]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

وعادت لتسكن فؤاده . . . . من جديد ! !

بواسطة: د. وحيد الفخرانى  |  بتاريخ: 2012-12-06 ، الوقت: 14:55:58
  • تقييم المقالة:

وعادت لتسكن فؤاده . . . . من جديد  ! !

--------------------------------------

عاد أحمد إلى منزله . . وهو مُرهق ومُتعب ، لا يكاد يقوى على فعل أى شئ . . حتى عقله ما عاد قادراً على التفكير فى أى شئ ، أما قلبه فكان حائراً بين حبه لهالة وعشقه لهواها ، اللذان لا يزالا يحومان حوله . . لم يستطع أحمد فعل أى شئ ، سوى أن يبدل ملابسه ويُلقى بجسده المُرهق المُتعب على سريره بغرفة نومه . . عسى أن يدركه الصباح ، وقد عاد إليه بعض من قوته ، وجزء من عقله وذهنه .

ساعات قليلة مضت . . حتى أدرك أحمد الصباح . . إستيقظ مبكراً كعادته . . توضأ ثم صلى لله راكعاً وساجداً وداعياً لله ، أن يرفع عنه الحيرة ، ويلهمه الصواب فيما إلتبس عليه من الأمر . . أمر هالة . . تلك الحبيبة التى تركته وحيداً ، وتنصلت من مشاعرها نحوه ، وهرولت مسرعة للزواج بإنسان غيره . . ثم هى عادت من جديد ، وتحاول أن تعود إلى سَكنها القديم ، قلب أحمد النقى الطاهر ، الذى حمل لها كل الحب والود والغرام والهيام . . خرج أحمد من منزله مبكراً على غير عادته وقبل موعده ، وتوجه إلى مدرسته التى يعمل بها . . لم يستغرق الطريق طويلاً لقرب المدرسة من منزله ، وكان أحمد أول من وصل إلى المدرسة ، قبل كل زملائه وتلاميذه . . دخل إلى حجرة التدريس ، وجلس حيث إعتاد لجلوس . . جلس وحده يفكر ويعاود التفكير ، فيما تحدثت معه هالة بشأنه . . إنها إقتحمت حياته فجأة مرة أخرى ، وهى عازمة على النيل منه والإستحواذ على قلبه من جديد . . أخذ أحمد يسأ ل نفسه : هل حقاً كانت هالة تحبه مثلما كان يحبها ؟ وهل حقاً هى فهمته أكثر مما فهمها ؟ والأهم من ذلك كله ، هل حقاً يمكن لقلبه أن يصفح عنها بعد كل ما فعلته به ؟

تساؤلات وتساؤلات . . أحاطت جميعها بعقل أحمد ، لم يقطعها سوى حضور بعض من زملائه المدرسين إلى حجرة التدريس ، الواحد تلو الآخر . . بدأ اليوم الدراسى ، ولم يستطع أحمد أن يلملم شتات عقله فى الساعات الأولى . . حتى حانت فترة الإستراحة ، وذهب أحمد إلى حجرة التدريس ، وطلب كوباً من الشاى لعله يستطيع أن يكمل عمله بقية اليوم .

وفجأة . . دخلت هالة إلى الحجرة ، وألقت التحية على كل الجالسين من زملائها المدرسين . . رحب الجميع بها وبعودتها إلى عملها بالمدرسة ، وإتجهت هالة نحو أحمد لتجلس بجواره . . مرت دقائق معدودة ، وإنصرف كل من بالحجرة إلى عمله . . إلا أحمد . . ظل جالساً بجوار هالة ، ولم يفكر حتى فى مغادرة الحجرة . . لقد أصابته فجأة حالة من الإستسلام الغريب للبقاء بجوارها ، وقد لاحظت هى ذلك ، ووجدت الفرصة سانحة للحديث بينهما .

قالت ( متسائلة ) : هل أنهيت عملك اليوم يا أحمد ؟

قال أحمد : لا . . مازالت عندى الحصة الأخيرة .

قالت : إذن أنت الآن بلا عمل ؟

قال أحمد : نعم . . سوف أظل هكذا لمدة ساعتين .

قالت : وهل ستتركنى أجلس هكذا ؟ أريد أن أشرب كوباً من الشاى .
نادى أحمد على عامل البوفيه بالمدرسة . . وطلب لها ما أرادت .

ثم سألها : ما الذى أتى بكِ إلى المدرسة اليوم ؟ أما قلتِ لى بالأمس أنكِ ستعودين بعد أسبوع ؟

قالت : نعم . . ولكننى جئت لأسلم خطاب عودتى إلى مدير المدرسة ، فطلب منى الحضور غداً لإستلام عملى بالمدرسة بسبب نقص فى أعداد المدرسين .

قال أحمد : وهل قبلتِ ؟

قالت : نعم . .

قال أحمد : وماذا أتى بكِ إلى هنا ، إلى حجرة التدريس ؟

قالت : جئت أبحث عنك . . أبحث عن رفيقى بالمدرسة . . إنك أول من رحب بى هنا .

قال ( وهو يبتسم ) : أنا رفيقك فى المدرسة ، أما فى الحياة فلكِ رفيق آخر ، أليس كذلك يا هالة ؟

قالت : أما تريد أن تنسى يا أحمد  . . أراك تبتغى الحياة مع الماضى . . وأنا لا أريد أن أتذكر منه شيئاً . . أريد أن أحيا الحاضر والمستقبل ، ما فات قد فات ، وما مات لن يعود للحياة مرة أخرى .

قال أحمد : أما كان ما بيننا ماضياً ؟ فلم إذن تريدين أن تعيديه للحياة من جديد ، وقد فات ومات ؟

قالت : ومن قال لك أن الحب يموت يا عزيزى ؟ ألم أقل لك أنك لم تفهمنى قط ؟ وأننى أنا التى فهمتك . . مثلك يا عزيزى ، عندما يحب لا ينسى الحب أبداً . . وأنت قد أحببتنى ، وعشقتنى ، وتمنيت القرب منى ، وحلمت بالحياة معى ، وأنا أدرك ذلك جيداً . . لقد رأيت الحب فى عينيك بالأمس . . بعد شهور مضت وإنقضت . . أنت ما زلت تحبنى ، ولم تنسنى ، ولن تنسنى .

قال أحمد : أهذه ثقة منكِ ، أم غرور وكبرياء ؟

قالت : إنها الحقيقة يا عزيزى . . ولكنك تريد أن تنكرها ، ولا تريد أن تواجه بها نفسك ، أما أنا فأدركها جيداً ، ومن أجل ذلك أتيتك اليوم ، وأنا أعرف أنك ما زلت تحبنى وتريدنى إلى جوارك .

قال أحمد : إنكِ واهمة . . تكذبين على نفسكِ وتخدعينها . . إن ما فعلته بى يا هالة ، لا أنساه لكِ أبداً ، لقد ذبحتنى بكل قسوة ولم ترحميننى . . ألقيتِ بى إلى قارعة الطريق ، وكأنكِ لم تعرفيننى يوماً ، ولم ترافقيننى يوماً . . لقد أنهيتً كل ما بيننا فى لحظات ، وتنكرتِ لحبكِ لى ، وتنصلتِ من كل مشاعركِ نحوى فى لقاء واحد . . هكذا أنتِ كنتِ قاسية وظالمة ، وهكذا أنا كنت الضحية.

قالت ( وهى ترجوه ) : دعك من ذكريات الماضى يا أحمد  ، إنها مضت بكل حلوها ومرها ، وسعادتها وتعاستها . . أنا أبغى الحاضر معك . . أما تغفر لى ما أخطأت فيه ؟ أما تصفح عنى ؟

قال أحمد : ما عدت أستطيع أن أشعر معكِ بالأمان يا هالة . . لقد صرت أخافكِ ، وأهاب غدركِ ، وأخشى خداعكِ .

قالت : ولكننى أريدك . . وقد عدت إليك بعد أن أدركت حبك لى ، وهو ثمين غالى ، ولن أضحى به بعد اليوم . . لن أطلب منك أن تعطنى الفرصة مرة أخرى . . ولكننى جئت كى أخبرك بأننى سوف أعود إلى سكنى فى قلبك ، وإلى واحتى فى صدرك ، وإلى جنتى فى أنحاء كيانك كله . . ولقد عدت الآن بالفعل ، وأرى نفسى فى عينيك ، التى نطقت بما لم ينطق به لسانك . . وأخبرتنى بأننى قد عدت لأسكن فؤادك من جديد ، أيها المحب العاشق لى ، والمغرم بجمالى وسحر عيونى.

فاجأت هالة أحمد . . ووضعت يدها على يده ، وتسللت يدها لتسكن داخل راحتيه لثوانى معدودة ، وأغمضت عينيها لتدع أحمد ينظر إليها ، وهى هائمة فى الخيال ، لحظات سريعة مضت ، ثم تنبها سوياً . . سحبت يدها من يده ، وفتحت عينيها لتجد الدموع وقد تساقطت من عينيه ، لم تتمالك هالة نفسها هى الأخرى ، وغلبها البكاء بصوت سمعه أحمد . . لم يستطع أن يقاومها ، ولا أن يقاوم دموعها ، وإنهارت كل مقاومته لها ، ولم يعد قادراً على فعل أى شئ ، سوى أن تمتد أصابعه إلى وجنتيها ، لتمسح عنهما الدموع . . إنها دموع هالة الغالية ، التى لم يرها أحمد من قبل ولو لمرة واحدة ، ولا حتى عندما جاءته فى آخر لقاء بينهما منذ شهور ، كى تتنصل من مشاعرها نحوه ، ويومها لم تودعه ولو بدمعة واحدة .

واليوم . . هى إنسانة أخرى ، هى هالة غير تلك الهالة التى يعرفها ، لقد تساقطت دموعها عندما رأته يبكى من أجلها . . أترى ؟ هل كانت دموعها تعكس حبها له وعشقها ؟ أم أنها كانت مثل دموع التماسيح ، التى تظنها الفريسة دموع بكاء ، وهى فى حقيقتها دموع زيف وخداع ، حتى إذا أمنت الفريسة وأطمأنت ، وأسلمت وإستسلمت ، كانت نهاية حياتها المحتومة .

بكت هالة وتساقطت دموعها أمام أحمد . . وإنهار أحمد لبكائها . . وخر صريعاً على مذبحها . . ونسى تماماً ما كان منها بالأمس . . وعاد قلبه ينبض بحبها ويدق لها من جديد . . وعادت هى لتسكن فؤاده من جديد . . إنها كانت محقة عندما أيقنت أنه لم ينسها قط ، ولم يغادره حبها قط ، ولم يغفل قلبه عن هواها قط ، ولم يأبى هو القرب منها قط . . لقد كانت واثقة أنها هى التى فهمته ونالت من قلبه وعقله . . وأنه لم يفهمها قط ! ! ! !             وإلى مقال آخر إن شاء الله .

 

 

 

  • ياسمين الخطاب | 2012-12-17
    ابدعت سيدي....ومن المعروف ان دموع الرجل اكثر مصداقيه من دمعة ألف امرأه.
    مبدع أنت وكالعاده متألق متميز بحرفك.
  • ياسمين عبد الغفور | 2012-12-06

    دكتور (وحيد): لن أخفي دهشتي من هذه النهاية....سأقول شيئاً (أتمنى أن لا تعتبر أن هذا الكلام موجه ضد جميع الرجال...أنا لا أحب التعميم لأنني التقيت برجال رائعين منهم بعض أساتذتي في الجامعة الذين أحترمهم)...بعض الرجال يقولون أنهم لا يفهمون طباع النساء و سلوكهم و هذه من الحيل الخبيثة لأن الشخص الغامض قد يكون ذكر و قد يكون أنثى....

     

    لم أفهم سر تصرف أحمد..لأن الرجال و خاصة معظم الرجال في المجتمع العربي لا يتسامحون و حتى لو كانت المرأة غير مذنبة.....و لكن كما قلت قد تكون هذه القصة من الاستثناءات و وجود الاستثناءات أمر طبيعي و الإنسان قد يتغيّر و يصبح أكثر لطفاً و أقل غروراً نتيجة معرفة قيمة الشخص الآخر....

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق