]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مع الذاكرين

بواسطة: عبد الله المؤدب البدروشي  |  بتاريخ: 2012-12-08 ، الوقت: 09:16:06
  • تقييم المقالة:

                                                    مع الذاكرين

             

لقاؤنا اليوم ..بإذن الله تبارك و تعالى..حول أمر من أجل أوامر الله..جل جلاله.. شرعه الله لعباده المؤمنين..و حث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته.. هذا الأمر..به عرف المسلمون عزتهم و كرامتهم و رخاءهم.. كانت السحابة تمر  من فوق قصر الخلافة ببغداد..فيرفع لها أمير المؤمنين  بصره..و يخاطبها في رفعة و  شموخ أيتها السحابة..أمطري حيث شئت ..فإن خراجك عائد لي....حين قدم عقبة بن نافع ينشر نور الهدي فوق أرضنا..بلغ بجيشه غابة كثيفة الأشجار..نزل بجوارها ليؤسس في سهلها مدينة القيروان.. شكا إليه أفراد جيشه أن الغابة كثيرة الهوام و الوحوش.. فصعد على هضبة في أولها..و نادى بأعلى صوته..أيتها الوحوش ..أيتها الهوام و الزواحف..إنا أصحاب رسول الله.. صلى الله عليه وسلم..جئنا ننشر الدين الحق..فاتركي لنا المكان.. وأبلغ الله صوته لجميع حيوانات الغابة..و أفهمها أمره..فخرجت سريعا من الغابة تحمل  صغارها على ظهورها..

   هذا الأمر الذي هو موضوع لقائنا اليوم..لما تركته الأمة..غفلت.. فهانت..و تداعت عليها أمم الرعاع.. وجال في بيوتها النسيان.. وتلهفت القلوب على الدنيا الخادعة..و تقطعت بالأمة السبل..فضاعت.. لما أضاعت..   . 

      في الزمن النبوي البهي..وقف حبيب هذه الأمة..صلى الله عليه وسلم..يوما بين أصحابه.. خاطبهم..و خاطب من ورائهم أمته إلى يوم القيامة.. قال صلى الله عليه و سلم.. ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله ، قال: ذكر الله تعالى.. أن تكون ذاكرا..أنت في خير عمل..أن تكون ذاكرا أنت في أزكى و أطهر عمل..أن تكون ذاكرا أنت في أرفع درجة عند الله.. أن تكون ذاكرا خير عند الله من إنفاق الذهب و الورق..أن تكون ذاكرا.. خير عند الله من الجهاد في سبيله.. لماذا ؟ لأن الذاكر موصول بالله..لا تفصله عن الله فاصلة..هو مع الله..هو في كنف الله..هو في حفظ الله..من أجل ذلك يقول الله تبارك و تعالى .. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ..وهذا ما  فاز به رسول الله صلى الله عليه و سلم..و توصل اليه الصحابة رضوان الله عليهم  من قرب لله بذكره وشكر نعمه ..و حسن عبادته.. والذي ثبت عند عموم العلماء..أن الذي أتقن الذكر..و تفنن في مناجاة ربه و صلته به.. و القرب منه..بين أهل الأرض جميعا..هو محمد صلى الله عليه وسلم ..لقد استقر ذكر الله تعالى في قلبه وعلى لسانه.. في كل لحظة ..وفي كل حركة ..وفي كل سكون ..وصدر عنه بأسلوب فيه جمال و بهاء و صفاء .. فيه وصال و اتصال ..فيه عمق في أعماق القلب..و فيه صدق عارم في طرف اللسان..كان  صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه ..يتوجه إلى الله فيقول..اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت.. وكان إذا استيقظ من نومه قالالحمد لله الذي عافاني في جسدي، ورد علي روحي، وأذِن لي بذكره..

وكان إذا لبس ثوباً جديداً قال الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة.. وكان إذا انتهى من طعامه قال الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين..وكان كثيرا ما يردد..اللهم اجعلني لك شكّاراً، لك ذكّاراً، لك رهَّاباً، لك مطيعاً، إليك مُخبتاً، إليك أوّاها منيبا..كان صلى الله عليه وسلم..لا ينسحب لحظة من قرب الله ..بذكره المتواصل لله..و من ذكره الكبير و الكثير.. تعلم الصحابة القرب من الله..فعبدوا الله حق عبادته..ودانت لهم الدنيا..بمن فيها و ما فيها..حتى سار جيشهم على الماء..وهم ينظرون..و لا يعجبون..لأنهم مع الله..و لأن الله معهم.. وهذه مشكلتنا اليوم..ترك الكثير منا الذكر..فتشوش الفكر ..وعمرت القلوب بمحبة الدنيا..و متاع الدنيا.. فصارت العبادة..في أحسن صورها  تأدية لفرائض..و في باقي صورها عادة ألفتها الأذهان و القلوب.. فترى المسلم يصلي.. وعلى عتبة المسجد..يقسم بالله ما قال كذا ..ولقد قال..يقسم بالله ما غير الحد بينه  و بين جاره..ولقد غير..وترى الإخوة يتخاصمون حول ميراث بسيط ..وترى هجر الآباء و الأمهات..و تسمع من الحديث ما منه تعجب..لماذا ؟ لأنه البعد عن الله..لأننا استعملنا أجسادنا في عبادتنا..ولم نستحضر أرواحنا..فظهرت الصلاة حركات..قد تسأل من كان في المسجد بما صلى الإمام.. فلا يجيبك إلا القليل..لأن الأذن  لا تسمع.. إذا غاب الفكر و الوجدان.. لما فهم أجدادنا الصلاة.. صلوا كما أمرهم  حبيب هذه الأمة..صلى الله عليه وسلم ..قال لهم و لنا و لكافة أمته..صلوا صلاة مودع.. صلوا صلاة من يؤمن إيمانا راسخا.. أن ملك الموت في انتظاره ..يترقبه حتى يتم الصلاة..صلوا بيقين أن تلك هي آخر صلاة..  عندما يقرؤون فاتحة  الكتاب .. إنما هم يُناجون ربهم، يشكرون نعمته، ويحمدونه علىأفضاله، ويعاهدونه أن يبقوا عبيداً له مستعينين به، ثم يستلهمون منه أنيهديهم، ويحنون أصلابهم ركعاً وسجوداً ليذكروا الله باسمه العظيم وباسمه الأعلىحتى يتعلموا في زحام الحياة أن العظيم هو الله، وأن الأعلى هو الله، وأن الأمر كله بيد الله ..، ثميجلسون ليحيوا ربهم: التحيات لله..الزكيات لله .. الطيبات الصلوات لله..بمثل هذا كانت العبادة ..و كانت الصلاة..لما كان الذكر قائما كانت الأذهان حاضرة..و كانت  القلوب هانئة مطمئنة.. موصولة بربها.. فما نزل القرآن..دستور هذه الأمة.. إلا للذكر..يقول رب العزة تبارك و تعالىوَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ..نعم..هل من مد ّكر ..هل من ذاكر متذكر.. إن هذا القرآن نزل فأحيا أمة ميتة، وخلق منها أجيالا.. شيدت أضخم حضارة عرفتها الدنيا، لما اتصلت القلوب بالقرآن..لا بالسماع الميت، ولا بالخشوع المصطنع..ولكن بالرجوع الى تعاليم القرآن السمحاء.. بإحياء أحكامه،بالعودة إليه في كل قول أو عمل..بالاستجابة إلى ما فيه من حياة زاهية بالخير والحق: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ... يحيينا حياة طيبة في الحياة الدنيا..و يحيينا حياة أبدية أزلية في جنات النعيم في الحياة الآخرة ..وهذا ربناوخالقنا ينادينا..لقربه.. يدعونا  لحياة العز في رحابه..يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً..  وما طلب الله من عباده الإكثار من شيء  ..إلا من الذكر..وهو بذكره يعدنا  بمغفرة الذنوب ..و بعظيم الأجور ..فيقول جل جلاله..وَٱلذٰكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذٰكِرٰتِ.. أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً..هذا الفضل العظيم..من الله الرؤوف الرحيم..بينه الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم..في جميع حياة المؤمن..في الليل والنهار..في العبادات و المعاملات ..ففي كل لحظة من حياة المسلم ذكر..وفي كل عمل من أعمال المسلم ذكر..والذكر حصن..لا يلحق المسلم مع ذكره ضر ولا أذى..ولا يحتاج إلى مشعوذ ولا إلى دجال..

 الذكر معية ..والمسلم الذاكر في رحاب الله و مع الله و الله معه على مدى الحياة..لأن صلة المؤمن بربه  ..لا تنقطع..حتى في النوم..إذا نام طاهرا وذاكرا.. يسخر الله ملائكة يستغفرون للمؤمن وهو نائم..ومع الذكر اليسير ..أعد الله للذاكر الأجر الكثير .. فإذا وقفنا عند معقبات الصلاة.. يقول حبيبنا صلى الله عليه وسلم.. في فضل آية الكرسي من قرأ آية الكرسي بعد كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت.. .رواه الإمام الطبراني وغيره بإسناد جيد..و يقول صلى الله عليه وسلم في فضل التسبيح مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ بعد كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِرواه الإمام مسلم في صحيحه.. فكما أن الذكر يحصن المسلم من ارتكاب الذنوب و المعاصي..و يقيه من مكائد شياطين الإنس و الجان..فهو حصنه البدني الذي يمنع عنه الأمراض و الآفات.. وأمام ما يشهده حاضرنا من أسقام.فان المسلم..يتحصن بإسلامه..دين النظافة و الوقاية و أخذ الحيطة..فيلتزم بحفظ نفسه و بدنه..و يحصن ذلك كله..بوصاله الدائم مع الله..يكون ذاكرا..تحصل  له معية الله.. يكون طائعا ..تحصل له المناعة من كل أذى  .. يكون فاعلا للخير, عاملا للصالحات.. لايصيبه مكروه بإذن الله.

      ولذلك  حين أمرنا الله بالذكر الكثير..المتواصل آناء الليل و أطراف النهار ..كان ذلك رحمة منه بعباده المؤمنين..و محبة منه للمخلصين.. حتى يجتبيهم إليه ليسعدهم في حياتهم الأولى وفي الآخرة..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق