]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

التطبيقات المعاصرة لبدائل العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة

بواسطة: د. أحمد لطفي السيد مرعي  |  بتاريخ: 2012-12-04 ، الوقت: 03:24:23
  • تقييم المقالة:

التطبيقات المعاصرة لبدائل العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة(*)

د. أحمد لطفي السيد مرعي

أستاذ القانون الجنائي المشارك - كلية الحقوق جامعة المنصورة

 

ظهر في الفقه الجنائي اتجاه توفيقي في شأن العقوبات السالبة للحرية، وخاصة قصيرة المدة منها , والتي تتصل بحالات الإجرام متوسط الخطورة ؛ فلا يتجاوز إلى حد المناداة بإلغائها، ولا يبقي أسيراً لها فيقبلها بحالها دون ما تعديل. فهو اتجاه يعمل على التقليل بقدر الإمكان من مساوئهذه العقوبة والتخفيف من أثارها الضارة. لذا يدعو هذا الاتجاه إلىاستعمال العديد من البدائل العقابية التي تحل محل العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدةمتىكانت ظروف الجريمة وشخصية المجرم توجب هذا. فإن رأت المحكمة أن هذا البديل لا يجدي في مواجهه حاله إجرامية معينه كان لها أن تقضي بالعقوبة السالبة للحرية رغم قصر مدتها.

  

فهذه البدائل من قبيل نظم المعاملة العقابية التفريدية المقررة تشريعياً لتكون بين يدي القاضي، إن شاء أعملها إذا استدعت ظروف الجريمة ذلك، وإن شاء قضى بالعقوبة السالبة للحرية أياً كانت مدتها.وفي الحقيقة فإن هذه البدائل متنوعة، وسوف نعطي بعض التفصيلات عن تلك الأنظمة التي تعاقبت التشريعات كافة، والغربية منها خاصة، على الأخذ بها.

  

1- إيقاف التنفيذ (تعليق تنفيذ الأحكام عليشرط) :

     يعد إيقاف التنفيذ Le sursisمن أقدم البدائل التي لجأت إليها التشريعات للتخفيف من الآثار السلبية للعقوبة السالبة للحرية. ويقصد بهذا البديل السماح للقاضي بأن يصدر حكمة بالعقوبة مع تضمين هذا الحكم أمراًبتعليق تنفيذها لمده معينة، وذلك حال توافرت ظروف معينة من حيث نوع الجريمة، وشخصية المجرم، ومدة العقوبة المحكوم بها. فإذا كان الحكم صادراًبالغرامةأمتنع أدائها, وإذا كان صادراًبعقوبة سالبة للحرية أفرج عنالمحكوم عليه وترك حراً[1]. فإذا ما أنقضت المدة الموقوف تنفيذ الحكم خلالها دون أن يلغي إيقاف التنفيذ سقط الحكم بالعقوبة وأعتبر كأن لم يكن, وإلا نفذت العقوبة الموقوف تنفيذها مع العقوبة الجديدة. فكأن إيقاف التنفيذ هو تعليق العقوبة المحكوم بها علىشرط واقف خلال مدة معينة يحددها القانون , فإذا لم يتحقق الشرط أعفىالمحكوم عليه من تنفيذها نهائيا, أما إذا تحقق الشرط ألغىإيقاف التنفيذ, ونفذت العقوبة المحكوم بها.

  

والحكمة من هذا النظام تظهر بوضوح في حالات الإجرام بالصدفة الناشئ عن ضغوط بعض الظروف الاجتماعية علىالشخص فتدفعهإلىارتكابالجريمة. فهذا النوع من الأجرام غير المتأصل في نفس من يرتكبه , يعود إلىظروف خارجة في العادة عن إرادة الجاني. ومن ثم فإن السياسة العقابية الحديثة توجب منع المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية قصيرة المدة- عن جريمة حدثت لظروف اجتماعية خارجة عن إرادة الجاني وللأسباب لا ترجع لتأصل عوامل الشر والأجرام بداخله-من مخالطة غيرة من عتاة الإجرام في السجن, فكان الأخذ بفكرة إيقاف التنفيذ.

  

وقد ظهر هذا النظام أول ما ظهر في أوربا، وبالتحديد في القانون البلجيكي عام 1888، ثم تبناه المشرع الفرنسي بالقانون الصادر في26 مارسعام 1891(قانون برنجيه Bérenger)، ومنه – تحت تأثير الانتماء لذات العائلة القانونية - انتقل إلىالتشريع المصري بدءً من قانون العقوبات الصادر في عام 1904. ويكاد لا يوجد تشريع عقابي معاصر لا يسمح بتلك الرخصة للقاضي، إفادة لصنف من المجرمين متوسطي وعديمي الخطورة الإجرامية.

  

2- الوضع تحت الاختبار (الاختبار القضائي):

     يقصد بالوضع تحت الاختبار[2]La mise   à   L’ épreuveعدم الحكم علي المتهم بعقوبة ما, مع تقرير وضعهمدة معينة تحت إشراف ورقابة جهات معينة. فإذا مرت تلك المدة ووفىالمحكوم عليه بالالتزامات المفروضة عليهفإن الحكم الصادر بالإدانة يعتبركأن لم يكن.أما إذا أخل المحكوم عليه بهذا الالتزام خلال المدة فإنه يتعين استئناف إجراءات المحاكمة والحكم علي المتهم بالعقوبة[3]. فكأن نظام الاختبار القضائي أو الوضع تحت الاختبار يتضمن إيقاف مؤقت لإجراءات المحاكمة عند حد معينوإرجاء النطق بالحكم إلي فترة لاحقة، مع إخضاع المتهم خلال تلك الفترة إلي عدد من الالتزاماتالتي يمكن أن يترتب على الإخلال بها أن تسلب حريته[4].فهو نظام يحقق الدفاع عن المجتمع عن طريق حماية نوع من المجرمين المنتقين بتجنيبهم دخول السجن وتقديم المساعدة الإيجابية لهم تحت التوجيه والإشراف والرقابة[5].

  

ولقد نشأ هذا النظام أولاًفي الدول ذات النظام الأنجلوأمريكي. فطبق في إنجلترا عام 1820 بهدف إنقاذ الأحداث الجانحين من دخول المؤسسات العقابية. وكان يجوز لقاضي الصلحJudge of Peaceأن يلزممن ارتكب جريمة ما تخل بالأمن العام أن يكتب تعهداًيلتزم فيه باحترام الأمن وأن يسلك سلوكاً حسناً مقابل إطلاق سراحه. فإن خالفذلك أمكن توقيع عقوبة عليه أو إبدالها بمبلغ من المال. ثم أستبدل بهذا التعهد فيما بعد إجراءات رقابية وإشرافية من قبل الشرطة للتحقق من سلوك المتهم, وكانتهذه هىبداية ظهور نظام الوضع تحت الاختباربمعناه الدقيق.

  

وقد أخذت بعض الولايات الأمريكية بفكرة الوضع تحت الاختبارThe Probation، منها ولاية ماساشوشتس عام 1841، إلىأن أقر القانون الفيدرالي هذا النظامبصفه عامة في عام 1925.ومن دول القانون العام إلىالدول الأوروبية أنتقل هذا النظام فأخذ بهالتشريع الألماني عام 1953 والفرنسي عام 1957.

 

ويتعلق نظام الوضع تحت الاختبار بفئة المجرمين الذين يقتضي إصلاحهم إبعادهم عنمحيط المؤسسات العقابية.أي فئة من المجرمين يعتقد من خلال ظروفهم وفحص شخصيتهم أنهم قابلين للإصلاح وعدم العودة لسبيل الجريمة دون الخضوع لعقوبة سالبة للحرية[6]. وعلى هذا فلا ينظر لنوع الجريمة المرتكبة أو لجسامة الواقعة بقدر ماينظر إلى شخصية المحكوم عليه، ومدى إمكانية تأهيله في الوسط الحر -أي خارج السجن -ومدى استعداده لتنفيذ الالتزامات المفروضة عليه، حتى يكون في مأمن من تنفيذ عقوبة سالبة للحرية عليه إذا ما أخل بتلك الالتزامات.

  

وتتنوع الالتزامات التي تفرض على الخاضع للاختبار بين تدابير مساعدة تستهدف مساندة الجهود التي يبذلها الخاضع للاختبار في سبيل تأهيله اجتماعياً. وقد تأخذ تدابير المساعدة صورة معنوية، كإلزامه بحضور جلسات دينية وعلمية معينة، وقد تأخذ صورة مادية كإعانته بمبلغ نقدي أو مدهبعمل مهني معين. وقد تكون التدابير ذات طابع رقابي تستهدف كفالة احترام الخاضع للاختبار للالتزامات المقررة وتمكينهمن الاندماج في البيئة الاجتماعية.ومثال ذلك إلزامه بالإقامة في مكان معين، أو إلزامه بتقديم مستندات معينة إلى مأمور الاختبار  Agent de probationأو إلى الشخص القائم برقابته كي يتعرف منها على موارد رزقه وعلى الأشخاص الذين يخالطونه.

  

كما قد تأخذ الالتزامات صور سلبية أخرى كالامتناع عن ارتياد بعض أماكن اللهو، والامتناع عن الاشتراك في بعض المسابقات والأنشطة الفنية والرياضية، أو الامتناع عن قيادة وسائل معينة من وسائل النقل.

  

ويجوز للقاضي (قاضي تنفيذ أو تطبيق العقوبات Juge d’exécution ou d’application des peines) أو لمأمور الاختبار أن يضيف إلىهذه الالتزامات كلما دعت الحاجة إلى ذلك، وكلما ثبت أن الالتزامات المفروضة لم تعد كافية لتحقيق تأهيل المحكوم عليه وإصلاحه أو لم تعد تتلاءم مع شخصية هذا الأخير.

  

وتجريالرقابة من قبل أشخاص يمثلون فئة من معاوني القضاء (ضباط الاختبارAgents de probation).فلقد ثبت أن الخاضع للاختبار لا يمكنه من تحقيق التأهيل لنفسه، إنما هو دائماً في حاجة إلى معاونة من قبل أخصائيين مؤهلين ومدربين علمياً ومهنياً على تقديم النصح والإرشاد للخاضع للاختبار وقادرين على إقناعه بأهمية هذا النظام في الإصلاح والتأهيل.ويجرى عمل ضباط الاختبار تحت رقابة القضاء (قاضي تنفيذ أو تطبيق العقوبات) حتى نضمن عدم المساس بحريات وحقوق الأفراد أو التعسف في تقيدها بدون مبرر أو مقتضى.

  

3- وقف التنفيذ المقترن بالوضع تحت الاختبار :

     فضلاً عن نظام وقف التنفيذ البسيط Le sursis simple، يعرف التشريع الفرنسي نظام الجمع بين إيقاف التنفيذ والوضع تحت الاختبارLe sursis avec la mise à l’épreuve(المواد من 738 إلى 747 إجراءات جنائية فرنسي). ووفقهذا النظام يجوز للقاضي أن يحكم بالعقوبة الجنائية مع إيقاف تنفيذها مدة معينة في خلالها يخضع الموقوف تنفيذ العقوبة قبلهلعدد من القيود والالتزامات[7].

  

والواقع أن هذا الجمع أريد به تفادي ما قيل في شأن نظام إيقاف التنفيذ البسيط من كونه يقتصر على القيام بدور سلبي محض، هو مجرد التهديد بتنفيذ العقوبة في المحكوم عليه إذا صدر عنه ما يجعله غير جديربإيقافها، دون أن يخضع الموقوفة ضده العقوبة لنوع من تدابير المساعدة أو الرقابة. فالمحكوم عليه في حالة إيقاف التنفيذ العادييترك وشأنه دون إعانته ومساعدته على مقاومة العوامل الإجرامية الكامنة داخله أو المحيطة به.

  

وترجع بدايات هذا النظام إلى عام 1952 عندما قدمت الحكومة الفرنسية مشروع قانون يهدف إلى الأخذ بنظام الوضع تحت الاختبار مقترناً بإيقاف التنفيذ. وقد تم إقرار هذا القانون من قبل الجمعيةالوطنيةعام 1957 وتم إدماجه في قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي في المواد 738 وما بعدها، والتي أعيد الأخذ بها في قانون العقوبات الفرنسي الجديد في 22 يوليو 1992 (المواد132–40 إلى 132–53) بعد إجراء بعض التعديلات الطفيفة[8].

  

ويختلف نظام الجمع بين وقف التنفيذ مع الوضع تحت الاختبار الفرنسي عن نظام الوضع تحت الاختبار العادي المعروف خصوصاً في النظام الأنجلوأمريكي.ففينظام الجمع الفرنسي يفترضأن يقرر القاضي الإدانة والعقوبة مع إيقاف تنفيذها وإخضاع المحكوم عليه لعدد من القيود والالتزامات خلال مدة إيقاف العقوبة.أما في نظام الوضع تحت الاختبار الأمريكي فيقتصر دور القاضي على تقرير الإدانة فقط تاركاً الحكم بالعقوبة في مرحلة تالية عند إخلال المحكوم عليه بالالتزامات المفروضة عليه خلال مدة الوضع تحت الاختبار[9].

  

4- الإعفاء من العقوبة وتأجيل النطق بها :

     جاهدت بعض التشريعات للحد من مثالب العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة بإتباع بعض وسائل المعاملة العقابية التي تتمثل في العفو عن العقوبة أو في تأجيل النطق بها  La dispense de peine et de l’ajournement. وإلى هذين النظامين ذهب المشرع الفرنسي في قانون العقوبات الفرنسي الجديد.فقد أجازت المادة 132–59 لمحكمة الجنح أن تعفي المتهم من العقوبات إذا تبين أن تأهيل المتهم قد تحقق، وأن الضررالناتج عن الجريمة قد عوض، وأن الاضطراب الذي أحدثته الجريمة قد توقف.كما أجاز المشرع الفرنسي تأجيل النطق بالعقوبة، ولهذا التأجيل صور ثلاث :

 *- فإما أن يكون هذا التأجيل بسيطاً Ajournement simpleإذا ظهر أن المتهم في سبيله إلى التأهيل وأن الضررالناجم عن الجريمة في سبيله للإصلاح وأن الاضطراب الذي أحدثهالجريمة على وشك التوقف. ويشترط في جميع الأحوال حضور الشخص بنفسه أمام المحكمة أو ممثلهإذا كان شخصاً معنوياً (م 132–60).

 *- كما قد يكون التأجيل مع الوضع تحت الاختبار Ajournement avec mise à l’épreuve. فيجوز للمحكمة في مواجهة المتهم الحاضر للجلسة أن تؤجل النطق بالعقوبة تجاهه مع إخضاعه لعدة من القيود والالتزامات وفقاً لما هو معمول به في نظام الوضع تحت الاختبار (المواد 132–43 إلى 132–46 من قانون العقوبات).وتكون مدة الوضع تحت الاختبار سنة على الأكثر. ويجوز للمحكمة أثناء تلك المدة أن تعفي المتهم من العقوبة نهائياً أو أن تنطق بها أو تؤجل النطق بها لمدة أخرى. على أنه يجب الفصل في أمر العقوبة خلال سنة من أول تأجيل.

 *- وأخيراً هناك نظام التأجيل مع الأمر .Ajournement avec injonctionويتعلق هذا النظام بالأحوال التي توجد فيها قوانين ولوائح خاصة تفرض عقوبات معينة نتيجة الإخلال بالتزام معين.في تلك الحالة يجوز للقاضي الجنائي أن يؤجل النطق بالعقوبة المفروضة في تلك القوانين واللوائح مع إلزام المحكوم عليه بتنفيذ الالتزام الوارد في القانون أوفياللائحة.وهذا يفرض على المحكمة أن تحدد في الأمر طبيعة الالتزامات والتعليمات التي يجب الامتثال لها والقيام بتنفيذها، وكذلك يفرض عليها أن تحدد ميعاد للتنفيذ يختلف عن ميعاد التأجيل (م132–66).ولا يصدرالحكم بالتأجيل مع الأمر إلا في الجنح والمخالفات دون الجنايات، ولا يشترط فيه حضور المتهم أو ممثل الشخص المعنوي. ويجوز للمحكمة أن تصدر التأجيل مع الأمر مقروناً بغرامة تهديدية إذا كان القانون أو اللائحة الذي تمت مخالفته يقرر ذلك. ويمتنع تنفيذ هذه الغرامة إذا نفذ المحكوم عليه الالتزامات المقررة في القانون أو في اللائحة (م 132–67). وكبقية أنواع التأجيل فإن التأجيل مع الأمر يتقرر لمدة سنة على الأكثر. غير أن هذه المدة - على خلاف الأنواع الأخرى من التأجيل -لا تمتد إذا تم تحديدها من قبل المحكمة (م132–68). فإذا تم تنفيذ التعليمات الواردة بالأمر في الميعاد المحدد فإن للمحكمة الحقفي أن تعفي المتهم من العقوبة المقررة في القانون أو اللائحة أو تؤجل مرة ثانية النطق بها. أما إذا حدث تأخير في التنفيذ فإن للمحكمة أن تعفي من الغرامة التهديدية مع تطبيق العقوبات الواردة بالقانون أو اللائحة. فإذا لم يتم التنفيذ نهائياً فإن للمحكمة أن تعفي من الغرامة التهديدية إذا كان لذلك محل وتقضي بالعقوبات المقررة، ولها أن تأمر بمتابعة التنفيذ على نفقة المحكوم عليه (م 132–68).

  

5- نظام شبه الحرية  :

     يقصد بنظام شبه الحرية Régime de semi-libertéإلحاق المحكوم عليه بعقوبة قصيرة المدة بعمل خارج المؤسسة العقابية دون إخضاعه لرقابة جهة الإدارة، مع إلزامه بالعودة إلى المؤسسة العقابية كل مساء وقضاءه فترة العطلات فيها، كل ذلك طيلة مدة العقوبة[10].وعادة ما يكون هذا النظام أسلوباً تدريجياً يلجأ إليه بشأن المحكوم عليهم الذين قرب موعد الإفراج عنهم، أو من أجل تمكين المحكوم عليهم من متابعة دراسة معينة أو مهنة معينة، أو الخضوع لعلاج معين أو المشاركة في حياته الأسرية (م 132–26 عقوبات فرنسي) . وبهذا النظام أخذ المشرع الفرنسي[11]، إذ أجاز تطبيق نظام شبة الحرية على المحكوم عليهم الذين بقي على إتمام عقوبتهم مدة لا تزبد على سنة (م132–25).ويخضع المحكوم عليه في هذا النظام لذات الأوضاع التي يعمل فيها أي عامل حر غير محكوم عليه.وبالتالي فهو يخضع لعقد عمل حقيقي ولمظلة التأمين الاجتماعي. غير أن الخاضع لهذا النظام لا يتقاضى أجره من رب العمل مباشرة، وإنما يتقاضاه من مدير السجن.على أن يستقطع من هذا الأجر مبلغاً يخصص للمحكوم عليه بعد انتهاء فترة شبهالحرية، ويخصص لتعويض المضرورمن الجريمة (المدعي بالحق المدني) فيما لا يجاوز نسبة 10%.

  

وبالإضافة إلى التزام الخاضع لنظام شبة الحرية بالعودة إلى المؤسسة العقابية عقب انتهاء فترة العمل بالخارج ؛ فإن هناك عدد آخر من الالتزامات قد تفرض عليه من قبل قاضي تطبيق العقوبات، لا تخرج في مجموعها عن الالتزامات التي سبق وأن أشرنا لها عند الحديث عن نظام وقف التنفيذمع الوضع تحت الاختبار، باستثناء ما يتفق مع طبيعة هذا النظام. ومثال ذلك إلزام المحكوم عليه بمراعاة ساعات الخروج والعودة التي يقررها القاضي ومراعاة الضوابط المحددة بمعرفة وزارة العدل بشأن حسن الهيئة والهندام والمسلك الشخصي والانتظام في العمل وعدم التخلف عنه بدون عذر.

  

ومما لا شك فيه أن نظام شبة الحرية يضمن تحقيق العديد من المزايا بالنسبة للمحكوم عليه.فهذا النظام يجنب المحكوم عليه الاختلاط بالسجناء نظراً لتغيبه طيلة فترة النهار، وبالتالي فإنه يتجنب عدوى الجريمة ممن هم أشد منه خطورة.كما أن النظام يضمن للمحكوم عليه عدم الانفصام عن بيئته الطبيعية ؛ فهو يضمن له الاستمرار في الدراسة ومتابعة أسرته ومتابعة نشاطه المهني.وعلىالرغم من تلك المزايا فإن تطبيقه يواجه العديد من الصعوبات، حيث من المتعذر غالباً أن يجد المستفيد من نظام شبه الحرية عملاً مناسباً نظراً لفقد الثقة القائمة بشأنه من قبل أرباب الأعمال.فضلاً عن أن اتصال المحكوم عليه بالعالم الخارجي واختلاطه ليلاً بعد العودة من العمل بأقرانه في المؤسسة العقابية سيساعد على دخول الأشياء الممنوعة داخل السجن، ولا يمكن مواجهة ذلك إلا بفصل المستفيدين من نظام شبة الحرية عن بقية النزلاء داخل المؤسسة العقابية.

  

وتفادياً لتلك الصعوبات كانت بعض الدول قد طورت نظام شبة الحرية، آخذةًما يعرف بنظام "حبس نهاية الأسبوع"Arrêt de fine de semaine، وبهذا أخذ المشرع البلجيكي طبقاً للمنشور الصادر عن وزارة العدل بتاريخ 15 فبراير 1963. ويتمثل هذا النظام في إيداع المحكوم عليه السجن بعد ظهر يوم السبت وحتى السادسة من صباح الاثنين، على ألا يزيد حبس نهاية الأسبوع على ثلاثين مرة، وعلى أن تحسب كل مرة بيومين حبس. بمعنى آخر فإن العقوبة يجري تنفيذها على أجزاء، كل أسبوع ينفذ المحكوم عليه يومين من أيام الحبس مضافا إليها أيام العطلات ويستمر هذا النظام إلى حين انقضاء العقوبةكاملةً.

  

6- العمل للصالح العام:

     من أجل تدارك عيوب العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة، أخذ المشرع الفرنسي - في قانون العقوبات الفرنسي الجديد - بنظام العمل للصالح العام Le travail d’intérêt général  (م131–8 عقوبات). ويتقرر هذا النظام بشأن المتهمين المحكوم عليهمفي مواد الجنح بعقوبة الحبس أياً كانت مدته. وكذلك يستفيد من هذا النظام المتهمين الذين صدرت ضدهم أحكاماً بالإدانة خلال الخمس سنوات السابقة على الجريمة. بمعنى أن المشرع لا يأخذ في اعتباره الماضي الإجرامي للمتهم  Le passé pénal du prévenu، مما يعطي مساحة تقديرية أكبر للقاضي، الذي يمكن له بالتالي أن يقرر نظام العمل للصالح العام في حالات لا يمكن الأخذ فيها بنظام إيقاف التنفيذ.

  

ويطبق هذا النظام على البالغين وعلى الأحداث البالغ عمرهم ست عشر سنة فأكثر.وكذلك جعل المشرع الفرنسي مدة العمل واحد في شأن البالغين وفي شأن الأحداث بحيث تصل لكلاهما إلى 240 ساعة عمل كحد أقصى.ولا يتقرر العمل للصالح العام إلا إذا كان المتهم حاضراً بالجلسة وقبله حين عرض عليه من جانب رئيس المحكمة. وفي حالة قبول المتهم لهذا البديل عن الحبس تحدد المحكمة المدة التي يتعين أداء العمل خلالها، بما لا يجاوز ثمانية عشر شهراً، كما تحدد مدة ساعات العمل المحكوم بها، وهي تتراوح بين 24 ساعة و 240 ساعة سواء بالنسبة للبالغين والأحداث. وهذا العمل لا يتقرر مع الحبس إذ أنه بديل عنه. كما أنه يتقرر دون مقابل Travail non Rémunéréلما للعمل للصالح العام من معنىالجزاء الجنائي.

  

ويجرى تنفيذ العملللصالح العام تحت إشراف قاضي تنفيذالعقوبات الذي يقع في دائرته محل إقامة المحكوم عليه. ويتقيد العمل للصالح العام بكافة القيود التشريعية واللائحية المنصوص عليها بشأن العمل عموماً، كتلك المتعلقة بأوقات العمل وجوانب الأمن الصناعي وعمل النساء والعمل الليلي ...الخ (م 131–23 عقوباتفرنسي).ويستفيد المحكوم عليه أثناء القيام بالعمل للصالح العام من كافة أحكام قانون الضمان الاجتماعي فيما يتعلق بحوادث العمل والأمراض المهنية. وإذا ما سبب العمل للصالح العام ضرراً للغير فإن الدولة تحل بقوة القانون في حقوق المجني عليه أو المضرور، ولها أن تقيم دعوى المسئولية ودعوى الرجوع قبل المحكوم عليه (م 131–24).ويجرى تحديد الأعمال التي يمكن القيام بها للصالح العام عن طريق مشاورات بين التجمعات العامة والأهلية وقاضي تطبيقالعقوباتوأعضاء المجلس الإقليمي للوقاية من الإجرام Le conseil départemental du prévention de la délinquance. وعادة ما تتصل هذه الأعمال بتحسين البيئة الطبيعية، كإعادة غرس الغابات وإصلاح وترميم الآثار التاريخية وإنارة الطرق ونظافة الشواطئ وأعمال التضامن ومساعدة المرضى والمعاقين.

  

ويمكن إخضاع المحكوم عليه بالعمل للصالح العام لعدد من تدابير الرقابة والمساعدة التي سلف وأشرنا إليها في معرضحديثنا عن نظام إيقاف التنفيذ مع الوضع تحت الاختبار.

  

وإذا ما تم تنفيذ العمل المحدد للمحكوم عليه ؛ فإن جهة العمل، أي الجهة التي تم العمل لصالحها تخطر قاضي تنفيذالعقوباتأو مأمور الاختبار بهذا وتسلم المحكوم عليه شهادة تفيد تنفيذ العمل. أما إذا أخل المحكوم عليه بالعمل الموكول إليه تنفيذه، أو أخل بأحد الالتزامات المصاحبة للعمل أمكن عقابهعن جنحة عدم مراعاة الالتزامات الناشئة عن العمل للصالح العام المنصوص عليها بالمادة 434–42 عقوبات، والتي يتقرر لها عقوبة الحبس سنتان وغرامة مائتي ألف فرنك.

  

8- نظام تقسيط العقوبات:

     أخذ المشرع الفرنسي بنظام تقسيط العقوبات Fractionnement des peines في قانون العقوبات الجديد في المادة 132–27 التي تقرر أنه "يجوز للمحكمة في مواد الجنح وللأسباب جدية طبية أو عائلية أو مهنية أو اجتماعية، أن ينفذ الحبس المحكوم به لمدة سنة على الأكثر بالتقسيط، خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات ولا تقل مدة كل تقسيط عن يومين".ويظهر من هذه المادة أن نظام تقسيط العقوبات لا يسري إلا بشأن الجنح دون الجنايات ويصدر القرار به من المحكمة المختصة وليس من قاضي تطبيقالعقوبات. ونلحظ أن هذا النظام يقتربفي مجموعه من النظام البلجيكي المعروف باسم "حبس نهاية الأسبوع"سالف الإشارة إليه.

  

8- الوضع تحت المراقبة الالكترونية :

     أصدر المشرع الفرنسي قانون في 19 ديسمبر 1997 من أجل استحداث المواد 723/7 إلى 723/12 في قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي بغية ابتداع بديل آخر من بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة، ألا وهو نظام الوضع تحت المراقبة الالكترونية Le placement sous surveillance électronique، وذلك بعد نجاح تجربته في دول أخرى، كالولايات المتحدة، والسويد، وبريطانيا، وهولندا، وكندا. ويقوم هذا النظام على ترك المحكوم عليه بعقوبة سالبة قصيرة المدة طليقاً في الوسط الحر مع إخضاعه لعدد من الالتزامات ومراقبته في تنفيذها الكترونياً عن بعد. وقد بدأت تجربة هذا النظام في عام 2000 في أربع مؤسسات عقابية، ثم في تسع في أول أكتوبر 2002، واستفاد منه 393 محكوم عليه. ثم أصدر المشرع قانون توجيه وتنظيم العدالة loi d’orientation de programmation pour la justiceفي 9 سبتمبر 2002 بهدف تعميم هذا النظام تدريجياً على ثلاث سنوات بحيث يستفيد منه 400 محكوم عليه في البداية ويضاف مئة مستفيد كل شهر للوصول لثلاثة آلاف محكوم عيه نهاية عام 2006[12].

  

ويشترط للاستفادة من هذا النظام ألا تكون مدة العقوبة المطلوب تنفيذها أو المتبقية أكثر من عام، ويجري تطبيقه بعد موافقة المحكوم عليه بناء على أمر من قاضي التنفيذ أو بناء على طلب النائب العام أو طلب من المحكوم عليه ذاته (م. 723-9). والخاضع لهذا النظام يلزم بعدم التغيب عن محل إقامته أو أي مكان آخر يحدده القرار الصادر من قاضي التنفيذ خلال ساعات معينه من اليوم، بما يتفق مع الوضع الأسري والمهني للمحكوم عليه. ويراقب تنفيذ تلك الالتزامات الكترونياً عن طريق ارتداء المحكوم عليه أسورة الكترونية Bracelet-ématteur  في كاحله تقوم بإرسال إشارة مداها 50 متراً كل 30 ثانية. وتستقبل تلك الإشارات على جهاز Récepteurمثبت في مكان يحدده قاضي تطبيق العقوبات ويتصل بمركز المتابعة الموجود في المؤسسة العقابية عن طريق خط تليفون. كما قد يجرى التحقق من احترام الالتزامات المفروضة عن طريق زيارات تجريها الإدارة العقابية للمحكوم عليه (م. 723-9). وإذا حدث وعطل المحكوم عليه أجهزة المراقبة الإلكترونية فإنه يعد مرتكباً للجريمة المنصوص عليه في المادة 349-29، ويكون ذلك سبباً لإلغاء قرار الوضع تحت المراقبة الالكترونية.

  

وفي ختام استعراضنا لتلك البدائل، نهيب من جانبنا بالمنظم السعودي أن يسارع في الأخذ بهذه البدائل كي يتجنب مساوئ العقوباتالسالبة للحرية، وبالأخص قصيرة المدة منها، والتي انتشرت في كافة النظم القضائية مع تفشي ظاهرة "تسعير العقاب" Système de tarification de la punition، أي إصدار القضاء أحكام متماثلة في الجرائم المتماثلة دون اعتبار لشخصية المحكوم وظروفه، وكذلك ما يسمى "عقدة الحد الأدنى"، أي ميل القضاة إلى إصدار أحكام تقترب من الحد الأدنى للعقوبة[13].

  

وفي رأينا يجب أن يتواكب الأخذ ببديل أو أكثر من تلك البدائل مع انطلاق سياسة تشريعية نحو الحد من العقابالجنائيDépénalisation، وبحيث يستعاض عن الطريق الجنائي بنمط عقابي ذو طبيعة مدنية أو إدارية، مثلما أخذت به بعض الدول، كألمانيا وإيطاليا، واللذين تبنيا ما يعرف بفكرة قانون العقوبات الإداري Droitpénaladministratif. ويمكن اعتماد تلك السياسة في الحالات التعزيرية التي لا تثبت فيها النزعة الإجرامية المتأصلة في نفس الجاني، كما هو الشأن بصدد الجرائم الاقتصادية والتجارية، ومنها على الأخص جرائم الشيك. ويمكن أن يضاف إلى ذلك أيضاً جرائم البيئة، وجرائم المباني، وجرائم المرور...الخ.

  

[1]J. Pradel, Droit pénal, T. I, Introduction, Droit pénal général, Cujas, 1973, p. 556 et s.

 [2]حول الموضوع بصفة عامة د. أحمد فتحي سرور، الاختبار القضائي، ط2، دار النهضة العربية، 1969، ولذات المؤلف، نظام الاختبار القضائي في نظرية القانون وفى التشريع المصري، تقرير مقدم إلى الحلقة الثانية لمكافحة الجريمة، ص260، د. محمد المنجي، الاختبار القضائي، ط1، منشأة المعارف، 1982.

 [3]H. Poupet, La probation des délinquants adultes en France, Cujas, 1955 ; E. N. Martine, La mise à l’épreuve des délinquants et les principes traditionnels du droit pénal, RSC. 1961, p. 240 ; G. Marc, La mise à l’épreuve et observation, RSC. 1970, p. 733.

 [4]د. حسن علام، تطبيق نظام الاختبار القضائي على البالغين، تقرير مقدم إلى الحلقة الثانية لمكافحة الجريمة، ص231.

 [5]د. أحمد فتحي سرور، المرجع السابق، ص70.

 [6]د. محمد المنجي، المرجع السابق، ص6.

 [7]J. D. Bredin, Deux institutions nouvelles du Code de procédure pénale : le juge de l’application des peines et le sursis avec la mise à l’épreuve, JCP. 1959, I, 1517 ; J. Pradel, op. cit., p. 562 et s.

 [8]Cf.  Circulaire du 14 mai 1993, Commentaire des dispositions de la partie législative du nouveau Code pénal, Livre I à V, D. 1993-1994, 2051 ; R. Merle et A. Vitu, op. cit., p. 948 et s ; B. Bouloc, op. cit., p. 212 et s.

 [9] P. Cornil, Sursis et probation, RSC. 1965, p. 51.

 [10]J. Pradel, op. cit., p. 571 et s.

 [11]F. Casorlat, L’exécution de la peine en droit français, Rapport présenté au Colloque sur La phase exécutoire du procès pénal en droit comparé, Syracuse, du 28 septembre au 3 octobre, 1988, p. 14.

 [12]راجع الموقع الالكتروني لوزارة العدل الفرنسية:

 http//:www.justice.gouv.fr.

 [13]في ذات المعنى، د. يسر أنور علي ود. آمال  عبد الرحيم عثمان، أصول علمي الإجرام والعقاب، ج1، علم العقاب، دار النهضة العربية، 1993، ص363، د. أحمد لطفي السيد مرعي، أصول الحق في العقاب، الدعائم الفلسفية – صور رد الفعل العقابي - كيفية الاقتضاء، ط2، 2006، ص130. 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق