]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ابن رشد والمصير الأسود .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-12-10 ، الوقت: 10:35:44
  • تقييم المقالة:

 

 

 

وَيْلٌ لِلْحُكماءِ والفُضلاءِ مِنْ تَقَلُّبِ المُلوكِ ، وهَرْجِ الدَّهْماءِ .. !!

وَيْلٌ لهم إذا صَحَبوا المُلوكَ ، فلم يُحْسِنوا الصُّحْبَةَ ، ولم يُراعوا خَلائِقَهم وطِباعَهم .. !!

وويْلٌ لهم ، أشد الويل ، إذا خالفوا الدَّهْماءَ في تَصَوُّراتهم ومُعْتقداتهم .. !!

فالملوكُ يُشْبهون البَحْرَ ، في أجوائه المتقلبة ، وطقوسه المتبدلة ؛ فساعةً يستسلمون للدَّعَةِ والسُّكونِ ، فَيَرْضَوْنَ عن المُحيطين بهم ، ويَتَبَسَّطون معهم في سماحةٍ وفَضْلٍ .. وساعات يُزَمْجِرون بالعواصف والهَوْجاءِ ، فيبْتَلِعون مَنْ رَكِبوا أمْواجهم ، ثم يَلْفَظونهم في نَكالِ وعذابٍ .. !!

والدَّهْماءُ أَقْربُ في خواصِّهم إلى نارٍ ، تكون سريعة الاشتعال ، وأَيُّ واحدٍ يستطيع أَنْ يُوقِدَها ، في سانِحَةٍ من الدَّهْرِ ، بأَيِّ عودِ ثِقابٍ ، أَوْ يَضْرِمها بِقَدْحِ شرارةٍ ولَوْ بَدَتْ مُسْتَصْغرةً .. فما بالُكُمْ إذا أَلْهبَها شيطان ماردٌ من الإنس ، نضجت نفسه بنار الغِلِّ ، والحسد ، والضَّغائنِ ؟!

وابن رشد الحفيدُ (520ه/595ه) ، الحكيمُ ، الفاضِلُ ، لم يَنْجُ ، في زمنه ، لا من البحر ، ولا من النار ؛ فَنَكَبَ نَكْبَةً لا زالت حديث الدَّهْرِ ، والبحر ، والنَّارِ .. !!

وسببُ نكبته : عِلْمُهُ .. وخُلُقُهُ .. !!

وكَمْ جَنا العلم والخُلُقُ ، إذا اجتمعا ، على أصحابهما ، في مَغْرِبِ العرب ومَشْرقهم ، وإذا كانوا مِنْ قادةِ الفكر الحُرٍّ ، وأهْلِ الإيمان المُتَجَدِّدِ ، خاصَّةً .. !!

وابن رشد الحفيدُ عَلَمٌ بارزٌ منْ أَعْلامِ الأندلس المرموقين ، يعتبر من أعظم فلاسفة الإسلام قاطبةً ، وُلدَ بقرطبة منْ صُلْبِ قاضٍ ، هو بدوره ابن قاضي القضاة بالأندلس . وكان الحفيدُ الفيلسوفَ الوحيدَ من أسرةٍ من الفقهاء والقضاة ، درس الفقه ، وعلم الكلام ، وعلوم الأوائل ، والحكمة ، والرياضة ، والطب . وتولَّى القضاء ، في بداية أمره ، بأشبيلية ، ثم بعدها بقرطبة . وكان شغوفاً بالبحث والإطلاع ، لم يَصْرِفْهُ عن ذلك صِرْفُ أو شُغْلٌ ، إلا مرتين : مرة كانت ليلة عُرْسِهِ ، ومرة كانت ليلة وفاة أبيه .. !!

وأنشأ كثيراً من كتب الفلسفة ، معظمها في تلخيص كتب أرسطو وشروحها ، وكثيراً من كتب الطب ، معظمها تلخيص وشروح لكتب جالينوس ، وله كتاب مشهور في هذا الحَقْلِ بعنوان { الكليات } ، بالإضافة إلى تصنيفاته العديدة ، في مختلف العلوم ، تَوزَّعَتْ بين الأصول ، والفقه ، وعلم الكلام ، والحكمة ، والمنطق ، وقد اشتهرت كلها في المغرب والمشرق ، وتُرْجِمَت إلى اللاتينية ، ثم إلى باقي اللغات العالمية ، مِمَّا أثبت له مكانةً متميزةً في الفكر الأوروبي ، منذ العصور الوسطى إلى العصر الحديث .

وكان رجلاً شريفاً ، سَمْحاً ، يبذل العطاء لمن يقصده ، ولو كانوا من مبغضيه ، دون خشية من إقبال أيام الحاجة والضيق ، فهو لا يَدَّخِرُ لها مالاً ، ولامَهُ البعض على ذلك ، فقال : « إن إعطاء العدو هو الفضيلة . أما إعطاء الصديق فلا فضل فيه » .

وكان يتعفَّفُ من حضور مجالس اللهو والطرب ، على جَرْيِ عادةِ أَهْلِ زمانه ، ومنهم طائفة من العلماء والحكماء ، ولم يكن كما صَوَّرَهُ المخرج يوسف شاهين (2008/1926) ، في فيلم ( المصير ) ، يُصَفِّقُ طَرَباً لشَدْوِ المغنين ، ورَقْصِ الجَواري !!

ولمكانته العلمية ، ونبوغه في ميادين العلم ، والحكمة ، والطب ، استدعاهُ الخليفة المنصور أبو يعقوب (546ه/585ه) ، في إحدى غزواته الكبرى ضد الفرنجة ، واستعان به في مجالسه ، وبَوَّأَهُ مقعداً عالياً في بلاطه ، واحتفى به أشد الحفاوة . وكان ابن رشد يقضي أكثر وقته في القصر المُوَحِّدِيِّ ، سواء في مراكش أو في الأندلس ، حيثما استقر الخليفة ؛ لأنه حَلَّ مَحَلَّ ابن طفيل (500ه/581ه) ، عندما تقدمت به السن ، كطبيب خاص للسلطان .

إلاَّ أَنَّهُ ، على رغم بَسْطَةِ عِلْمِهِ ، وسَعَةِ حِكْمَتِهِ ، لم يكن يحسن مُنادَمَةَ الخليفة ، ولم يتْقِنْ فَنَّ مُجالَسَتِه ، بل كان رجلاً واضحاً في كلامِه ؛ لا يَتَجَمَّلُ في عباراته ، ولا يُزَخْرِفُ أقواله « فكان يخاطب الخليفة في مجلسه فيقول له : يا أخي    !وكانت أمانة التعبير العلمي أَحَقَّ عنده بالرعاية من زخرفة القول ، في ألقاب الملوك والأمراء ، حيث لا مَحَلَّ لها بين تقريرات العلماء والفلاسفة » (1) . وكان المنصور لا يَحْمَدُ منه هذه الجرأة في مخاطبته ، وكان يطْويها في صدره عن غَيْظٍ ومَوْجَدَةٍ . وزادَ ابن رشد أَنْ قالَ ، وهو يشرح كتاب { الحيوان } لأرسطو : « ورأيتُ الزرافة عند ملك البَرْبَرِ ... » مُشيراً بذلك إلى المنصور ، ومثلُ هذا اللقب لم يكن مِنَ الكِياسَة أَنْ يُطْلِقَه على خليفةٍ يُسَمِّي نفسه ، ويُسَمِّيه مَنْ حوله بأمير المؤمنين ... واجتمع إلى هذه الأسباب سببٌ آخر كان قوياً ، وكفيلاً وحده ، أَنْ يُثيرَ غضب الخليفة ونِقْمَتَهُ ؛ وهو صِلَتُهُ الوثيقةُ بشقيق المنصور ، السيد أبي يحيى ، الذي كان والياً على قرطبة ، وكان بين الأخوين عداءٌ مستحكم ، وجفاء مستوطن ، بسبب تنافسهما الشديد على المُلْكِ .

وكان الحفاظ والفقهاء الموحدون ، سواء في المغرب أو الأندلس ، يُنَفِّسونَ على ابن رشد هذه الحظوة ، وتلك المكانة ، وينْقمونَ عليه بسبب هذه المنزلة ، وتلك المرتبة ، ولأنهم من الطبقة الراجحة في ترتيب الدولة الموحدية ، ويمثلون في وظائفهم الدينية المستشارين والنصحاء لدى الخليفة ، فقد عملوا جهدهم على الكَيْدِ للإمام الفيلسوف،وراحوا يَبُثُّون حول آرائه ونظرياته دعاياتٍ مُغْرِضَةً ، ويُشكِّكونَ في عقيدته ، ونواياه تجاه المِلَّةِ ، ويتهمونه بالكفر ، والزيغ عن الشريعة ، والخروج عن أحكام الإسلام الصحيحة ؛ ذلك أن الفلسفة ، وما يتصل بها من دراسات وأبحاث ، كانت من الموضوعات المكروهة ، التي تستدعي الريبة والحذر ، ويَتَلَبَّسُها سوء الظن والإدراك . وكان خُصومُ ابن رشد يَتَمَحَّلون في انتزاع مواد الاتهام من مؤلفاته ودراساته ، وقد نجحوا في سِعايَتِهم ، وأثمرت وِشايتهم ثمارها ، عند الخليفة ، الذي وجدها بدوره ذريعةً مناسبةَ ، ليقضي حاجة في نفسه كانت قديمة ، فقضى بمعاقبته ، ونفيه من قرطبة ، واعتقاله ببلْدَةِ { أليسانه } ، التي اشتهرت بأنها مستوطنة لليهود خاصة . وقيل في اختيارها لاعتقال ابن رشد « أنه يُنْسَبُ في بني إسرائيل ، ولأنه لا يُعْرَفُ له نَسَبٌ في قبائل الأندلس » ، وأُحْرِقَتْ كُتُبُهُ ، وحُرِّمَتْ على الناس دراسة الفلسفة . وكان عمره يومئذ قد جاوز السبعين .. وهكذا ينزل عالمٌ مُسْلِمٌ مِنْ مقام قاضٍ فاضِلٍ إلى مكانة يهودِيٍّ ضالٍّ .. !!

وعلى هذه الأنحاء يتصَرَّفُ السلاطين ووُعاَّظُ السلاطين ، ويتبعهم الدهماء والسواد الأعظم ؛ فهم إنْ بطشوا بطشوا جبارين ، وإن خاصموا لَدُّوا في الخصومة ، وإذا خالفهم أحدٌ في رأي أو مذهب ، فَتَنوه في دينِه وبَدَنِه ، وبدَّلوا أيامه المُشْرِقَةَ إلى أيامٍ كالحةٍ ، وجعلوا مصيره ، في الحياة الدنيا ، أسودَ مُظْلماَ ..

ألاَ ساءَ ما يَحْكُمونَ !!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عباس محمود العقاد .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • Mokhtar Sfari | 2012-12-10
    اخى الفاضل لقد تطرقت الى موضوع حساس له مساس بالواقع التى عاشته الامة و الدى حكم عليها بالانحدار و الانحباس اولى الامر منا لا يريدون احسن الناس الامرون بالمعروف و علمهم مالء الراس يحبدون المراوغة فى الكلام و الكدب يسمعونه من الخناس الوسواس ليجعلوهم يضحكون و ينعمون بالراحة و لا يهمهم احوال الناس المشهد نراه اليوم فى تصرف حكامنا و اولى الامر منا يعزلون العلماء و يدعون عليهم بالباطل لحدق اللعبة و تابيد لغة الشيطان لتعلو على لغة الحقيقة التى تخدم الناس

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق