]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الاسواق في الشعر الجاهلي

بواسطة: Steel Princess FarahAlfadly  |  بتاريخ: 2011-08-20 ، الوقت: 22:48:09
  • تقييم المقالة:

      توطئة

أسواق العرب في الجاهلية  ( أهميتها ومكانتها )

     السوق مكان يجتمع فيه أهل البلاد والقرى وهو المحل الذي يتسوق منه ،والأسواق في اللغة جمع سوق وهي موضع بين البضائع والأمتعة ، وأصل اشتقاقها من سوق الناس بضائعهم إليها والغالب عليها التأنيث ، وهي لغة أهل الحجاز ، ولذلك تصغر على ( سويقة ) لأنه اسم ثلاثي مؤنث ، ويقال: تسوق القوم : إذا باعوا واشتروا ([1]). وهي أما ثابتة مع أيام السنة وأما موسمية تعقد في مواسم معينة ، فمنها ما ينعقد كل أسبوع ومنها ما ينعقد مرة في الشهر ، أو مرة في السنة ومنها ما ينعقد مرة في بضع سنين ([2]) .وقد شغلت دولة العرب القديمة كتدمر وسبأ والمعينيين ، المراكز الممتازة في تجارة الشرق حتى ذكرتهم التوراة ووصفت ثروتهم وتجارتهم ([3]).

     كان العرب يقيمون أسواقهم في أشهر السنة للبياعات والتسوق وينتقلون من بعضها إلى بعض ، فتدعوهم طبيعة الاجتماع إلى المفاوضة بالقول ، والمفاوضة بالرأي ، والمبادهة بالشعر والمباهاة بالفصاحة ، والمفاخرة بالمحامد وشرف الأصل فكان من ذلك للعرب معونة على توحيد اللسان والعادة والدين والخلق ، فقد كان الشاعر أو الخطيب إنما يتوخى الألفاظ العامة والأساليب الشائعة قصدا إلى إفهام السامعين ([4]).

     كان العرب في هذه الأسواق يأمنون على دمائهم وأموالهم أثناء التقائهم بها ، فمن دين أهل الجاهلية اعتبار هذه الأسواق حرما ، يأمن فيها الإنسان دمه وماله مادام في ضيافة السوق وحرمته ؛ ولهذا كان لكل سوق       ( قومة ) يقومون بأمر السوق وبالمحافظة على الأرواح والأموال فيه ؛ فقد كان في العرب قوم يستحلون المظالم ، يسمون بـ ( المحلون ) إذ كانوا لا يقيمون  وزنا لحرمة هذه الأسواق ([5]).

     إن هذه الأسواق كما يقصدها طالب الربح والشراء ، يقصدها طالب الأمن والفداء فكان يأوي إليها الخائف طلبا للإجارة وكان فيها منادون يناشدون ذوي الحاجات لتقضى حاجاتهم ؛ ولأن أغلب هذه الأسواق حولية تقوم أياما معلومات من كل عام فكانت ميدانا لغير البيع والشراء ؛ فكان فيها تناشد أشعار ، وكان فيها تفاخر وتكاثر وتنافر ومقارعة ومعاظمة ، فبفوز في هذا أقوام ويخسر آخرون وكان لهم محكمون يحتكم إليهم الناس في مفاخراتهم وأشعارهم ([6]).

     وهذه الأسواق تتفاوت من حيث الشهرة والذيوع ومن حيث عدد الناس الذين يفدون إليها ومنزلتهم الاجتماعية والسياسية والقبلية ، وقد درج العرب على أن تكون الأشهر التي تقام فيها تلك الأسواق هي من الأشهر الحرم ، وكذلك أماكنها كانت من الأماكن الحرم أيضا ، فلا يجوز فيها العدوان ولا الغزو، ولا القتال ، ولا الأخذ بالثأر ، والأشهر الحرم عندهم أربعة  هي : ذو القعدة ، وذو الحجة ، ومحرم ، ورجب الفرد ؛لانفراده عن الأشهر الثلاثة المتتابعة ([7]) .

       ولم تكن الأسواق بدعا في تاريخ العرب ، بل كانت معروفة عند اليونان والرومان ، مع بعض الفروق بينها وبين الأسواق العربية القديمة ، ثم تقلصت تلك الأسواق جميعا بل زالت بعد انتشار وسائل النقل ، وتطور تسويق البضائع ، وشيوع ظاهرة المعارض المختلفة في هذا العصر .

[1]ـ ظ : تاج العروس: مادة سوق .

[2]ـ ظ : تاريخ آداب اللغة العربية :1/167 ، و المفصل في تاريخ العرب : 7/365.

[3]ـ ظ : أسواق مكة والمدينة : 1.

[4]ـ ظ : تاريخ الأدب العربي، الزيات : 15 .

[5]ـ ظ : المفصل : 7 / 369.

[6]ـ ظ : أسواق العرب في الجاهلية والإسلام  : 90 ـ 91.

[7]ـ ظ : مع كتاب أسواق العرب : 40. 

 اولا  : أشهر الأسواق في العصر الجاهلي:

         لم يتفق القدامى من المؤلفين في عدد الأسواق عند العرب في الجاهلية ولا في تحديد أزمنتها فمنهم من يعدها ثمانية ، ومنهم من يعدها عشرة ، ومنهم من يعدها إحدى عشرة ، حتى يصل البعض إلى تعدادها إلى خمسين سوقا ،أما من المتأخرين من العلماء فقد ذكر الأفغاني عشرين سوقا  في كتابه أسواق العرب في الجاهلية والإسلام معتمدا ثمانية من المؤلفين القدامى مراعيا لترتيبها وقد ذكر أن جميع هذه الأسواق عند هؤلاء الثمانية تبدأ بسوق دومة الجندل في ربيع الأول ([1]). وسأقف في هذا البحث الصغير على تلك الأسواق بشكل مختصر، ثم سأتوسع في الحديث عن بعض تلك الأسواق التي كان لها شأن أكثر من غيرها لاسيما في الحديث عن سوق عكاظ ؛ لكونها من أعظم الأسواق في الجاهلية لأن هذه السوق ترى أحوال الجاهلية من عامة نواحيها في بيعها وشرائها ودينها واجتماعها وسياستها وحربها وسلمها ، وفخرها وأدبها ولغتها شعرها وعاداتها .

1ـ سوق دومة الجندل :   دومة الجندل ويقال دوماء جندل بلد يقع في نقطة متوسطة بين الشام والخليج الفارسي والمدينة ([2])، وكانوا ينزلونها أول يوم من شهر ربيع الأول يجتمعون في أسواقها للبيع والشراء والتبادل ولم تكن سوقا يقصدها العرب في موسم واحد بل كانت مفرقا مهما من مفارق الطرق وموضعا يقصده أصحاب القوافل الذاهبون من جزيرة العرب إلى العراق وإلى بلاد الشام وبالعكس ؛ لوجود الماء العذب بها ، وما يحتاج المسافر إليه من زاد ([3]).

2ـ سوق المشقر :  هو حصن بالبحرين لعبد القيس وهو قريب من هجر ، وهذا الحصن قوي البنيان حتى رفعوا نسبة بنائه إلى سليمان ، فقد ضرب به المثل في الصنعة والإحكام ، قال المخبّل ([4]):

                          فلئن بنيت لي المشقر في            صعب تقصر دونه الهمم

                          لتنقبن عنــــي المنيــــة  إ           ن الله ليس كعلمه عـــــلم ([5])        

   وقد ذكر هذا الحصن الكثيرون ، فقد ذكره الأعشى قائلا:

                         فإن تمنعوا منا المشقر والصفا                 فإنا وجدنا وجدنا الخط جما نخيلها ([6])              

3ـ سوق هجر :  تهبط العرب هذه السوق ولعلها كانت أكثر مكانة من دومة الجندل ؛ لأنه فرضة يجدون فيها من أصناف التجارات التي تأتيهم بها تجار الهند وفارس ؛ ولأن بها من التمر ما طبقت شهرته الآفاق وضرب في الجودة مثلا في البلاد ([7])قال دريد بن الصمة :

                          وربت غارة أوضعت فيها           كسح الهاجري جريم تمر ([8])

 

4ـ سوق عمان : تقصد العرب هذه السوق ، إذا انتهت من سوق هجر فترحل إلى عمان وتقيم سوقها حتى آخر جمادى الأولى وهي تتوسط بين فارس والهند والحبشة ؛ لذلك تجتمع فيها بضائع هذه الممالك الثلاث ([9])

5ـ سوق حباشة : تقوم هذه السوق في ديار بارق ، وهي المتجر المتوسط بين الحجاز واليمن ، و الحباشة الجماعة من الناس ليسوا من جنس واحد ؛ ولعلها سميت بذلك لكثرة ما يجتمع بها من مختلف القبائل ([10])

    ليس لهذه السوق شأن الأسواق العربية الكبرى ، فهي تأتي في الدرجة الثانية وتكاد تكون لما حولها في الغالب على خلاف الأمر في بقية الأسواق التي هي من مواسم الحج ([11])

6ـ سوق صحار :تقيم العرب السوق العامة في صحار من عاشر رجب إلى الخامس عشر منه ، بعد انفضاض سوق حباشة ، وليست صحار من الأسواق العامة ولا من المواسم مثل عكاظ حتى يحرصوا عليها ذلك الحرص ؛ بل هي سوق تجارية محضة ، وقيام هذه السوق في رجب يغني قاصدها عن الحماية ، فيردها الناس غالبا بلا خفارة ولا حذر إلا من المحلين ؛ لأن رجب شهر حرام ([12])

7ـ سوق دبى :هي سوق من أسواق العرب  بعمان وهي مدينة عظيمة ومشهورة لها ذكر في أيام العرب وأخبارها و أشعارها وكانت قديما قصبة عمان تقوم هذه السوق في آخر يوم من رجب ، وتمتاز من غيرها بالبضائع الأجنبية التي يحملها التجار من بلادهم في البحر وتنفذ منها تجارات العرب إلى الخارج([13])

8ـ سوق الشحر :تقوم هذه السوق في النصف من شعبان بعد انفضاض سوق ( دبى ) ويقصدها تجار من البر والبحر والبضاعة الرائجة فيها البز والأدم والكندر والمر والصبر والدخن ([14])

9ـ سوق عدن أبين :ينزلها العرب بعد ارتحالهم من الشحر ، فيقيمون فيها العشر الأول من رمضان ، وقاصد هذه السوق في غنى عن خفارة الناس لقيام حكومة منتظمة فيها ([15])

10ـ سوق صنعاء : صنعاء أطيب بلاد اليمن ، بل جزيرة العرب كلها هي مضرب الأمثال في طيب الهواء واعتداله وحسن العيش وتكون سوق صنعاء في واديها ، كان العرب إذا ارتحلوا من الشحر وعدن أقاموا سوق صنعاء فتستمر من نصف شهر رمضان حتى آخره ([16]).

11ـ سوق حضرموت :تقوم السوق في رابية بحضرموت فتعرف أيضا بسوق الرابية من منتصف ذي القعدة حتى آخره وربما قامت هي وعكاظ في يوم واحد ،فكان بعض الناس يتوجه إلى عكاظ وبعضهم يتوجه إلى رابية حضر موت ، وهذه السوق خاصة بمن حولها ، ولكن كثيرا ما يأتيها الناس من بعيد ([17])

 

12ـ سوق ذي المجاز :ذو المجاز من ديار ، هم أهلها وجيرانها الأدنون ، يكثر ورودها في الشعر ، لاسيما شعراء هذيل ؛ لأنها من أسواقهم الكبرى ([18])،    قال أبو ذؤيب الهذلي :

                     وراح بها من ذي المجاز عشية          يبادر أولى السابقات إلى الحبل([19])

وقال الليثي :

                      للغانيات بذي المجاز رسوم             في بطن مكة عهــــدهن قديــــم ([20])

     وقد ذكرها الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته ، يقول :

                   واذكروا حلف ذي المجاز وما              قدم فيـــــه العهـــود والكفـــلاء ([21])

وذكرها النابغة في قوله :

                  كادت تساقطني رحلي ومثيرتي             بذي المجاز ولم تحسس به نعما([22])

 

  تلي ذو المجاز عكاظ  في الشأن ويجري فيها ما يجري في عكاظ من تبايع وتناشد وتفاخر وفداء أسرى  وطلب ثأر ([23])

13ـ سوق مجنة :هذه السوق لكنانة وأرضها من أرض كنانة تقوم في العشر الأخير من ذي القعدة ، يقصدها العرب بعد أن تنفض سوق عكاظ يتممون فيها ما قصدوا له من تجارة وفداء وتفاخر ، وهي تستوي في نظر المحرمين من العرب وتتمتع منهم جميعا باحترام واحد ، حتى أن بعضهم لا يردها إلا محرما ([24])  ومجنة وإن قرنت في أغلب الأحيان مع عكاظ وذي المجاز ، إلا أنها دون هاتين السوقين شأنا ([25])

14ـ سوق نطاة خيبر:هو من أسواق اليهود ، ومن أكثر الأسواق التجارية ازدهارا ، وكانت تقوم بعد سوق ذي المجاز أي بعد أشهر الحج ([26]).

15ـ سوق حجر :هي من الأسواق المتوسطة يقصدها العرب لما يقصدون إليه بقية الأسواق من بيع وشراء وتناشد ، ثم صار لها ذكر في الإسلام في أحاديث الأدب والأخبار ، وبقيت سوقها حتى آخر العصر الأموي وكان يجري في هذه السوق أشبه بما يجري في عكاظ من المفاخرة ([27]).

16ـ سوق دير أيوب :هي أول أسواق الشام قياما فكان العرب وقريش إذا انتهوا من أسواقهم الموسمية : عكاظ ومجنة وذي المجاز ، وأنهوا حججهم ورجعت وفود البلدان ، تهيئوا للسفر إلى الشام فأقاموا تجارتهم فيها وبدؤوا بهذه السوق وعند انتهائهم منها يقيمون سوق بصرى ([28])

17 ـ سوق بصرى :هي من كبار مدن الشام  منذ زمن طويل قبل الإسلام ، ولبصرى من الشهرة في الجاهلية ما لا نجد لدمشق نفسها ؛ لأنها كانت محط رحال تجار العرب من بلاد الشام فجرت الألسنة بذكرها في الشعر العربي القديم ([29]).

18ـ سوق أذرعات : تقوم هذه السوق بعد سوق بصرى بسبعين ليلة ، ويطول أمدها والغالب أنهم يقيمونها مدى الصيف وبقيت هذه السوق قائمة بعد الإسلام بكثير ([30]).

19ـ سوق الحيرة : يعرض في هذه السوق والأدم والعطر والبرود والجواهر والخيل والأموال وسائر ما يعرض في بقية أسواق العرب ، مما يحمل من الشام أو اليمن أو عمان أو الحجاز أو البحرين أو الهند وفار س ، وفيها أيضا أدب وشعر وخطابة و منافرات ، كما يكون في غيرها من الأسواق ([31])

20 ـ سوق عكاظ : هي المعرض العربي  العام أيام الجاهلية ، فهي مجمع أدبي لغوي ورسمي له محكمون تضرب عليهم القباب فيعرض شعراء كل قبيلة عليهم شعرهم وأدبهم فما استجادوه فهو جيد وما بهرجوه فهو الزائف وحول هذه القباب الرواة والشعراء من عامة الأقطار العربية ([32]).

       وهي أيضا ندوة سياسية عامة تقضى فيها أمور كثيرة بين القبائل ، وكانت تقوم من العرب يومئذ مقام الجريدة الرسمية في أيامنا هذه ، فإذا أطلق لقب على أحد في عكاظ عرف صاحبه به وجرى مجرى اسمه واسم أبيه . وأشد ما يثير الاستغراب ، هذا الشبه الكبير بين عكاظ ومعارض هذا العصر بل أن عكاظ لأوسع مدى فيما يعرض ، فإنه لا يقتصر على مواد التجارة والصناعة ؛ بل يتعداهما إلى الأدب والشعر والسلم والعادات  ([33]).

 اشتقاق عكاظ :  ذهب اللغويون في اشتقاق عكاظ وسبب تسميتها مذاهب : وقلبوا الكلمة على معانيها المختلفة : فالقهر والحبس ورد الفخر والتحاج فكل هذه معان للعكظ ، لأن العرب كانت تجتمع فيها فيعكظ بعضهم بعضا في المفاخرة أي يقهره ويعركه ([34]).

مواعيد عكاظ : تقوم هذه السوق في ذي القعدة ، وللعرب خلاف في تعيين أيامها من هذا الشهر ، والراجح لدى أكثر العلماء أنها تبدأ من أول ذي القعدة وتستمر حتى العشرين منه إذ تبدأ سوق مجنة إلى ذي المجاز قرب عرفة وبقوا فيها حتى يوم التروية فيبدأ الحج ([35]).

       ولم يكن للعرب مجمع للعرب أحفل من عكاظ فكانوا يضربون بكثرة أهلها المثل وبقيت لها هذه الشهرة بعد الإسلام .

 

[1]ـ ظ : كتابه :91 ـ 175 .

[2]ـ ظ : أسواق مكة والمدينة : 6.

[3]ـ ظ : المفصل : 7 / 371 ـ 372 ـ 373 .

[4]ـ ظ : م . ن .7/ 373، و أسواق العرب في الجاهلية والإسلام : 107.

[5] ـ ذكر هذا البيت في ديوان طرفة بن العبد في مقطوعة اسمها ( حكم الله )، وذكره المفضل الضبي في المفضليات على أنه للمخبل السعدي .

[6]ـ ديوانه : 134. وظ : أسواق العرب في الجاهلية والإسلام : 107.

[7]ـ ظ  :أسواق العرب : 111.

[8] ـ ظ :ديوانه : قصيدة ( ألا بكرت تلوم بغير قدر )

[9]ـ ظ : أسواق العرب في الجاهلية والإسلام : 113.

[10]ـ ظ : م . ن . 115 .

[11]ـ ظ: م . ن.

[12]ـ ظ : أسواق العرب في الجاهلي والإسلام : 117.

[13]ـ ظ : الأزمنة والأمكنة : 2 / 163.

[14]ـ ظ : أسواق العرب : 118.

[15]ـ ظ : م . ن : 119 ـ 120.

[16]ـ ظ : م . ن : 120 ـ 121.

[17]ـ ظ : الأزمنة والأمكنة : 2 /165 .

[18]ـ ظ : أسواق مكة والمدينة : 8.

[19]ـ ظ :قصيدته ألا زعمت أسماء .

[20]ـ ظ : الأغاني : أخبار الأسود ونسبه ومنزلته في الشعر .

[21]ـ ديوانه : 19، المعلقة البيت 41 .

[22]ـ ديوانه : قصيدة بانت سعاد: 101.

[23]ـ ظ : أسواق مكة والمدينة : 9.

[24]ـ ظ : أسواق العرب : 151 ـ 152 .

[25]ـ ظ : م . ن. :152.

[26]ـ ظ : م . ن  : 22.

[27]ـ ظ : م . ن : 157.

[28]ـ ظ : الأزمنة والأمكنة : 2 / 169 .

[29]ـ ظ : أسواق العرب : 160 ـ 161.

[30]ـ ظ الأزمنة والأمكنة : 2 / 170 .

[31]ـ ظ : الأغاني :20 / 87 .

[32]ـ ظ : أسواق العرب : 122. والمفصل : 7 / 377.

[33]ـ ظ أسواق العرب : 123 ـ 126.

[34]ـ  ظ : أسواق العرب : 127 .

[35]ـ ظ  : م . ن : 127 .  

 

 

 ثانيا  : الأسواق في الشعر الجاهلي وأثرها في توحيد اللغة  :

       هذه الأسواق يفدها عامة العرب لأن أكثرهم يعمل بالتجارة ، أو الكسب والشراء وكان أكثر ما يدفع العرب في الجاهلية إلى قصد تلك الأسواق ، قيام كثير منها في الأشهر الحرم وشيوع الأمن حرمة للشهر ؛ ولأن مواسم بعض الأسواق كعكاظ ومجنة  وذي المجاز تقع في أيام حججهم ، ويأتونها من كل أوب ومعهم خيرات بلادهم ، ويضاف إلى الأهمية التجارية والأمنية ، وإلى تحقيق مختلف الغايات في هذه الأسواق أن فيها أو في بعضها تناشد أشعار ، وتفاخرا كثيرا وكان لهم حكام يفضون المشكلات بين القبائل ، ومحكمون يحتكم إليهم  الناس في  مفاخراتهم وأشعارهم ، كما لهم خطباؤهم أيضا ([1]).

        وهناك نشاط آخر في تلك الأسواق لا يقل شأنا عن النشاط التجاري ، وهو أثر ذلك الاختلاط بين القبائل في اللغة والعادات والدين :

        فالشعراء في عكاظ يتوخون اللغة المجمع على فصاحتها ، والتي صار لها من النفوذ والشيوع ما للغات العامة اليوم ، فكأن لهجة قريش هي اللهجة الرسمية بين لهجات الجزيرة كلها ؛ لأن قيام هذه القبائل على الأسواق  أعواما طويلة قبل البعثة مكنها من أن تتبوأ في اللغة المكان الأعلى ، لأنها اختارت من لغات القبائل الوافدة عامة ما يحسن ، ونفت ما يقبح ، حتى خلصت لها ــ بعد زمن طويل ــ هذه اللغة الممتازة التي نزل بها القرآن الكريم ([2]).

          فسوق عكاظ إذن مجمع ضخم حافل لم يكن للعرب أحفل منه سياسة ومفاخرة وفداء أسرى ، أدبا وحربا ومتاجرة ، وهي المعرض العربي العام أيام الجاهلية ، بل هي مجمع أدبي لغوي رسمي ، يضم الشعراء والرواة من عامة أقطار اللغة العربية ، وكل منهم يحمل أدبه ولغته وألفاظه ، فما تزال عكاظ بتلك اللهجات غربلة ونخلا واصطفاء حتى يتبقى الأنسب الأرشق ويطرح المجفو الثقيل ، وهي السوق التجارية الكبرى لعامة أهل الجزيرة ، يحمل إليها من كل بلد تجارته وصناعته وأدبه : من خمر بلاد الشام والعراق وبرود اليمن الموشاة وأنواع الطيب والسلاح ويباع فيها الحرير والأحذية ، وزيوت الشام وزبيبها وحتى الرقيق ([3])   .

       وقد خلد لنا الشعر الشيء الكثير من أحداث سوق عكاظ والأسواق الأخرى ، لا يسع  المجال لذكرها جميعا وسأحاول أن أستعرض بعض الأبيات التي صورت الحياة العربية قبل مجيء الإسلام والتي ورد فيها ذكر تلك الأسواق، وقد ركزت فيه على سوق عكاظ للأسباب التي تقدم ذكرها  :

قول النابغة في قصيدته السفاهة كاسمها :

أرأيت يوم عكاظ حين لقيتني              تحت العجاج فما شققت غباري([4])

      وكان من عادة فرسان العرب في المواسم والجموع وفي أسواق العرب كأيام عكاظ وذي المجاز وما أشبه ذلك ، التقنع ، كي لا يعرفوا ، فإنه لا يوافي عكاظ شريف إلا على وجهه برقع ، مخافة أن يؤسر يوما فيكبر فداؤه ، وكان طريف بن تميم العنبري من مشهوري شجعان العرب وفرسانهم ، كان لا يتقنع كما كانوا يتقنعون ، فوافى عكاظ يوما وقد قتل رجلا من بني شيبان ، وتطوع منهم رجلا للأخذ بثأره ، فقال لقومه أروني إياه فلما رآه تأمله ونظر إليه بإمعان ، ففطن طريف فقال له : مالك تنظر إلي ؟ فقال : أتوسمك لأعرفك فلله علي إن لقيتك يوما أن أقتلك ، فقال طريف في ذلك:

                          أو كلمــــا وردت عكــــاظ قبيلة               بعثوا إلـــي عريفـــــهم يتوســـم

                          فتوسمـــــــــوني إني أنا ذلــــكم              شاكي سلاحي في الحوادث معلم

                          تحتي الأغر ، وفوق جلدي نثرة               زغف ترد السيف وهو مثلـــــــم

                         حولي أسيــد والهجيــــم ومـــازن             وإذا حللت فحول بيتي خضــــــــم

                         ولك بكــــري لـــــدي عـــــــداوة             وأبو ربيعـــة شـــــانئ ومحـــــلّم  ([5])

 فظفر الرجل بطريف في يوم من أيام العرب فقتله ثأرا لقتيله .

    وظلت سوق عكاظ تقام كل سنة وقد شهدت عكاظ حربا سميت بحرب الفجار التي جرت بين قريش وكنانة وسميت بذلك لأنها حدثت في الأشهر الحرم التي لا يجوز القتال فيها ، وهي حروب أربع وكان سبب الأولى المفاخرة في سوق عكاظ ، وسبب الثانية تعرض فتية من قريش لامرأة  من بني عامر بسوق عكاظ أيضا والثالثة مقاضاة دائن لمدينه مع إذلاله بسوق عكاظ أما الأخيرة فكانت بسبب أن عروة الرحال ضمن أن تصل تجارة النعمان بن المنذر إلى سوق عكاظ آمنة فقتل في الطريق ([6])، ويقول في ذلك دريد بن الصمة :

                         تغيبت في يومي عكاظ كليهما                 و إن يك يوم ثالث أتغيب ([7])

وكما كان يفد البعض للأخذ بالثأر فقد كان كذلك يفدها الناس لطلب الاستغاثة ، فذكر أن أحدهم ركب إلى موسم عكاظ يستغيث فقال :

                        دعوت سنانا وابن عوف وحارثا                وعاليت دعوى بالحصين وهاشم

                        أعيذهم في كــــل يــــوم وليلـــة               بترك أسير عند قيس بن عاصــم

                        حليفهم الأدنى وجار بيوتهـــــــم                ومن كان عما سرهم غير نائـــم

                        فصموا وأحداث الزمان كثيـــرة                وكم في بنى العلات من متصامم

                        فياليت شعري من لإطلاق غمة                ومنذ الذي يحظى به في المواسم ([8])

فسمع صوتا من الوادي ينادي بهذه الأبيات :

                             ألا أيهذا الذي لم يجـــب                    عليك بحي يجلي الكرب

                           عليك بذا الحي من مذحج           فإنهم للرضا والغضــب

                         فناد يزيد بن عبد المدان                        وقيسا وعمرو بن معد يكرب

                        يفكوا أخاك بأموالهــــــم                         وأقلل بمثلهـــــم في العــــرب

                        أولاك الرؤوس فلا تعدهم                       ومن يجعل الرأس مثل الذنب ؟([9])

          ويذكر أن النابغة تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ ، فكان يجتمع إليه الشعراء فدخل إليه حسان بن ثابت وعنده الأعشى قد أنشده شعره وحكم له ثم أنشدته الخنساء قولها في رثاء أخيها صخرا:

                          قذى بعينك أم بالعين عوار                    أم قد خلت من أهلها الدر ([10])

          فقال النابغة : لولا أن الأعشى أنشدني قبلك لقلت : إنك أشعر الناس ، فقال حسان أنا والله أشعر منك ومنها ، فقال النابغة : إنك لشاعر لولا أن قللت عدد جفانك وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك.

          وذكر صاحب الأغاني  أن الأعشى كان يوافي سوق عكاظ كل سنة وفيها أنشد قصيدته في مدح المحلق([11])، ويمكن أن نستخلص من خلال ما تقدم أن سوق عكاظ أول ما وحد لهجات القبائل العربية قبل نزول القرآن الكريم بأكثر من قرن وهيأ لقريش الزعامة والتحكم في اللغة والانتقاء فسلمت من عيوب اللهجات .

          قال أبو ذؤيب الهذلي :

                            إذ بني القباب على عكاظ                    وقام البيع واجتمع الألوف

                            تواعدنا عكـــاظ لننـــزلنه                   ولم تعلم إذا أني خليـــــف ([12])

          وقال آخر يضرب بها المثل :

                            فإنك ضحاك إلى كل صاحب               وأنطق من قس غداة عكاظها ([13])

          وهجا أمية بن خلف الخزاعي حسان بن ثابت و أراد إيلامه فعنونها إلى عكاظ ، فقال :

                           ألا من مبلغ حسان عني                      مغلغلة تدب إلى عكاظ ([14])

          فأجابه حسان :

                           سأنشر ما حييت لهم كلاما                   ينشر بالمجامع من عكاظ([15])

          ولما قال عمرو بن كلثوم قصيدته : ألا هبي بصحنك ........، في العراق ، أحب أن تسير في الناس ويكتب لها الخلود ، فسعى إلى عكاظ في الموسم ، فقام بهذه القصيدة خطيبا ثم قام بها أيضا في موسم مكة .وكذلك في باقي المعلقات ، فما كان الإجماع ليعقد على أنها أجود الشعر لولا أن المحكمين في عكاظ شهدوا لها بذلك وأقر السامعون بتفوقها ([16]).وقد أبرز الشعر الجاهلي أهمية هذه الأسواق ، ويكفي أن نذكر أن أكبر حربين أهليتين ، هما : حرب البسوس وداحس والغبراء جرى صلحها في المواسم ، فقد اصطلح بكر وشيبان في سوق ذي المجاز ، وأخذوا على أنفسهم العهود والمواثيق ([17])، فقال الحارث بن حلزة اليشكري:

                      واذكروا حلف ذي المجاز وما           قدم فيه العهــــود و الكفــــلاء

                      حذر الجور والتعــــدي وهـــل         ينقض ما في المهارق الأهواء([18])

      واصطلح العبسيون والذبيانيون في سوق عكاظ فهدأت حرب داحس والغبراء ، فقال زهير بن أبي سلمى في ذلك:

                     فمن مبلغ الأحلاف عني رسالة          وذبيان هل أقسمتم كل مقسم

                     فلا تكتمن الله ما في نفوسكـــم           ليخفى ومهما يكتـــم الله يعلم ([19])                            

          وكذلك كان الشعراء يتعاظمون في المصائب فيروى أن الخنساء وفدت إلى عكاظ تسجل فيها رسميا أنها أعظم العرب مصيبة ، فكانت تنزل كل عام على هودج سوّمته لتلفت إليها الأنظار وجرت على هذه العادة أعواما ، فلما أصيبت هند بما أصيبت به وبلغها ذلك قالت أنا أعظم من الخنساء مصيبة ، وأمرت بهودج فسوّم براية وشهدت الموسم بعكاظ وجعلت تندب قتلاها فلما فرغت من قولها قالت : اقرنوا جملي بجمل الخنساء ، ففعلوا ، فلما إن دنت منها الخنساء قالت لها : من أنت يا أخية ؟ فقالت أنا هند بنت عتبة أعظم العرب مصيبة ...([20])وأمر هند والخنساء في عكاظ من أغرب ما يؤثر في باب التنافس واعتناء الناس بمصائبهم واهتمامهم بالتنويه بها وتخليدها في آدابهم ومحافلهم العامة .

          ولكن يظهر أن الأسواق ضعف شأنها فأصبحت البلاد المفتوحة أسواقا للعرب خيرا من سوق عكاظ ، وصار العرب يغشون المدن الكبيرة لقضاء أغراضهم ، فضعفت أسواق العرب ومنها عكاظ ؛ ومع ذلك ظلت قائمة وكان آخر العهد بها قبيل سقوط الدولة الأموية ، فعكاظ عاصرت العصر الجاهلي الذي كان فيه ما وصل إلينا من أدب وشعر ، وجرت فيها أحداث كثيرة قبل بحياة الرسول (صلى الله عليه وآله ) قبل مبعثه ومهدت السبيل قبل الإسلام لتوحيد اللغة والأدب وعملت على إزالة الفوارق بين عقليات القبائل ، وقصدها الرسول يبث فيها دعوته وقد عاصرت الإسلام ؛ولكن بدأ ضعفها من وقت الهجرة ؛ لكثرة الغزوات والحروب بين مكة والمدينة وبين المؤمنين والمشركين ، ولما فتحت الفتوح رأى العرب في فارس والشام والعراق عوضا عنها ([21])

         

         

[1]ـ  ظ : مع كتاب أسواق العرب : 50.

[2]ـ ظ : م . ن : 50 ـ 51 .

[3]ـ ظ : م . ن .

[4]ـ ظ :ديوانه:59

[5]ـ ظ : العقد الفريد : 5/ 208 .، والأزمنة والأمكنة :2 /166.

[6]ـ ظ : العقد الفريد : 3 / 108.

[7]ـ ظ : أسواق العرب نقلا عن كتاب بلوغ الأرب : 136.

[8]ـ ظ : م . ن : 135.

[9]ـ  ظ : أسواق العرب : 135.

[10]ـ ظ : ديوان الخنساء : 47.وينظر :ديوان النابغة : 14.

[11]ـ ظ : الأغاني : 8 / 79ـ 80.

[12]ـ ظ : ديوان الهذليين : 1/ 98.

[13]ـ ظ : م . ن .

[14]ـ ظ : م . ن .

[15]ـ ديوان حسان بن ثابت : 241.

[16]ـ  ظ : أسواق العرب : 150.

[17]ـ ظ قضايا الشعر الجاهلي : 78.

[18]ـ معلقته : البيت 41ـ 42

[19]ـ معلقته .

[20]ـ  ظ : الأغاني : 4 / 210.

[21]ـ ظ : الحياة الأدبية في عصر الجاهلية والإسلام :31ـ 33.  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • إزدهار | 2012-11-18

    مرحبا يا فرح

    في الواقع أنا متتبعة لكل ماتكتبين ، ولكم تعجبني جديتك في طرح المواضيع ، قرأت لك موضوع الأسواق في الجاهلية ولقد إستفت منه كثيرًا

    فشكرًا ودمت متألقة كلَّ يوم

    إزدهار

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق