]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

ابن حزم الظاهري : مُجَدِّدٌ في ثَوْبٍ قَديمٍ !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-12-09 ، الوقت: 11:21:13
  • تقييم المقالة:

 

ما إِنْ يُذْكَرَ ابن حزم (384ه/456ه) ، إلاَّ ويُقْرَنُ بالمذْهَبِ الظاَّهِرِيِّ ، ذلك أنه يكاد يكون الوحيدَ مِنْ أَعْلامِ العلماءِ المُسْلمينَ ، الذي عُرِفَ بهذا المذهب ، وهو أَشْهَرُ مُمَثِّليهِ في تاريخ المذاهب الإسلامية ، مع أن الظاهرية مذْهبٌ قديمٌ أَسَّسَهُ رجلٌ من أهل بغداد ، اسمه أبو سليمان داوود بن علي بن داوود بن خلف (202ه/270ه) ، وهو يستمد أحكامه من ظاهر آيات القرآن الكريم ، ومن لفظ الحديث النبوي ، ويُلْغي سائرَ مصادر التشريع من رَأْيٍ ، وتقليد ، وتأويل ، واستحسان ، ولا يقبل القياس إلا إذا استند إلى نَصٍّ من القرآن والحديث ، ولا يأخذ بالإجماع إلا إذا كان من الصحابة . وحُجَّةُ المذهب الآية الكريمة من سورة النساء : « يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير لكم وأحسن تأويلاً » .

وقد عُرِفَ عنه حب الجدل والمناظرة ، وكان متفقاً شيئاً ما مع الشافعية ، وخَصْماً معتدلا للحنابلة ، وخصماً عنيداً للمالكية ، حيث كان يعترض عليهم كثيراً ، ويَرُدُّ آراءهم وأحكامهم ، ويرى أن لا سبيل للمسلم سوى سبيل الكتاب والسنة فقط ، وعليه أن يأخذ بظاهر لفظهما دون تأويل ، أو تعليل ، أو يلجأ إلى رأي أو قياسٍ . وكان يقول : « إن دين الله ظاهر لا باطن فيه ، وجَهْرٌ لا سِرَّ تحته ، كله بُرْهانٌ لا مُسامحة فيه ... وكل من ادَّعَى للدِّيانة سِرّاً وباطناً ، فهي دعاوى ومَخارِقَ ... وما كان عند الرسول عليه السلام سِرٌّ ولا رمْزٌ ولا باطنٌ ، غَيْرَ ما دعا الناسَ كلَّهم إِليه » .

وهذا الرأي الذي ناضل من أجله ابن حزم لم يوافق عليه أحدٌ ، وفي عصره خاصةً ، إذ كانت الأغلبية ترى أن المذهب المالكي هو الذي يجب أن يسود ، وينتشر في بلاد الأندلس . والواقع أن رأي ابن حزم يعتبر قيداً صعباً في الدين ، وتعسفا شديداً في الأخذ به ، فما كان لأحدٍ أن يرفض مصادر التشريع الإسلامي المتنوعة ، منها الاستنباط ، والقياس ، والاستحسان ، والرأي عموماً .

ولعلَّ حَجْمَ الفساد الذي عاصره ابن حزم في بيئته ، والظروف السيئة التي أحاطت به وبمجتمعه ، هو الذي قاده إلى التعسف في مذهبه ، وأَنْ يتصف بالشدة والضيق في أَحْكامِهِ !!

وكذلك نوع شخصيته التي تنزع إلى الحرية والاستقلال ، ونفوره من التقليد والإتباع الأعمى ، والاعتداد بالنفس ، وبما يملك من علوم شتى ، ومعارف مختلفة ، في كثير من الأبواب ..  

وفي البحث عن أصول ابن حزم الفقهية قال الإمام محمد أبو زهرة (1974/1898) : « اختار ابن حزم المذهب الظاهري ، لأنه ليس في هذا المذهب مقلد ، لا في المذهب ، ولا في غيره ؛ إنه مذهب الكتاب والسنة وإجماع الصحابة . وليس لأحدٍ أن يقلد أحداً ، ولا شك أن ذلك يتفق مع نزعة ابن حزم الحُرِّ ، الذي يريد دائماً أن يُحَلِّقَ في سماء الكتاب والسنة ، من غير أي حواجز من الفكر تقف دون ذلك ، ثم أخذ بإجماع الصحابة على أَمْرٍ ليس له مُسْتَنَدٌ من كتاب الله ، أو سنة نبيه الكريم ، وهم الذين تَلَقَّوْا شرع الله من فَمِ الرسول الأمين ... » .

ومِمَّا يُؤْثَرُ عنه أنه كان حادَّ الطبع ، سريع الغضب ، وسليط اللسان أحياناً ، إلى جانب أنه كان أَلْمَعِيّاً ذكياً ، فقد دخل مرة في مناقشة مع مُعاصِرِهِ الإمام المالكي أبي الوليد الباجي (403ه/474ه) ، الذي قال له :

ـ أنا أعظم منك هِمَّةً في طلب العلم ، لأنك طلبته وأنت مُعانٌ عليه ، فتسهر بِمِشْكاةٍ من الذَّهبِ ، وطلَبْتُهُ وأنا أسهر بقنديلٍ ، بائت السوق .

فَردَّ عليه ابن حزم :

ـ هذا الكلام عليك ، لا لك ، لأنك إنما طلبتَ العلم وأنت في هذه الحال ، رجاءَ تَبْديلِها بِمِثْلِ حالي . وأنا طلبتُهُ في حال ما تَعْلَمُهُ وما ذَكَرْتَهُ . فلم أَرْجُ به إلا عُلُوَّ القَدْرِ العلمي في الدنيا والآخرة .

وابن حزم انطلق في دعوته إلى مذهبه من منطلق الدفاع عن الشريعة ، والإخلاص للدين ، والوفاء للحق ، ونُصْرَتِهم جميعاً ؛ فهو رأى « أن المُخْلِصَ مَنْ إذا عمل خيْراً لا يهمه أن يَحْمَدَهُ الناسُ » ، وآمَنَ أن « الحق لا يصير حقاً بكثرة معتقديه ، ولا يستحيل باطلاً بِقِلَّةِ مُنْتَحِليه » . وكان لا يَحْفَلُ بِرِضا الجمهور أو سُخْطِهِم ، وفي الاختيار بين إغضاب الناس أو إغضاب الله عز وجل ، كان يختار أن يُغْضِبَ الناس ، ويَطْمَئِنَّ إلى بَارِئِهِ ؛ فقد رَسَخَ في ذهنه وشعوره أن « بَعْضَ مَوَدَّات الرجال سَرابٌ » !!

وفي تَقْديم كتابه { جمهرة أنساب العرب } ، تحقيقاً وتعليقاً ، قال عبد السلام محمد هارون (1988/1909) ، إن المؤرخين يذكرون « جُرْأَتَه على تَخْطيء أعلام العلماء والطَّعْنِ فيهم ، بلسانٍ كان هو وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين ؛ وذلك لكثرة وُقوعِهِ في الأئمة ، فَتَمالأَ عليه عُلماءُ وَقْتِهِ ، وأجمعوا على تَضْليلِهِ ، وحذَّروا سلاطينهم من فِتْنَتِهِ ، ونَهَوْا عَوامَّهم عن الدُّنُوِّ إليه ، فتعرَّضَ بذلك لسُخْطِ الوُلاةِ ، فعمِلوا على إيذائه وإبعاده ونفْيِهِ ، ومُحارَبَةِ كُتُبِهِ وتمزيقها ، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك فأحرقوا كُتُبَهُ عَلانِيَّةً ... » .

رحم الله ابن حزم فقد كان إماماً من أعظم أئمة التفكير الإسلامي .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق