]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سبيكة الألوان والألم

بواسطة: Emad Nabil  |  بتاريخ: 2012-12-10 ، الوقت: 20:49:56
  • تقييم المقالة:

 

ألم حياة صعبة مجدبة، شديدة ،تغتذى بالقوت الجاف و ترتوي بقطرات العرق،وراحتها تعب و تعبها محن ومحنها هو نهاية حياتها، وهو ليس ببعيد عن ألم حياة ناعمة، غاص صاحبها فى المتع و امتلأ بالنعيم و تشربت نفسه بألوان الشبع جميعا، إلا ان صاحبها ضل الطريق، وضاع فى المتاهات واستولى عليه الشرود، فهو الهائم على وجهه، المتخبط فى الطرقات، الغنى المفلس، الصحيح العليل، العاقل الذي جُن.و ما أدراك بفعل الفُرشْ الوثيرة فى القلوب، هى رقيقة الملمس ناعمة إلا أنها تُحيل رقة القلب إلى جَبْلة ،و كأن الرقتان لا يجتمعا لفرش و مفترِشْ.

  ألم حياة حية فيها الروح و البسمة و دفء الدمعة،أصاب صاحبُها قلباً مرهف، شديد الإحساس بنفسه وبالآخرين ،أعياه و أثقل كاهليه ما حاز من رقة و أتعب جسدَه ما كلفه من تبعات، وألم حياة ميتة ،حُرم صاحبها الدمعة من المقل وقت الشدة بعد أن فقد لذة البسمة ساعة البهجة، وابتُلى صاحبها بقلب غليظ عزل صاحبه عن الأحياء بعد أن عزله هو عن نفسه، فهو بين الأحياء يسير، لكنه يسير في سجن، وألم هذا نوع أخر، ألم يوجع الأموات، و هنا يصلح أن نقول "يضر الشاة سلخها بعد ذبحها".

  ألم عاشق ذبح قلبه ظمأ الاشتياق ، من بعد طول تمنيته برواء اللقاء، وإذا ما ورد مائه الذى طال انتظاره تراه يشرب و يذهب ما به عطش ،فإذا ذهب عن مورد الماء، ذهب عنه الري، وعاودته أمانى السراب، وكأنما ريه هذا فيه سر ،مثل السحاب لا يأتي إلا ويرحل. كل هذا اتفق على قلب العاشق وكل جرمه أنه اقترف جرم يدعى الرقة، وألم فاقد القلب الذى لا يعيش بداخله مخلوق الله العظيم الذى اسمه الحب. فقد فقد تلك الاختلاسات المسترقة من الجنة التى تقذف فى قلب المرء حين يرى من يهيم به، و لا تسرى فى عروقه تلك القشعريرة السحرية و التى تفوق متع الدنيا جميعا والتي تنتابه حينما يبسم له ثغر محبه حين يراه من بعد فراق طويل فى نفسيهما وإن كان قصير زهيد في ناموس الساعة.

ألم شاعر يدرك دقات صدور الجماد قبل خفقات قلوب بنى أدم، ويخبر ما فيها من هم و سهاد، و ما تخللها من إرهاق وطلي خدها من دموع، وألم من عاش لنفسه، وإن شئت فقل مات لنفسه، فقد الإحساس بمن هم غيره، عاش لذاته الضيفة و رأى النفع كله ما كان مآله إليه و غير ذلك هو خسران، فهو بين جدران جسده الغليظ محبوس مختنق ، متواري عن إطلالات السعة الإنسانية في افقها الواسع و محجوب عن كثير خير، ناموسه: "أن الطبيعة وأن أعطت النبات ماء من جوفها فإنه يرجع إليها فى تنقية هؤائها و تجميل هيئتها، و زيادة رصيد الإنسانية فيها".


ألم البصر، أفى البصر ألم!! ، كيف لا و هو نافذة على مآسي الحياة ، و هو بوابة للهلاك محتملة،وألم فقدانه شديد، تزول به نصف متع الحياة، و كأن العين غرست فى أرض الآه.


ألم الحكمة و التى فيها الخبر اليقين بالحق، و ما بعد الحياة، فهى تجعل المرء متهيب مترقب مضطرب، وألم فقدانها بما تفوته على الإنسان من حق و علم و نضج، فيسرح مع الهمل ، و نهايته ومآله مع العوام من البشر و الذين لا يمكن التنبأ بمصيرهم ،لا إلى الخير مسيرون أو لغيره مساقون.


ألم الألم ...و ألم فقدانه ..فبدون الظمأ لا ندرك قيمة الرى، و بدون الحر لا نعلم من خبر الظل شيئا، وإذا ما انتفى عنا النصب لما وجدنا فى النوم ضالتنا. و الألم يحجب الكثير من الألم، فلو أن عارضا وقف أمام ناظريك ومنعهما من التوغل و الانسياب فى الموجودات فإنه يحجب عنهما الكثير ومهما يكن هذا العارض، فيوجد فى الحياة ما يكبره، وهكذا الألم، فما أدراك أن هذا المانع لم يمنع عنك ما يعظمه، و لا تنسى أن ألم الدنيا يخفف ألم الآخرة بعد الاحتساب.و لذا فالألم يحجب الكثير من الألم.
و الحق فى إدراك الحقيقة كاملة، فالحياة لها شقان لا ينفصلا ولا يفترقا، الليل و النهار، وبدون أحدهما تستحيل،و لا تنصلح حياة البشر فيها و لا تسير.


جانبك الحق إذا نظرت إلى لوحة الحياة ولم تر موضع الألم فيها ولم تدرك على معالمها شئ من بصماته،والحق أن قيثارة الحياة تعزف ألحان شتى وأوتارها تخرج المبهج و المؤلم من الألحان و كلاهما معا يشكلان تلك السيمفونية التي نصغي إليها.
فالمرء يسير فى الدنيا بقدم الفرح و الهنائة وقدم الألم ، و إن أبى إلا أن يحجل، فقليلا و تخبره القدم الحاجلة: قليلا و تسقط!!!.

فى كل مظاهر الحياة ترى السعادة و ترى الألم ليس ببعيد عنها، و لكن إدراك أن تلك هى تركيبة الحياة الدنيا و هى من أسباب اتزانها و من عوامل التجديد و التشويق فيها، و أن تلك التركيبة هى ما يناسبنا نحن البشر، و أن تلك الحياة الناقصة هى من متطلبات الإبتلاء و الفتنة و من يصبر له الجزاء، و أن الحياة الكاملة لا تناسب اشباهنا من مخلوقات الأرض و إنما هى هناك، فى جنات الخلود، حيث تختلف تركيبتنا فنتحمل الحياة الكاملة، بهذا الإدراك يقنع الفؤاد و تراه مرتميا فى حضن الرضى الواسع ،المطبطب على كواهل الشقاء ،يمحو ما علاها من فعل الأيام وكدح السنون، و يقذف فيه بسكينة و سلام و هدوء و يحيطه بسور من الطمأنينة و يلطف برده بدفء و حره بسنيم.


و يا هذا، يا من أتعبت نفسك وأجهدتها :"إن إدراك الحياة أهون من تسيطر على الحياة، و أن تعيش فى الحياة أسهل من أن تعيش الحياة، فضرب من المحال تبغيه أن تتذوق كل فاكهة نبتت على الأرض، و لكن حسبك أن تدرك بعضها وتلك إشارات لكلها".

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق