]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الفتنة الرئاسية وخطيئة التأسيسية

بواسطة: د. أحمد لطفي السيد مرعي  |  بتاريخ: 2012-12-04 ، الوقت: 02:54:08
  • تقييم المقالة:

الفتنة الرئاسية وخطيئة التأسيسية

 

لا يختلف الإعلان المنحرف دستورياً وقانونياً الذي أخرجه الرئيس مرسي يوم الخميس 22 نوفمبر 2012 عن ذلك العِجل الذي أخرجه السامري لنفر من قوم سيدنا موسى، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام (سورة طه: 83-88)، فكلاهما كان إلباساً للباطل ثوب الحق؛ فلا العجل المصطنع يستحيل إلى إله بأي حال، ولو أصبح عجلاً جسداً له خوار يعكف عليه العابدون، ولا الإعلان المنحرف يستحيل دستورياً ولو أصدره رئيس حَسُنَ قصده وهلل له المهللون. وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جنبنا فتنة الأوثان، فندعوه جل شأنه أن يجنبنا أن نكون من أنصار الفتنة الرئاسية.

  

وحتى لا يسئ البعض الظن فيحسبني فلولياً كارهاً للرئيس وجماعته، فأود أن أكشف عن أني كنت ممن انتخب الرئيس مرسي في الجولة الثانية، بكامل محبتي وإرادتي وبدون أن أعصر على نفسي ليموناً على الإطلاق، كما وأني لم أدعم أي من مرشحي التيار المدني في الجولة الأولى (وكان يشرفني)، حيث منحت المرشح عبد المنعم أبو الفتوح صوتي باعتباره في رأي يمثل جسراً بين التيارين الإسلامي والمدني (وكلاهما بلا شك إسلامي، مع اختلاف في لغة الخطاب وكثافة المحتوى). وبعد هذه التطمينات دعونا نعود إلى الفتنة.

  

لاشك عندي أن الرئيس بإعلانه المنحرف – وبصرف النظر عن الاعتبارات العملية التي قادته إلى ذلك الفعل - قد أحدث فتنه قاصمة لوحدة وطن أصبحت ميادينه تناطح بعضها البعض، وتتباهى بالعدد، أدت – مع أسباب أخرى - إلى إحياء مشاهد مؤلمة كنا نظن أنها لن تعود بعد انتخاب أول رئيس خرج من رحم الثورة.

  

ووصم هذا الإعلان بالفتنة لا يحتاج عندي إلى برهان كونه قد صدر على غير سند يخول الرئيس سلطة تأسيسية أو مؤسِسة. وهنا قد يقول قائل بأي منطق تحظر على الرئيس سلطة إصدار إعلان دستوري في حين أنه بالفعل كان قد أصدر إعلاناً دستورياً - لاقى قبولاً شعبياً - في 12 أغسطس 2012 تضمن إلغاء الإعلان الدستوري المكمل (المكبل كما سمي حينها) الصادر في 17 يونيو 2012؟ والإجابة بسيطة سيدي، فقط اقرأ ما ورد في الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي عقب انتخابه والذي به ألغى الإعلان المكمل حين قال في المادة الثانية منه "يستبدل بنص المادة 25 فقرة 2 من الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011 النص الآتي: "ويباشر فور توليه مهام منصبه كامل الاختصاصات المنصوص عليها بالمادة 56 من هذا الإعلان". يفهم من ذلك التعديل أن انتقالاً قد تم من الشرعية الثورية التي كانت سند حكم المجلس العسكري في إصداره للإعلانات الدستورية إلى الشرعية الدستورية والقانونية للرئيس المنتخب المقيدة اختصاصاته الدستورية بالمنصوص عليه في المادة 56 من إعلان 30 يونيو 2011، والتي لا تتضمن بلا جدال منحه السلطة التأسيسية، وهذا معناه أنه قد تجمد الاختصاص الدستوري للرئيس منذ تلك اللحظة وإلى حين الموافقة على مشروع الدستور الجديد بطريق الاستفتاء، ولهذا الأخير بطبيعة الحال أن يجري تعديلاً في الاختصاص الرئاسي. ولم يعد مقبولاً التنقل بين الشرعية الدستورية والشرعية الثورية - على حد تعبير الفقيه المستشار طارق البشري - كستار لشرعنة ودسترة قرارات الرئيس، إذ في ذلك تجاوز للميراث الدستوري الذي آل إليه من المجلس العسكري بموجب الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011.

  

ستجاريني في هذا التحليل وتقول لي طيب على فرض إنه إعلان غير دستوري وفتنة - وهو كذلك بحق، من غير التعلل بكونه مؤقت (وهذه أيضاً خدعة)، أو القول بأنه قد قصد به تحصين أعمال السيادة (وهذه حجة بلهاء، كي لا أقول غبية)،  أو أن سوء الصياغة هي التي أحدثت لبساً (وهذا افك مبين) - طب انته مش عاوز حق الشهداء؟ مش عاوز إقالة النائب العام؟ مش عاوز انهاء الفترة الانتقالية وعدم إطالتها؟ حد يخاف من الرئيس مرسي، الراجل الطيب الذي يشهد الجميع بإيمانه كونه ممن يعتاد المساجد؟ عاوز وأَشهد يا سيدي ... ولكن هذا التدثر من الرئيس بعباءة مكيافيلية نفعية تقوم على فكرة أن ما هو مفيد فهو ضروري ومن ثم فهو قانوني، لا يعدو إلا أن يكون تلبيس من الرئيس وإخوانه (وأغلبهم من الأطباء والمهندسين والصيادلة المحترمين الذين تربت عقولهم على الماديات والمحسوسات، وتضعف في أذهانهم التصورات عن المُثل والقيم المعنوية التي يكرسها القانون).

  

ولعل ما يحزنني هنا هو اتخاذ حجة البحث عن حق الشهداء والمصابين ستاراً للضرب بأسس الدولة القانونية، وعمادها استقلال القضاء، على نحو ما أراد أن يصوره لنا الإعلان من خلال ابتداع فكرة إعادة التحقيقات، على نحو ما قررته المادة الأولى من الإعلان، والمادة الأولى من قانون حماية الثورة، واختلاق فكرة إعادة المحاكمات حال ظهور أدلة جديدة، وفقاً للمادة الأولى من الإعلان والثانية من قانون حماية الثورة، ولو كان المتهم قد حصل على حكم بات بالبراءة حائزاً لقوة الأمر المقضي به.

  

وظني أن تضمين الإعلان المنحرف فكرة اعادة التحقيقات والمحاكمات كان من بين أهدافه ضمان حشد شعبوي مؤيد  للإعلان في مواجهة غضبة كانت متوقعة للقضاة تجاه ما تضمنه الإعلان من عدوان عليهم عبر تحصين القوانين والقرارات الصادرة عن رئيس الدولة من رقابة منصتهم، ووقف نظر الدعاوى المطروحة أمام محاكمهم بشأن الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى، وكل ذلك هدف رئيس وسقطة رئاسية غير مسبوقة، لا تبررها أبداً هواجس المؤامرة المزعومة التي قيل أنها تحاك من قبل بعض القضاة ضد الرئاسة أو مؤسسات الدولة أو الجمعية التأسيسية، والتي لم تقدم الرئاسة عنها دليلاً واحداً، ناهيك عن أنها لم تقدم دليلاً يؤكد مزاعم فساد النائب العام بإخفائه واتلافه للأدلة في قضايا قتل وإصابة الثوار.

  

ومما يؤسف له أن فكرة إعادة التحقيقات والمحاكمات تلك لن ينجح الإعلان رغم انحرافه نحوها في تحقيقها، إذ إنه لو جرت موافقة المواطنين المدعوين للاستفتاء على مشروع الدستور الجديد فلسوف تسقط كافة الإعلانات الدستورية بما فيها الإعلان الدستوري الفتنة، وعندها لن يكون هناك سند دستوري يكرس إعادة محاكمة من حصل من المتهمين على براءة بحكم بات في جرائم قتل وإصابة الثوار وغيرها من الجرائم الواردة في المادة الأولى من قانون حماية الثورة، إذ لا يتضمن مشروع الدستور نصاً يسمح بإعادة محاكمة الشخص عن الجرم ذاته مرتين، ولو مع ظهور أدلة جديدة على نحو ما سمحت به المادة الأولى من الإعلان الفتنة. قد يقول قائل أن نص المادة ٢٢٢ من مشروع الدستور الواردة بين طيات الباب الخامس الخاص بالأحكام الختامية والانتقالية تنص على أن: "كلماقررتهالقوانينواللوائحمنأحكامقبلصدور الدستوريبقى صحيحاونافذاً..."، وهو ما يعني بقاء قانون حماية الثورة قائماً. والحقيقة أن هذا القول يتغافل ما ورد في عجز المادة نفسها حين قالت "... ولا يجوز تعديلها ولاالغاؤها (أي القوانين واللوائح السابقة) إلا وفقاً للقواعد والاجراءات المقررة في الدستور". فهذه الفقرة لا تمنع إذاً الطعن بعدم الدستورية على قانون حماية الثورة إما بموجب دفع من قبل أي من المتهمين الذين ستعاد محاكمتهم، أو بناءً على تصدي محكمة الموضوع من تلقاء نفسها لإشكالية دستوريته، وهو سبيل لتعطيل نفاذ النصوص القانونية سمح به مشروع الدستور في المادة ١٧٥ منه. ومن المؤكد أنه حال طرح هذا القانون على المحكمة الدستورية فسوف يلغى قولاً واحداً، كونه يتعارض مع فكرة حجية الحكم الجنائي البات كسبب من أسباب انقضاء الدعوى الجنائية، وهي فكرة نقول عنها أهل القانون أنها تعلو على النظام العام، وسلم لي على حق الشهداء والمصابين.

 

ولو صدق واضع هذا الإعلان - ولا ندري على نحو دقيق من وضعه؛ فالكل منه يتنصل – في رغبته تجاه حق الشهداء والمصابين لكان الواجب مد إعادة التحقيقات والمحاكمات إلى القضايا الخاصة بمن سقطوا شهداءً ومصابين في أحداث ماسبيرو (4 أكتوبر 2011)، ومحمد محمود الأولى (19-25 نوفمبر 2011)، ومجلس الوزراء (16-23 ديسمبر 2011)، وهي التي تخرج عن نطاق الإعلان وقانون حماية الثورة، إذ أن نص المادة الأولى والثانية من هذا القانون الأخير يقصر إعادة التحقيقات والمحاكمات على الجرائم "المرتكبة بواسطة كل من تولى منصباً سياسياً وتنفيذياً في ظل النظام السابق"، وهو ما يفهم معه أن لا إعادة لتحقيقات أو محاكمات إذا ثبت أن الجرائم في تلك الأحداث قد ارتكبت بواسطة من شغلوا منصباً سياسياً أو تنفيذياً في فترة لاحقة على تنحي مبارك؟ يعني نقول إيه لسميرة إبراهيم (فتاة كشف العذرية) لو ظهرت في قضيتها أدلة جديدة؟ عموماً لا تقلق سميرة فحقها وحق باقي الثوار – وفق تحليلي - ضائع ضائع فور صدور الدستور الجديد، ولا فيه إعادة تحقيقات ولا محاكمات ولا يحزنون.

  

والمضحك داخل هذا المشهد العبثي أن يطل علينا الرئيس في حواره التلفزيوني مساء 30 نوفمبر 2012 ليتكلم عن من قتل جنودنا على الحدود ويقول أننا نبحث عنهم (بالقانون وليس بإجراءات استثنائية). عجباً يا ريس، أتبحث عن قتلة الثوار بإجراءات استثنائية ... ثم تبحث عن قتلة جنود الحدود بالقانون. حقاً أنت رئيس قلبك طيب وفقط.

  

نأتي الآن إلى خطيئة الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد للبلاد، وبغض النظر عن العوار القانوني الذي قد يدعيه البعض في تشكيل هذه الجمعية، وبعيداً أيضاً عن رأي كل منا في المنتج النهائي الذي أنجزته الجمعية، فقد اختتمت الجمعية عملها على حال لن ينساه لها التاريخ، حال يصادم الأخلاق، ويعظم من شكوك التبعية التي تحيط بعملها.

  

لقد شاهدنا جميعاً هذه الهرولة العجيبة في إنهاء أعمال الجمعية، رغم أن الإعلان المنحرف في مادته الرابعة قد مد عمل الجمعية إلى موعد غايته ثمانية أشهر من تاريخ تشكيلها، بدلاً من الموعد الأصلي (ستة أشهر) الوارد في المادة 60 من الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011، ورغم أن البعض كان قد تشدق عند إصدار هذا الإعلان بأنه جاء ليمد عمل الجمعية من أجل الوصول إلى توافق وطني بعد انسحاب عدد من أعضاءها. هل أرادت الجمعية أن تنزع فتيل الأزمة وتجد مخرجاً للرئيس بالدفع إليه بمسودة الدستور فيخاطب الجموع بأن سقوط الإعلان قادم متى تمت الموافقة على مشروع الدستور الجديد؟ جائز جداً، وليس عندي بحق من تفسير لهذا السباق المحموم مع الزمن للانتهاء من المسودة إلا هذا السبب؛ فإذا كان الأمر كذلك، فقد كشفت الجمعية عن مولاة للرئيس والفصيل السياسي الذي ينتمي له على حساب بقية القوى المجتمعية؛ فضلاً عن أنها قد أساءت لمنتجها، وقد يكون جيداً، إذ بتعجلها في الإنهاء على نحو أضحك كل من شاهده قد مكنت الرئيس وجماعته من أن يضعونا مرة أخرى أمام خيار مماثل لخيار موقعة الليمون أبان الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، إما مرسي وإما شفيق؟ أي أخلاق تلك التي تدفع الجمعية لأن تساهم في وضع الشعب المصري في هذا المأزق؟ أي أخلاق تلك التي تجعل الجمعية تقبل بأني تأتي الموافقة الشعبية على إنجازها عبر لي ذراع المصريين وانتزاع موافقتهم للهروب من الخيار الأسوأ، وهو استمرار العمل بالإعلان المنحرف؟ ألا يهم الجمعية رضاء المصريين وقناعتهم بقيمة المنتج؟ أهكذا تتأتى الموافقة على دستور مصر بعد الثورة؟ قد يكون كل ذلك وهم، بيد أن الشواهد تشي باقتراف الجمعية لتلك الخطيئة.

  

إن حرية الاختيار هبة الله للإنسان، وحين لا يجد المواطن نفسه حراً أمام مشروع دستوره، وأن عقوبة رفضه هذا الأخير هي بقاء قضاء بلده مهدد في استقلاله من قبل رئيس الدولة، فإن ظلالاً من الشك حول أخلاقية عمل الجمعية – فضلاً عن الشك حول قانونيتها – يتعين طرحه، إذ لولا التسرع والعجلة غير المبررة من قبل الجمعية في إنجاز عملها ما فلح الرئيس وجماعته في إسقاط حرية الاختيار لدى المصريين. وحيث أنه قد دفع بمنتج الجمعية بين يد الرئيس؛ فالخطاب إليه يتوجه.

  

اعلم سيدي الرئيس أن التاريخ يمكن أن يغفر لك كل خطاياك تجاه شعبك، إلا أن تسلبهم حرية الاختيار في لحظة انطلاق نحو المستقبل، فارفع سكين الإعلان الغير دستوري عن رقبة المصريين قبل توجههم إلى صناديق الاستفتاء، وإنه لشرف للمصريين أن يرفضوا مشروع دستورهم أحراراً من أن يقبلوه مكرهين في موقعة ليمون أخرى.

 

                       د. أحمد لطفي السيد مرعي

 أستاذ القانون الجنائي المساعد – كلية الحقوق – جامعة المنصورة

    وكلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة الملك سعود

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق