]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أدب الطريق

بواسطة: عبد الله المؤدب البدروشي  |  بتاريخ: 2012-12-08 ، الوقت: 07:46:16
  • تقييم المقالة:

                                                       أدب الطريق

           

ديننا الحنيف..الذي جمع الفضائل والمكارم..و حوى الأخلاق والآداب..وحمل محاسن الأقوال والأفعال..ورفعها أسسا لفرائضه و أركانه..هذا الدين القيم ..لا عبادة فيه بدون خلق ..                                                                                                  و بالأخلاق الفاضلة..يتقبل الله من المؤمنين صالح أعمالهم و حسنى تعاملهم.. من أجل ذلك.. جاء صاحب الرسالة العصماء.. يحمل قوله..إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.. روى الصحابي أبوهريرة رضي الله عنه والحديث عند الإمام أحمد..أن رجلا جاء إلى  النبي صلى الله عليه وسلم وقال يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلاَنَةَ تَذْكُرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاَتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِى جِيرَانَهاَ بِلِسَانِهَا قَالَ « هِىَ فِى النَّارِ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ فُلاَنَةَ تَذْكُرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاَتِهَا وَأَنَّهَا َلاَ تُؤْذِى جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ « هِىَ فِى الْجَنَّةِ». وأن فلانة دخلت النار في هرة ربطتها..لا هي أطعمتها و لا تركتها تأكل من خشاش الأرض.. وأن فلانا دخل الجنة في غصن  شوك أزاله من طريق المسلمين.. هذا هو ديننا.. دين الكلمة الطيبة و العمل الصالح..دين الخلق الكريم.. دين التآلف بين الناس..دين الأخوة الصادقة والتعاون على البر و التقوى.. الإسلام دين الحياء.. و الحياء باب يفضي إلى كل خير..وبه يكون صدق الحديث..لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم  رسالته إلى هرقل ملك الروم..يدعوه إلى الإسلام.. أمر هرقل أعوانه أن يبحثوا  عن أناس من قوم محمد صلى الله عليه وسلم..فطاف أعوان هرقل بمدن الشام ..فوجدوا أبا سفيان مع رهط من قريش..جاؤوا في تجارة..فحملوهم إلى الملك.. فدخلوا مجلسه وهو بين عظماء قومه..فقربهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسباً.

فقال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا الرجل..- سيسأله عن محمد صلى الله عليه وسلم..و عن حسبه ونسبه.. سيسأله عن دينه.. -  وأبو سفيان لا زال على كفره وشركه. قال الملك.. فإن كذبني صاحبكم فكذبوه.. إن كذب عليّ..فأخبروني بكذبه..قال أبو سفيان.. فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً لكذبت عليه...هذا مفعول الحياء في قلب رجل مشرك..نحو رجل يراه من ألد الأعداء..خاف من الناس.. أن يمسكوا عليه كذبة..فما بال المؤمن.. والحياء عنده من الله..والحياء عنده عقيدة تصاحب إيمانه بالله..يقول صلى الله عليه وسلم والحديث في كنز العمال ..إن الحياء والإيمان قـُرنا جميعا فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر..

يعيش المرء ما استحيا بخير  ٍ

       ويبقى العود ما بقيَ اللُّحاءُ

فلا والله ما في العيش خيرٌ

         ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ

ومن الحياء..غض البصر.. وغض البصر قوام المجتمع المسلم.. و غض البصر من شيمة العرب..حتى قبل أن يتفتح في قلوبهم أدبُ الإسلام.. يقول شاعرهم

وأغض طرْفي إن بدت لي جارتي

              حتى يواري جارتي مأواها

ولما جاء إسلامنا العظيم..جعل الحياء شعبة من شعب الإيمان.. وجعل غض البصر رافدا من روافده.. فكان أمر الله للرجال..في قوله تبارك وتعالى قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ..وكان أمر الله للنساء   وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ..  وبعد هذين الأمرين..وجب على الرجال ..كما وجب على النساء غض البصر..                                                                     من تراثنا البهي ..و من روائع الطاعة عند سلفنا الصالح.. كان الشيخ محمد بن واسع.. رحمه الله رحمة واسعة..عندما يزور أحد أصحابه..و يطرق الباب ..تفتح له  الخادمة ..وعندما تراه.. تعود مسرعة إلى سيدها لتقول له ..صاحبك الأعمى جاء.. من شدة غضه لبصره.. بمثل هذا السلوك عاشوا رحماء بينهم..ودانت لهم الدنيا .. فملكوا الأفئدة و الرقاب ..

        و من بلاغة كلام الله جل جلاله.. قال أهل التفسير في قوله تعالى يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ.. و يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّأي أن الله عز وجل قال: يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ ولم يقل يغضوا أبصارهم، لأن أول نظرة لا يملكها الإنسان، وإنما يغض فيما بعد ذلك..قال صلى الله عليه وسلم إياك والنظرة بعد النظرة فإن الأولى لك والثانية عليك ..فبعد النظرة الأولى.. التي تأتي بريئة  يتم غضالبصر.. لينشأ في القلب المؤمن زخرف الحياء.. وليعيش المؤمنون متآلفين متعاونين إخوة على طاعة الله.. فالنظرة الثانية حرّمها الله..  على الرجل كما حرمها على المرأة..وحرم ما بعدها.. لأنها تزرع في القلب أولى بذرات الفاحشة.. و أولى لقطات الظلم و الإعتداء.. وحبيب هذه الأمة  يقول .. والحديث في الصحيحينكل المسلم على المسلم حرام..دمه و ماله و عرضه.. فحرام في المجتمع المسلم أن يتحدث فلان عن فلان.. بما يكره وهو غائب.. في ليلة المعراج.. والحديث أورده الشيخ الألباني في صحيح الجامع .. قال صلى الله عليه وسلم "لما عرج بي مررت على أقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يقعون في لحوم الناس ويأكلون أعراضهم.. و حرام في المجتمع المسلم أن يرفع الرجل المؤمن نظره نحو مؤمنة.. و لا يحل للمؤمنة أن ترفع نظرها نحو أخيها المؤمن..وكم هي الأمة في حاجة  ملحّة..حاجتها لغض البصر..في كل مكان..في الشارع و في السوق ..في المعمل و في الإدارة .. في البيت..أمام الشاشة.. في البيت أمام الأهل..حتى مع المحارم ..مع الأخت ..مع الخالة.. مع العمة.. مع الإبنة..لا تحقق  بالنظر..من أجل ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الجلوس في الطرقات..رغم أن مجالسهم كان فيها ذكر وفيها مواعظ ..كانوا يتدارسون أقوال و أفعال الحبيب صلى الله عليه وسلم.. فهم الذين مدحهم رب العزة تبارك و تعالى بقوله  وقالوا سمعنا وأطاعنا.. سمعوا أن الغيبة حرام فطلقوا الغيبة..سمعوا أن الله يراقبهم وهو معهم.. فاستقاموا  على طريقته..قرؤوا قوله تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ..فتأدبوا بما أدبهم به رسول الله ..في حضرة الله.. ولذلك لما نهاهم عن مجالسهم قالوا  : يا رسول الله، مالنا من مجالسنا بد.. نتحدث فيها، قال لهم : فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه.. قالوا : وما حق الطريق ؟ قال: " غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..قال لهم ذلك وهوعلى يقين أنهم سيعملون من لحظة سماعهم بتوجيهات الحبيب صلى الله عليه و سلم.. لأنهم الممدوحون بقوله تعالى..وقالوا سمعنا وأطاعنا..فيا أيها المؤمن .. إذا كنت لا تستطيع غض بصرك.. فلا تجلس على الطريق..الجلوس عليك حرام.. وإن كنت لا تستطيع أن تكف أذى لسانك عمن يمرون أمامك..فلا تجلس على الطريق.. الجلوس عليك حرام.. وأي مجلس من مجالسنا اليوم..نتحدث فيه عن صحيح البخاري..وأي مجلس نبحث فيه عن الطهارة و الوضوء.. وأي مجلس رأى أفراده منكرا فغيروه.. وأي طريق هو الطريق في بلاد المسلمين.. هل يأتي  بفاطمة بنت محمد  صلى الله عليه و سلم..؟أم بأسماء بنت الصديق..؟ رضي الله عنها و عنه.. ما ذا ترى أيها الجالس..؟ وعن ماذا تتكلم ..؟وماذا تسمع..؟من أجل ذلك..جاء إسلامنا يحمل عظمة رؤيته لما ينفع الناس.. فاعتبر الجلوس على الطريق أمانة..لها حقوقها التي يجب أن تحفظ..ولها مقتضياتها التي يجب أن تصان.. وليستعين الجالس على حفظ أمانة الجلوس على الطريق..وجب عليه أن يلتزم  بأمور ثلاث ..

أولا..أن يتذكر دائما أن الرقيب جل جلاله يراه..و أنه معه..ويتذكر قوله تبارك و تعالى  مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ.. سئل الجنيد- رحمه الله رحمة واسعة ..قيل له: بما يُستعان على غضالبصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى من تنظر..

 إذا ما خلوتَ الدهرَ يوما فلا تقل

            خلوتُ ولكن قل علي رقيبُ

ولا تحسبنَ اللهَ يغفلُ لحظة

            ولا أن ما تخفيه عنه يغيبُ

ثانيا..ألا ينسى ملائكة الرحمن.. الحفظة ..الكرام الكتبة..يقول جل و علا.. أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم.. بلى.. ورسلنا لديهم يكتبون..ويقول أيضا.. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ.. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ..

ثالثا..ألا يغفل عن ذكر الموت..وأنه في دار الفناء.. وأن الميزان يوم القيامة بالصالحات.. وأن يتذكر أصحابه الذين غيبتهم اللحود.. ماذا حملوا.. وبماذا انتفعوا.. مر حبيبنا صلى الله عليه وسلم يوما بقبر فالتفت الى أصحابه وقال لهم.. من صاحب هذا القبر.. قالوا فلان .. صحابي من صحابته الكرام.. قال لهموهو يشير إلى صاحب القبر.. ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون يزيدهما هذا في عمله.. أحب إليه من بقية دنياكم..لكن هيهات.. وحتى هيهات  لا تنفع.. يوم يرغب أهل الظلم.. أن يعودوا للدنيا لحظة..ليفعلوا الخير.. ليملؤوا حياتهم ركوعا و سجودا .. ليعبدوا الله كما أمر.. يتضرعون بعدما انكشفت لهم الحقيقة .. رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا.. فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ..يتنادون في عتمة ظلمهم..وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ  فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ..فيأتيهم التوبيخ..أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ..و رغم النذر الجلية الواضحة.. ومع آيات الله البينات..ترى الناس اليوم في غفلة..يقتلون الوقت على الطرقات.. فعلى المؤمن أن يتذكر مفارقة الدنيا.. وأنه كما قال  اليوم عن فلان رحمه الله...سيقال عنه يوما رحمه الله.. كان الخليفة الفاروق  عمر بن الخطاب رضي الله عنه .. كثيرا ما يردد .. كل يوم يقولون مات فلان ، ومات فلان ، وسيأتي يوم وسيقولون مات عمر ..وقدرنا .. الذي قضاه علينا خالقنا و مبدعنا ..يؤكد لنا بجلاء..  كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ..وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ.. وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ..

    فإذا جعل المؤمن من الرقيب رقيبا.. وأحس بالملائكة الكتبة حوله لا يفارقونه.. وتذكر أن الحياة الدنيا دار ممر .. غمرت جوارحه طاعة الله.. ومحبته و تقواه  /


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق