]]>
خواطر :
ماخطرتش على بالك يوم تسأل عنى ... وعنيه مجافيها النوم يا مسهرنى...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تحديد نظرية النظم عند الجرجاني

بواسطة: Steel Princess FarahAlfadly  |  بتاريخ: 2011-08-20 ، الوقت: 22:36:29
  • تقييم المقالة:

تحديد عبد القاهر للنظم وبيان مراده منه :

النظم لغة :التأليف . نظمه ينظمه نظمـًا, ونظمه فانتظم وتنظم , ونظم اللؤلؤ  أي جمعه في السلك . ومنه نظمت الشعر , ونظم الأمر على المثل, وكل ضممت بعضه إلى بعض فقد نظمته.وفي الاصطلاح :" تأليف الكلمات و الجمل مترتبة المعاني متناسبة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل " .

 كان مصطلح النظم شائعـًا عند الأشاعرة الذين ينتمي إليهم عبد القاهر الجرجاني  , و يجعلونه مناط إعجاز القرآن . وكان الجاحظ أول من استعمله  وعلل به الإعجاز القرآني . أما الجبائي المعتزلي فقد وضع مكانه الفصاحة , وردها إلى حسن اللفظ و المعنى . وقد نفى القاضي عبد الجبار أن يكون مرجع الفصاحة إلى اللفظ أو المعنى أو الصورة البيانية , بل ردها إلى الصياغة النحوية و الأسلوب. ثم ظهر عبد القاهر مستفيدا مما ذُكر فظهرت النظرية عنده ناضجة متكاملة , فقد ورث جهود العلماء في أربعة قرون . فحذق الثقافة الإسلامية بكل أبعادها , من علوم القرآن الكريم وكل ما دارت حوله من مباحث و دراسات . و اطلع على المذاهب الدينية , فأتقن الشافعية , و برع في فلسفة المذهب الأشعري . و ورث أيضـًا المذاهب العقدية من أهل سُنة قد اتخذوا القرآن و الحديث إمام لهم , و أشاعرة حاولوا أن يوفقوا بين السُنة و العقل , و معتزلة حكموا العقل في المسائل العقيدة , و روافض وغيرهم . وكان ملمـًا بالدراسات المنطقية . فثقافة عبد القاهر لم تكن إلا صورة صادقة لعصرٍ امتزاجت فيه الثقافات المتنوعة و المختلفة من عربية و فارسية و هندية و يونانية , بسبب احتكاك الحضارات الإنسانية ببعضها.وقد كان النظم عنده مناط الإعجاز القرآني ، يقول عبد القاهر في مقدمة كتابه دلائل الإعجاز:

 

إنِّي أقولُ  مَقالاً لستُ  أُخفـيه                  ولستُ أرهَبُ خصْمـًا إنْ بَدا فيهِ

ما مِنْ سبيلٍ إلى  إثباتِ  معجزةٍ               في النَّظْـمِ إلا  بما أصبحْتُ  أبديهِ

  فما لنَظْمِ كـلامٍ أنتَ ناظمـهُ                     مَعْنـًى سوى حُكْمِ إعرابٍ تُزجِّيهِ

 

إلى أن يقول :

 

وقد عَلِمْنا بأنَّ النَّظْمَ ليسَ سِوى              حُكم منَ النَّحْـو نَمضي في تَوَخِّيهِ

لو نقَّبَ الأرضَ باغٍ غيرَ ذاكَ له              مَعنًى , وصعَّـدَ يعلـو في تَرقِّيـهِ

ما عادَ إلا بخُسْـرٍ  في تَطَلُّبـهِ               و لا رَأى غيـرَ غِـيٍّ في  تبغِّيـهِ

  فالنظم كما عرفه : ليس " إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو , وتعمل على قوانينه و أصوله , وتعرف مناهجه التي نهجت , فلا تزيغ عنها , وتحفظ الرسوم التي رسمت لك , فلا تبخل بشيء منها . وذلك أنّا لا نعلم شيئـًا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل بابٍ و فروقه" وفي مقدمته نجده يعرف النظم تعريفـًا آخر فيقول : هو " تعليق الكلم بعضها ببعضٍ , وجعل بعضها بسببٍ من بعض " .  و إن الألفاظ " لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة , ولا من حيث هي كلم مفردة .  يقول أحمد أمين على  الجرجاني : " من مميزاته أنه ربط النحو في المعاني فنفث في النحو روحـًا لم تكن معروفة من قبل , و لا جرى الناس عليه فيما بعد , وعنده أن لتركيب الكلام أو كما نسميه نحن اليوم الأسلوب شأنـًا كبيرًا في تقريب المعنى أو إبعاده , وحسن الوقع أو استهاجنه ." موقفه من قضية اللفظ و المعنى و رده على أنصارهما : وصلت قضية اللفظ و المعنى إلى عبد القاهر بصورة لم ترضِه . فأخذ على عاتقه تصحيح المفاهيم المضطربة ,فـقرر أن "الألفـاظ لا تتفاضـل من حيث هي ألفـاظ مجردة ولا من حيث هي كلـم مفردة . كما أنه جعل " الألفـاظ خدم المعاني والمتصرفـة في حكمها " ، كما أنه لاحظ أن اللغة تقوم على العلاقة بين الألفاظ وليس على الألفاظ المجردة  فقال: اعلم " أن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ولكن لأن يُضَمّ بعضُها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد  ".  فليس المهم في اللغة الألفاظ مجردةً بل المهم هو الصلة بين هذه الألفاظ والتي تقوم عليها

أما مكانة المعنى عند عبد القاهر :

فقد يُفهم أن الجرجاني انتصر للمعاني و أهمل الألفاظ وهذا ليس صحيحـًا ؛ لأننا نجده يقول : "اعلم أن الداء الدوي والذي أعيا أمره في هذا الباب غلط من قَدَّمَ الشعرَ بمعناه وأقلَّ الاحتفال باللفظِ , وجعلَ لا يعطيه من المزية إن هو أعطى إلا ما فَضَلَ عن المعنى . يقول ما في اللفظ لولا المعنى وهل الكلام إلا بمعناه فأنت تراه لا يقدم شعرًا حتى يكون قد أُودِع حكمةً أو أدبـًا واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر" . إذًا فهو ينكر أن يكون للمعنى فضل على اللفظ حتى و إن كان هذا المعنى متضمنـًا لحكمة أو أدب أو معنى نادر أو تشبية غريب فلا مزية للمعنى دون الصياغة . فالمعنى عنده " كل ما تولد من ارتباط الكلام بعضه ببعض , فهو الفكر و الإحساس و الصورة والصوت , وهو كل ما ينشأ عن النظم و الصياغة من خصائص و مزيا "

 الجمع بين اللفظ والمعنى:

إن عبد القاهر أنكر أن يكون الجمال في اللفظ فقط أو في المعنى فقط. و قرر أن  الجمال كامنٌ في نظمِ الكلام الذي يجمع بينها . وقد استطاع أن يثبت الوحدة بين اللفظ والمعنى مستعملاً أساليبه الجدلية , فأبان كثيرًا مما غمض على النقاد من معاني النقد الأدبي  . و وضع نظرية تجمع بين اللفظ والمعنى حين قال : لو أن" المعاني تكون تبعـًا للألفاظ في ترتيبها، لكان محالاً أن تتغير المعاني ، و الألفاظ بحالها لم تزل على ترتيبها . وأنكر أن " تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم , بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة وتلك غريبة وحشية أو أن تكون حروف هذه أخف وامتزاجها أحسن و مما يكد اللسان أبعد وهل تجد أحدا يقول : هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملائمة معناها لمعنى جاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها " . فلم يكن اللفظ عنده محدودا في قيمته الصوتية , ولا المعنى مقتصرا على الفكرة و المضامين الأخلاقية و الفلسفية , فاللفظ عنده بكل إمكاناته صوتية وغير الصوتية في خدمة المعنى , والمعنى هو كل ما ينتج عن السياق من فكر و إحساس وصورة وصوت .

وأخيراً..  فنظرية النظم التي أصلّها عبد القاهر في كتابه تعد منهجـًا تحليليـًا رائعـًا في نقد الآثار الأدبية . حتى و إن لم يكن هو مبتكرها فيكفي أنه وسع مدلولها , ومد آفاقها , وبسط القول فيها , وقعَّد لها القواعد , و استنبط لها الأصول ودعمها بالشواهد . فإذا كانت نظرية الخيال عند كولردج قد قضت على ثنائية اللفظ و المعنى التي كانت شائعة وسائدة في النقد الأوروبي قبل كولردج , فإن نظرية عبد القاهر في النظم قد قضت على كثير من المفاهيم الخاطئة التي سادت تفكيرنا النقدي العربي قبل عبد القاهر و أضافت إضافات جوهرية تعتبر في مجموعها أساسا صالحا لنقد الشعر بعامة وبيان إعجاز القران بخاصة" .

فرح الفاضلي

مراجع المحاضرة

 

    أثر استخدام نظرية النظم عند الشيخ عبد القاهر الجرجاني , ا.د.نجاح الظهار (العبيكان , الرياض , 1427هـ).
    التعريفات , علي بن محمد الجرجاني ( دار الكتاب , بيروت , 1423هـ) .
دلائل الإعجاز , عبد القاهر الجرجاني , ت: د. محمد التنوجي  (دار الكتاب العربي ,ط: الثانية ,1417هـ) . دلائل الإعجاز , عبد القاهر الجرجاني, ت: محمود محمد شاكر (مكتبة المعارف , الرياض , 1424هـ) .
    قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث , د.محمد العشماوي (دار الشروق,القاهرة ,1414هـ).
لسان العرب , ابن منظور (دار الصادر, بيروت , ط: الأولى ) .
    النقد الأدبي , أحمد أمين (دار الكتاب , بيروت , ط:الرابعة , 1387هـ) . 

« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق