]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صفقة العار الدستوريَّة

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2012-12-03 ، الوقت: 17:38:01
  • تقييم المقالة:

هل تعلو السياسة على مضامين الثورات وأهدافها .. وهل تعلو المواءمات على سِمِو ونُبل المبادىء ونقائها  ..

هذا ما وضحت صورته وبوقاحةٍ شديدة فى مشاهد إعداد مسوَّدة الدستور بين المناقشة والصياغة والتصويت الداخلى  .. كما وقد وضحت وبسماجةٍ شديدة فى إتاحة إشتراك  مُمثِّلِى بعض الطوائف من دون مُمثِّلِى  البعض الآخر  بغض النظر عن ضخامة عدد من يُمثلهم هؤلاء وقِلَّة عدد من يُمثلهم هؤلاء .. المهم أن تتحقق أهداف تلك المُواءمات حتى ولو كانت بلا توافق أو عموميَّة  ..

من الغريب أن التأسيسية قد حرصت على إشراك هيئة قضايا الدولة وبستَّة مُمثلين ملأوا التأسيسية ضجيجاً لأجل طموحاتهم  الفئويَّة والتى  لايُمكن للدستور بما يتَّصف به من عمومية وتجريد أن يستجيب لها إذ يضع بالأساس خيوطاً عامة عريضة وليس لصالح فئات بعينها  بينما فما يقوم هذا فهو القانون وليس الدستور .. ووجود هؤلاء بهذا الزخم الكبير كان له الأثر البالغ  فى نيل التأسيسية ومُنتجها لأكبر موجة من الإنتقادات الشعبيَّة والقانونية ..

إن عدد أعضاء هيئة قضايا الدولة لايزيد على ألفين وستين عضواً  وقد تم تمثيلهم بهذا العدد الهائل بلا مُبرِّرٍ منطقى خاصةً وأنهُ يُوجد هناك من محامين الدولة بالمؤسسات الاعتبارية العامة وشركات قطاع الأعمال والمعنيين بحماية المال العام  واللذين  لهم ذات المراكز القانونية لأعضاء هيئة قضايا الدولة واللذين يخضعون للتفتيش الفنى من قبل مساعد أول وزير العدل للادارات القانونية  مثلهم تماماً بل ويُمثِّلون الدولة أمام القضاء كما هم أيضاً يزيد أعدادهم على الثلاثة والعشرين ألفاً هم من أوائل خريجى كليات القانون المصرية  مثلهم تماماً بل ويقومون بأعباء تتجاوزهم  وهم فى سبيلهم لحماية المال العام كأعمال التحقيقات والتحكيم  وحضور المزايدات والمناقصات  فى المؤسسات الاعتبارية للدولة والتى يصل قدر المال العام فيها ترليونات الجنيهات .. هؤلاء لم يتم دعوة ممثل واحد عنهم  بينما فممثلى الحكومة من أقرانهم وعددهم ألفين وستين عضواً قد تم تمثيلهم بستة ممثلين .. هذا بالإضافة  للجمعية العمومية لنقابة محامين مصر واللذين يصل تعدادهم  النصف مليون محامى تقريباً لم يتم تمثيلهم بالمُطلق ..  وهذا يؤكد مراعاة عوائد التمثيل السياسية  وضرباً لإعتبارات التمثيل الحقيقية ..

هذا الأمر قد نتج عنه هيمنة هيئة قضايا الدولة على مجريات العمل بالتأسيسية تماماً على خلاف الأصول المرعيَّة فى عمل التأسيسية .. وقد إندهشنا كقانونيين من هذا التمثيل والتواجد المُفزِع لهؤلاء داخل التأسيسية بل وهذا التأثير الرهيب على توجيه دفَّة الأمور هناك  والتى تصب فى صالحهم  بالمطلق  بغض النظر عن أصول التناول الدستورى وأهدافه بل والمصلحة العامة بالأساس ..

إنبرى البعض مهاجماً فى التأسيسية هذا التواجد  بل  ومن أعضاء التأسيسية أنفسهم بل ومن  رئيس اللجنة ذاته المستشار الغريانى  والذى كان رافضاُ حتى الرمق الأخير هذا التجاوز فى التواجد والتمثيل والمشاركة والتكويش لحصد الأهداف من قِبل هؤلاء .. وكأننا لسنا أمام دستور بل أمام تشريع يتم مناقشته ..  ورغم هذا الرفض لطموح هؤلاء من الأكاديميين والمستشارين المشاركين لطموح هؤلاء غير الدستوريَّة  الا أننا قد فوجئنا  بتغير الدفَّة بالمُطلق  والذى قد تجلَّى واضحاً ليلة التصويت الداخلى على مواد الدستور .. فقد رأينا الأعضاء ورئيس الجلسة فى يد ممثلى أعضاء هيئة قضايا الدولة  كالميِّت بيد مُغسِّلِه بلا  حراكٍ منه  له او مُخالفةً له أو إعتراض عليه .. وقد صار كل ما طلبهُ أعضاء هيئة قضايا الدولة  محل إستجابة وقد كان حتى وقت قريب محل رفض واستنكار .. بالدرجة التى تجاوزت التلبية لتلك الطلبات  حصولهم على مكنة الإشراف على أقرانهم من ممثلى الهيئات العامة والمؤسسات الاعتبارية من حماة المال العام المُتجاوز ترليونات الجنيهات .. رغم أنهم قد كانوا ولايزالون يخضعون لاشراف وزارة العدل كما هم  وقد صاروا وبموجب تلبية ماطلبوا خاضعين لأقرانهم هؤلاء  بالاضافة لعديد من الامتيازات التى لايمكن لدستورٍ حقيقىٍ أن يحملها وبموجب نص المادة 179 من الدستور ..

هنا تساءل الجميع ما هذا الذى حدث  وما سر التسليم المُطلق من الجمعية ورئيسها الى هؤلاء وقد أضاعت بل إغتالت أقرانهم المتجاوزين عشرات أضعاف عددهم  بل واللذين يتحملون اعباءاً لايتحمل هؤلاء عُشرها .. ماسر هذا  التغيير وأسراره الغامضة ؟! ..

دقَََّّّقنا الأمر جيِّداً وإستجلينا الصورة فكانت المصيبة وكانت الصفقة .... ولكن ما هى تلك الصفقة؟!

لقد وصلت للرئيس معلومات بأن الدستورية ستقضى لاريب ببطلان تشكيل التأسيسية الأحد 2|12|2012 ومن ثم سيكون  مُنتج التأسيسية فى خطر إذا لم تنتهى منه ويتم تسليمه قبل الجلسة إذ سيكون ساعتها المُنتج بمنأى عن الإبطال إذ الإبطال سيمس التأسيسية وليس مُنتجها من قبيل نظرية الموظف الفعلى والتى لاتُرتِّب البطلان على ماصدر من الموظف المقضى ببطلانه تحقيقاً لإستقرار الأوضاع القانونية .. كحال الموظف الذى يظل بعمله من بعد احالته للمعاش وقد ظل المواطنون يتعاملون معه كموظف عام وهنا رغم صدور القضاء ببطلانه الا ان قراراته لاتكون باطلة انطلاقاً من هذه النظرية وكحال البرلمان المقضى ببطلانه وقد صار نافذاً كل ما أصدرهُ من قوانين وقرارات .. لذا كان ضروريَّاً استعجال الفراغ من الدستور وتسليمه للرئيس لطرحه للاستفتاء العام  من قبل القضاء ببطلان تشكيل التأسيسية المُزمع  حدوثه فى 2 ديسمبر الجارى ..

على الجانب الآخر وفى بادرةٍ إستباقية من الرئيس  للحكم المُزمع  ومثيله الذى سيقضى هو الآخر ببطلان تشكيل مجلس الشورى ومن ثم حلَّهُ  فقد اصدر إعلانه الدستورى  المشؤوم والذى حاول استرضاء الثوَّار والجماهير الغاضبة من القضاء  والنائب العام بإقالة الأخير  بل وتحصين قراراته من مراقبة القضاء .. وقد إعتبرت كافة القوى السياسية  بل والقضاء نفسه هذا تدخلاً فى أعماله ومساساً بإستقلاله وحصانته .. مما أثار على الرئيس كافة القوى السياسية المناهضة له ولجماعة الاخوان من ورائه وقد وجدوا ضالتهم فى الحشد قبالته  للتخلص منه ومن ثم سيطرة الاخوان على الحكم ومفاصل الدولة .. فكيف لهؤلاء إذن ألَّا يستغلون هذه الفرصة وقد وُضِع الرئيس بين فكِّى الأسد دون أن يُريد وبلا خيار منه ولا مخرج لأمره .. إذ لايمكن تلبية ارادة المعارضين  أو القضاة بإلغاء أو على الأقل تجميد الاعلان المذكور  وذلك خوفاً من توابع الغضبة الاخوانية العارمة  والتى لوَّحت له بها فى تظاهرتها امام جامعة القاهرة فى مشهدِ مهيب .. كما لايُمكنه  المُضى قُدُماً فيما عزم من الانتهاء من طرح الدستور على الاستفتاء العام الأمر الذى يتطلَّب إشراف قضائى عليه بالضرورة ليضمن شرعية الاستفتاء .. لكن كيف له هذا وقد أعلن القضاة فى جمعيتهم العمومية وبكامل هيئاتهم ماخلا القليل منهم بعدم  قبولهم الاشراف على الاستفتاء على هذا الدستور الذى يرونه قد عصف  بقيمتهم ووجاهتهم  كما فعل الاعلان الدستورى الأخير وقد نال من شرف مراقبتهم لأعمال الرئيس وسلطته التنفيذية بتحصينها ..

إذاً لافكاك من إختراق صف القضاة بإستقطاب أحد هيئاتهم  للقبول بتلك المأموريَّة والتى سيدفعون إن قبلوها ثمنها بخيانتهم لهم من تاريخهم وقبول جموع القضاة والهيئات القضائية المُماثلة  لهم..

إذاً لاحل سوى بإستمالة هؤلاء الألفين وستين عضواً لتحقيق هذا الإختراق لمنظومة القضاء بما سيستتبعه من لحوق العديد من القضاة خلفهم خارجين عن الاجتماع القضائى  عبر ناديهم..

ومن ثم كان لين الجانب هو الثمن .. وكان الاسترضاء لهم هو المقابل بأن رضخت الجمعية التأسيسية ورغم أنف رئيسها وبإعترافه أثناء جلسة التصويت وعلى الملأ فى رده على من إنتقد من الأعضاء نص المادة 179 الهتيكة .. وقد قال صراحةً ( لدىَّ أكثر مما هو لديك من انتقادات لكن ماذا سنفعل) ثم نادى على المادة التالية دون توقف عند مآخذ الأعضاء على تلك المادة الصفقة ..

بات المحامون عامةًً وأعضاء الادارات القانونية خاصةً مشدوهين مما حدث ومما تم من اتفاقاتٍ مُبرمة عبر صفقة التأسيسية وهيئة قضايا الدولة .. لكن كانت الاعتبارات السياسية هى صاحبة الأولويَّة وقد أنجحت الرئيس ومن ورائه جماعة الإخوان فى مسعاهم ومقاصدهم .. فقد وافقت الهيئة وبكافة أعضائها وبقوَّةٍ مُريبة وبالمخالفة لجموع أعضاء الهيئات القضائية عامة والسلطة القضائية خاصة على الاشراف على الاستفتاء على الدستور  .. وكيف لهم ألَّا يقبلون وقد نالوا ما يطمحون .. هذه كانت الصفقة  وتلك  كانت الخيانة والتى قد وصفها الفقهاء من شيوخ المحامين بصفقة العار الدستوريَّة ..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق