]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

خربشات!

بواسطة: دنيا فاضل فيضي  |  بتاريخ: 2012-12-10 ، الوقت: 10:57:44
  • تقييم المقالة:

لم تعد سلمى تطيق وحشة فراغ العتمة الكتابيّة التي آلت اليها وعدم اهتمام الناشرين بقصصها. اتكأت على الاريكة "اياها"، وادلت برأسها الى الوراء وجرت نفسا عميقا.. علّه يقلل من حدة التوتر الذي شعرت به. انتفضت واتصلت بجارتها تخبرها عن تفاصيل حادث الاغتصاب الاخير لابنة الكهربائي ابو فلان.. رغم علمها جيدا بان الامر برمّته غير أخلاقي! فقد تضاربت الاخبار في المحلة بان ابنة ابو فلان قد تعرضت لحادث صدم سيارة وغابت عن الوعي في مستشفى الجملة العصبية ليومين لا اكثر ولا اقل، ولكن هو صاحب الاسواق.. صاحب اللسان الطويل الذي لا تبقى كلمة في فمه الا وانبثقت لكل من هب ودب "لقد اختطفوها واغتصبت وطلبوا فدية لفك اسرها". الجارة ابلغت سلمى بان الموضوع برمته يفترض ان يبقى سريا.. للغايـــــه! ولكن يبدو ان الجارة المصون كانت تشعر بالفراغ فراحت تسرد لسلمى كل تفاصيل الحادث، نقلا عن ام الفتاة التي هي جارتها وصديقتها المقربة في الوقت نفسه.

- "تصوري يا سلمى حين رحت اواسي البنت، حسرتي عليها.. قلت لها بانك يجب ان تفتخري بكونك ما زلت على قيد الحياة.. فنظرت الي بعيون يكاد يختلط فيها الدمع مع الجمر وقالت: "هل كنت ستشعرين بالفخر حين يغتصبك خمس فتيان يا خالة؟" .. صدمت يا سلمى وقد اخبرتني امها انهم كانوا ثلاثة فقط!".

انتهت المكالمة بدعاء الجارة.. وسلمى بان يمرر الله هذه الازمة على العائلة بسلام.. ووعد سلمى بعدم افشاء الامر لاي احد، وعدم التأكد من رقم الفدية.. لان ابا الفتاة يريد ابعاد العيون عن اخيه الذي يسكن كندا ويبعث له بالنقود عند كل اول شهر..

هرعت سلمى الى صديقتها في الصحيفة الغربية "اياها".. وعبر الهاتف دون اكتراث بكم الدقائق والدنانير المصروفة. انها قصة مثيرة حقا، ومستندة الى واقع.. ووحشة .. وقيح سنين من الفوضى المجتمعية.

لم تصدق سلمى حين كان صدى القصة بمثابة وابل من الطلبات والاستفسارات بعد اشهر من نشرها وحتى طلب مقابلة مع المصيوبة.. وكم الدنانير المعروضة في حال خروج صاحبة الشأن على الهواء. لم تكن سلمى تعي ما تفعله، حين هرعت الى ام الفتاة المغتصبة، تصارحها بانها نشرت قصة ابنتها في قصة مؤثرة، وكيف انها اختارت أبهى عبارات الأسى في اللغة، وكيف انها جعلت من القصة حلّة "اصيلة"، وكم المبالغ التي يمكن يتم جنيها لو خرجت الفتاة تحدث القنوات عن قصتها.. لم تكن تعي لابسط مقاييس الاصول العرفية، وشرعيّة حق النشر، حين يتعلق الامر بشرف عائلة وسمعتها، لقد اخذتها العزّة حقا، وراحت لابعد من ذلك تشاور العائلة بالموضوع والأرقام المقترحة لجني الارباح من هذه القصة المثيرة.. والاكثر من ذلك، لم تتوقع ان تقع ام الفتاة على الارض اثر وعكة صحية.. اخبروها فيما بعد بانها جلطة دماغية، نتيجة الشد العصبي والقهر الذي عاشته الاسرة. كان دقات باب شقة سلمى ثقيلة حقا حين قدم اليها مسؤول بلدية المحلة، ومعه جمع من النساء، يطلبون منها مغادرة المحلة، لإساءة معاملة الجار. الصفعة الكبرى جاءت وبشكل فعلي من شقيقة الفتاة، على وجه سلمى حتى ارتطمت بالحائط، واغشى سيل من الدم عينها اليمنى، فبات منظر صرخة الهجمة المجتمعية هذه غير واضحا على الاطلاق.

ولكن سملى استفاقت من اثر الالم وهي في مشهد مختلف آخر، فقد وقعت مع الاريكة "اياها" على الارض، وسيل الدم كان من رأسها، حيث ارتطم بزاوي المنضدة التي تراكمت عليها اوراق قصص الربيع الاخضر.. والربيع الاصفر.. والاحمر!

رغم الم الرأس، والدم الذي سال الى رقبتها.. ورغم مرارة طعم ذلك الحلم المزعج.. ابتسمت، وقالت بصوت هادئ: "اعوذ بالله من الشيطان الرجيم، واعوذ بالله من كل وسوسة تدفع بأي كاتب، او قاص بان يتاجر بسمعة وشرف الناس، دون استئذان، في سبيل حفنة من الدنانير".

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق