل أحلامه وآماله ، فى الزواج من حبيبة قلبه نسمة ، ولم يكن أمامه سوى الإستسلام للأمر الواقع ، والرضا بقضاء الله وقدره ، الذى قضى عليه بالحرمان من الإنسانة الوحيدة ، التى أحبها وهواها .

لم تمر سوى أسابيع قليلة ، وكانت الأسرة قد دبرت أحوالها ، وسافر نادر برفقة أبيه للعمل بذات البلد العربى الذى يعمل به ، وإنقطعت صلة نادر بنسمة تماماً ، ولم يعد يعرف عن حياتها شيئاً ، ولم تعد هى تدرى شيئاً من أخباره .

إنقضت ثلاث سنوات متصلة . . لم تطأ قدما نادر خلالها أرض مصر ، ولم يفكر حتى فى قضاء أجازة ولو قصيرة بين أهله وأخوته , , كان يحاول جاهداً أن ينسى حبيبته ، أو يتناسى ما كان بينهما ، ورضى تماماً بما قسم له الله . . وبعد مرور السنوات الثلاث ، قرر نادر قضاء أجازة قصيرة مع أسرته . . خلال تلك الأجازة  أشار عليه أبوه بأن يخطب ويستعد للزواج ، وبالفعل إختارت له خالته إحدى طالباتها فى التعليم قبل الجامعى . . لم يعارض نادر رغبة والديه وباقى أفراد عائلته ، وأتم خطبة الفتاة التى إختاروها له ، ولكن سرعان ما ظهرت أطماع أهل الفتاة ، فحاولوا الحصول منه على مبالغ مالية لا مبرر لها ، فدب الخلاف ولم تدم الخطبة طويلاً ، حتى وقع فسخها . . ولم تنقض شهور قليلة ، حتى إختار له والداه عروس أخرى ، وتمت الخطبة إلا أنها لم تكن أفضل حالاً من سابقتها . . إنهالت عليه المطالب المالية المبالغ فيها ، ثم كان إعتراض أهل العروس على إقامة إبنتهما فى شقة فى بيت أهله ، بدعوى أنها شقة صغيرة ولا تليق بإبنتهم . . وحدث الخلاف الذى إنتهى بفسخ الخطوبة للمرة الثانية .

بعد فترة وجيزة فى البحث عن عروس ثالثة . . إستقر تفكير أسرة نادر ، على أن تكون العروس من داخل العائلة ، فهى التى سوف تصون الإبن وتحفظه ، وهى التى سوف تكون بالنسبة إليهم بمثابة الإبنة . . وبالفعل تم إختيار إحدى الفتيات القريبات للأسرة من الدرجة الأولى ، وتمت الخطبة سريعاً ، ثم كان الزواج والسفر إلى البلد العربى الذى يعمل فيه نادر ، وقد تم ذلك فى خلال فترة زمنية قياسية ، لدرجة أن العروسين لم يعطيا الوقت الكافى للتفكير والتدبر. . فقد رأى أهل نادر أن الفتاة صغيرة السن ، وعلى درجة من الجمال ، وذات صلة وقرابة من العائلة ، ولم يمانع نادر فى ذلك . . صحيح أنه قبل الزواج بالفتاة قريبته ، دون أن تكون بينهما مشاعر متبادلة ، ولكنه زواج على أية حال .

كانت حياة الإثنين جافة وخاوية من المشاعر والأحاسيس والعواطف ، وكان هو لا يزال بعيداً بخياله وروحه عن زوجته ومع حبيبته الأولى نسمة . . يوماً بعد يوم . . أصبح نادر يعطى معظم أوقاته مع أصدقائه ، بعيداً عن بيته وزوجته التى ضاقت ذرعاً بالحياة معه ، وإنتهى الأمر بوقوع الطلاق بينهما بناء على طلبها ، بعد أن إستمرت الحياة بينهما عدة سنوات لم ينجبا خلالها أولاداً .

وها هو نادر يعود من جديد . . إلى مفترق طرق فى حياته ، فاقداً الحبيبة والذات والنفس . . يقضى الليل والنهار والصبح والمساء ، وحيداً يبحث عن ذاته ونفسه كى يحيا حياته ، ولكن كل حلم قد فات ومات . . وها هو العمر ينقضى أمام عينيه ، والأيام تطويها الأيام ، والشهور تعقبها الشهور . . ومع مرورها تزداد الجراح غوراً ، وتعانى النفس ألماً وحزناً ، ويعم الإحساس ضياعاً ، ويضحى نادر غير قادر على النسيان . . ويصير به الحال تائهاً على مر الزمان .

 

 

 

 

  • ياسمين عبد الغفور | 2012-12-12
    تستحق الشكر دكتور وحيد على تشجيع الأستاذة عطر...بالطبع سأقرأها فأنا أحب القصص لكني مشغولة قليلاً....لدي عمل سأنتهي منه ثم سأقرأها بهدوء........و لك كل التقدير
    • د. وحيد الفخرانى | 2012-12-13
      العزيزة / دكتورة ياسمين . . . لا شكر على واجب تجاه الأصدقاء . . فأنا أؤمن دائماً أنه " ما إستحق أن يولد ، من عاش لنفسه فقط " . . ولولا أننى لمست موهبة الصديقة / عطر الوداد من خلال قراءة قصتها ، ما كنت قد تحمست لها ، وقررت الوقوف إلى جوارها وتشجيعها . . وأشكر لكِ إهتمامك ، وفى إنتظار تقييمكِ للقصة بدون مجاملة كما تعودت منكِ ، والذى أثق فيه دائماً . .     مع خالص تحياتى .
      • ياسمين عبد الغفور | 2012-12-13

        القصة جميلة لأنها واقعية و تصف بالضبط ما يحدث في مجتمعنا....لفتت نظري عبارة (لا يؤمن بالحب...الحب شيء و الزواج شيء...؟؟؟؟)

        أريد أي شخص من ذلك المجتمع (المتفهم) ليفسر لي ما معنى أن الحب شيء و الزواج شيء...لأنهم ضد الحب...صحيح أن الحب العاطفي قد يتلاشى إن لم ببن على أسس عقلية....و لكنهم يقللون من مكانة الزواج فالزواج من وجهة نظرهم هو حبر على ورق و عادة مجتمعية و لا أكثر من هذا.........

        أنا لست من الذين يؤيدون  الحب العاطفي و لكن أنا أؤيد التوافق العقلي.......هل يمكن أن يتزوج الشخص بطريقة عشوائية و كأن الزواج لعبة....

         

        و الأهم من كل هذا ان الشخص لا يختار...المهم أن يتوافق الأهل مع الزوج أو الزوجة...و ما موقع الشخص الذي سيتزوج من الإعراب مضاف إليه أو كلمة أعجمية لم تعرّب؟؟

         

        و لكن هناك شيء غريب في القصة: موقف نادر السلبي من تدخل أهله في زواجه بشكل لا يطاق...لماذا يوافق من الأصل ثم يطلق؟؟

         

        القصة تناقش قضايا مجتمعية هامة....هذا النوع من القصص له دور عميق في التثقيف الاجتماعي....هي رسالة في قالب قصصي

         

        و أخيراً شكراً للأستاذة (عطر) و وفقها الله إلى مزيد من العطاء

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق