]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عندما يتحد المبدع مع الوحش الذي أبدعه

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2012-12-04 ، الوقت: 10:21:24
  • تقييم المقالة:

 

كانت إجابة الأديب غير المتوقعة والامنتظرة حين قال وأجاب:أتمنى لو أستيقظ ذات صباح يوم لأجد نفسي جحشا...!

في البدء لم أعير للكلمة أية إهتمام ,وخاصة أنا يوميا أعيش مع حالات اللامعقولة أخطر من هذه المقولة,مع الأساطير والخرافات اليونانية والرومانية,من حيث الخرافة ميراث الفنون.لكن تحت إلحاح الأصدقاء الذين ألتقيت بهم في صبيحة اليوم الموالي بمقهى الإذاعة,وجدت الأمر ليس بالهين ولا يستدعي مجرد إجابات إرتجالية ,كما جرت عليه عادتي حول أسئلة الأصدقاء الذين يتقلون علي  بالأسئلة المتعلقة بالأدب اليوناني خاصة, وكان الفضول يدفع لكل جديد.أخذت الفكرة من الأصدقاء وصارت تتخمر في ذهني يوما بعد يوم ,كالإشاعة وكالكلام عموما الذي يتغذى بالإضافات. حين وجدت ذاكرة الإنسان أولا مرتبطة إرتباطا وثيقا بذاكرته الحيوانية,ثانيا حين وجدت الحيوان وقصص الحيوان مرتبطة إرتباطا أعظم بالإنسان ذاته في مجرى الزمن ,فكما كان الكاتب الفرنسي (ملارميه)مرتبطا بالأفعى في القصيدة العظيمة الملحمة (ميلوزين),وكما كان (نيرودا) الشاعر الكبير متعلقا ومرتبطا بكلبه الى درجة التأله,و (يونسكو يوجين) مع حيوان الخراتيت,كما كان الكاتب العربي (توفيق الحكيم) مرتبطا بالحمار الى درجة أن جعله حكيما مستبصرا بأحوال الحمير والبلاد والعباد والعديد العديد من الكتاب من أستخدم الحيوان كأدب هروب ,هروب من أي شيئ إلى أي شيئ.

وما جحش صديقنا الأديب إلا إبن الحمار,والحمار بطبعه خير مطيع الى حد البلاهة ,لكنه بالمقابل يمتاز بالذكاء وحسن التصرف وحب الخير للناس أجمعين.لكن إبليس الغدار دائما يضيق به درعا,ملتصقا بذيله ويخرج الى بر الأمان غاويا ملتفا حول قوانين السماء والأرض شقيا منبوذا طريدا وحيدا.يقترح الكاتب على الحمار في مؤتمر الصلح ,بأن يتولى رئاسة الحزب,يأبى في البداية نظرا للظروف المتواجد عليها الحمار ونظرا للمهام الجسام الملقى على عاتقه,وتحت الإلحاح يقبل الحمار بأن يتولى مهام قيادة الحزب. وتستمر الروايةنفسها مع حيوان (الخراتيت):عندما تكون اللغة أو الأسلوب قاصر عن تحقيق التفاهم ما بين الإنسان وأخيه الإنسان ليلجأ الكاتب الإنسان الى مخلوقات أخرى وإلى أكوان أخرى يسهل التواصل معها بين ما يمكن إدراكه وما لايمكن إدراكه,فالخراتيت عبارة عن ظهور حيوانات غريبة في إحدى المدن,هذه الحيوانات لاأحد يعرف من أين جاءت,ولكنها ظهرت وأثار ظهورها بث الخوف والرعب في قلوب الناس الذين لم يتحولوا بعد إلى خراتيت,لتنتشر في كل مكان ,وينتشر معها الخوف في كل قلب,ولم يجد الناس سبيلا إلى الخلاص من الخوف من الخراتيت إلا أن يتحولوا إلى خراتيت,فالدواء الوحيد هو أن يصاب الإنسان بالداء.أنتشر الداء وأقبل عليه الناس إلا فردا واحدا يؤثر الداء على الدواء,ويفضل الخوف على أن يتحول إلى خرتيت.لقد أنسحب هذا الإنسان عن تجمعات البشر الحيوانية عن الإصابة بمرض الخرتة,ولما وجد نفسه وحيدا أمام الخرتة  تحامل على إنسانيته وعلى نفسه,وقرر أن يظل إنسانا في وجه الخراتيت,أو في وجه الحيوانات البشرية التي تحولت إلى خراتيت,فالإنسانية هي في الأخير الذي لايستطيع الإنسان أن يتنازل عنه.

أتساءل بدوري مما يخاف الكاتب؟ولو إفترضنا بفعل طارئ ما حتى لاأقول خوف ما تمنى أن يكون جحشا,هروبا من الإنسان حيوان ناطق,من إنسان فاعل ومن إنسان مفكر ومن إنسان لعوب ومن إنسان السياسي,وكل تصنيفات الأنسنة التي عرفها علم النفس وعلم الإجتماع ,الإنسانية المطلقة إلى الحيوان وبالضبط الجحش,لايدري ما يفعل  وليس له ذنب إن تحطيم الطابوهات الريائية,التي تعاهد عليها البشر وأختلفو علانية ليأتلفوا عليها خفية ,وعندما تصير اللحظة المسحورة الإبداعية ,هي نفسها لحظة ضعف الإنسان ويتحول فيها إلى حيوان ليس إلى جحش وإنما إلى كافة الحيوانات دفعة واحدة في لحظة عابرة واحدة,بعدها يأتي التطهير المنشود الذي يغديه بالندم ,لأنه آثر الحيوانية على أن يظل إنسانا ,آثر اللذة والسقوط  عوضا عن التحكم فيها.لكن ,كانت لابد للكاتب من هذا التحول البهيمي,لابد أن يصاب بما أصاب الإنسانية عندما لايعنيها شيئا,ويصبح يومها كغدها,ويصبح عقابها كجرمها ,وربحها كنجاحها,وكسبها كخسارتها,عندما تتوقف الكعكة السياسية عن النمو ,ويصبح الإنتخاب من عدمه ,والناخب والمنتخب سيان,وعندما ينعزل المجتمع عن باقي التجمعات البشرية,وعندما يصبح الشعب ليس مصدر السلطات,ساعتها الجميع عليه أن يصاب بالداء (اللاجدوى),بل,عليه أن يلقح نفسه بمصل الباستورية ,كي يقي نفسه من داء الخوف,عليه أن يظل إنسانا مكافئا للعالم على أن ينحاز وراء العبث واللاطائل.لأن في الأخير لايصح إلا الصحيح,ولايظل قائما إلا الإنسان الذي قال (قف) لهذه السخرية التي تملي على الناس تقرير مصيرها وراء فعل زائف.تقودنا هذه الحالة إلى سعي الأديب أن يحقق أسطورة الذات,بل تدمير الذات,وهذا يكمن في أعماق كل إنسان,غير أن طقس هيمنة الحياة والمعتقد الديني (الإنسان المتدين  homo religiesus/)  تكبته وتمقته وتنسيه.أسطورة إفناء الذات أو تحويل الذات مرتبطة بنا منذ الأزل وإن كان الكاتب لايعترف به ضمنيا,أنها عنصرا مهما كمبدأ حياة ,كالولادة ,والحب ,ومحبة الله,والخلق الفني,فلكي يحقق الأديب او الكاتب شيئا ما,عليه أن يفني ذاته الى حد ما أديبنا الذي يطمح أن يصير جحشا ,في الحقيقة يريد أن يحقق أسطورة الإنسان الأول أين كانت الطبيعة مشاعا للجميع ,من جهة أخرى هو يسعى حتى من دون قصد ,أن يؤكد حقيقة وجوده الإنساني,رمز وتعبير حركي عنيف عن واقع عميق يكمن بعمق في طبيعة الإنسان,يصبو إلى أن يصبح صورة جحش,صورة غير واقعية ,كما في وحدته,في نومه,في حبه,وفي صلاته ونسكه,إلى أن يصير صورة عن كيانه يصير أكثر إتحادا وتناغما مع الوحش الذي أبدعه بل مع وحش الكتابة ,الذي يتغذى على عرق ودم الكاتب ,بل هو الإتحاد مع ذات الكاتب ,بل الإتحاد مع العدم.الوحش الكامن في كل نفس,بل عليه أن يقاومه ولايستسلم له ,عليه أن يغذيه بالندم ويوشي به الى شرطي الأعماق الإنسانية الضمير,كيما يحقق في الأخير مبدأ التغير أو التحول,من الأديب الى الجحش او العكس.توضح فكرة التحول,فكرة تراجع سير التاريخ ورد الإنسان إلى الماضي بغية تتبع منشأ معضلاته وعذابه وشروره.فكرة الصلة بين الإنسان والعالم الطبيعي,أو ما يبدو دوما أنه العالم الطبيعي فيما قبل التاريخ,إنسانا ملتصقا بذاكرته الحيوانية,بالعهد الذي كان فيه يشارك الحيوان وجوده,فهو وثيق الصلة بالحيوانية, وهو بالتالي سادي,إنه الكائن الذي يتحرك ويتصرف إنطلاقا من طبيعة الغريزة,وبالتالي يجد الكاتب نفسه بين كائنين: الكائن المادي المحض الجحش وكائنه الخاص الإنساني,وجد نفسه مشدودا بمعادلة طرفيها المادة والروح ,الغريزة والعقل,البافلوفية والمنعكس الشرطي والإبداع,وبالتالي بين وجوده الإنساني والوجود الحيواني.إذن نحن أمام ثنائية الإنسان وثنائية الفن  يتولد عنها صراع:من أجل التوصل إلى نوع من الإنسجام بين حاجتي الفنان:حاجته إلى أن يكون إنسانا من العالم,يتفهم العالم والأسباب التي تخلق عاداته وتقاليده,وحاجاته إلى أن يكون اختصاصيا ملتصقا بألوانه وكتلته ومساحته وحجمه ولغته,ينطوي على قاعدة تمثاله المقدس,على حدس اللا نهاية ,كما ينطوي في آن واحد على الرخام,وعلى المثال النموذجي للجسم البشري في مرحلة معينة تاريخية ووفق تقاليد ومقاييس معينة.الصراع الذي كان يعيشه الأديب في تلك اللحظة ,هي صراع الذي يعنيه كل فنان ناجم عن حاجته إلى تفهم العالم وحاجته إلى العيش في عزلة عنه.إلا أن عليه أن يتفهم المجتمع لابالطريقة الأخلاقية والسياسة المألوفة,بل بالطريقة السابقة للتاريخ,على أن يكون قادرا على الرجوع.يسعى الأديب وراء كل هذا ليخلق من نفسه شكلا جديدا بإتحاده مع الوحش ,مع الجحش. وأيضا كيما يجسد أسطورة فنان,يهيمن على المشهد كما يهيمن الكاهن على طقس معقد,أو يسعى ليحقق فعل المحارب وفعل الخلق وفعل المعرفة,الكاهن والشاعر الأديب والمحارب.

في الأخير إننا نحترم الكاتب والأديب ,الذي كان مبعثنا على البحث والإثارة وغير المألوف,وذكرنا بالرجوع إلى ذاكرتنا الإنسانية كلما وصلت مخيلتنا الإبداعية الى الضيق بذات نفسها.أتمنى له كل خير وأن يكون في صحة وعافية,و:لاأعرف ماذا أقول,كما قال رامبو

  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق