]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ألدّورة الثّالثة لصالون مقالاتي الأدبي(1)

بواسطة: لطيفة خالد  |  بتاريخ: 2012-12-01 ، الوقت: 15:55:26
  • تقييم المقالة:

ألقسم الأول من المقال الأول للدورة الثّالثة لصالون مقالاتي الادبي بعنوان بطل من بلادي اسمه الّناصر صلاح الدّين الأيوبي.

 

 

 

ألنّاصر صلاح الدّين الأيوبي بطل من بلادي.

 

والإفتتاحية مع الشّاعر نزار قباني ومقتطفات من قصيدة عن ألنّاصر صلاح الدّين الأيوبي

زمانك بستان وعصرك أخضر وذكراك عصفور من القلب ينقر

دخلت على تاريخنا ذات ليلة فرائحة التّاريخ مسك وعنبر

وكنت فكانت في الحقول سنابل وكانت عصافير وكان صنوبر

لمست أمانينا فصار جداولا"وامطرتنا حبّا" وما زلت تمطر

سهدنا وفكّرنا وشّاخت دموعنا وشابت ليالينا وما كنت تحضر

أيا فارسا" أشكو إليه مواجعي ومثلي له عذر ومثلك يعذر

وأصرخ في أرض المرؤات احبلي لعل صلاحا" ثانيا" سوف يظهر .......

والقسم الثّاني  النّاصر بقلمي:

باني الدولة الإسلامية وعلى أعمدة أربعة...

1-ألجهاد في سبيل الله

2-محاربة الفساد ومنع المحرمات.

3-إقامة الدين.

4-ألدعوى إلى الله.

ألنّاصر صلاح الدين الأيوبي سيف الحق ,هو قائد عربي مسلم ومؤمن,إرتبط اسمه بالفتوحات وبالإنتصارات,لقد قام بتوسيع الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية,والتي امتدت من اليمن والحجاز إلى عكا وبلاد الشّام مرورا" بمصر...

انقلب على الفساد وقضى على الدّولة الفاطمية,وفاز بدولة قوية.

ولقد انتصر على أعداء الأمة والدّين,من المرتدين والصليبيين.

وأشهر المعارك التي خاضها هي معركة حطّين.

هو بطل أضاء التّاريخ الإسلامي ,وقائد عسكري لازم الجهاد,وطاب لي ذكراه ,هو للمآثر مرآة وللمكارم قدوة,وللأخلاق مثال,مجرد ذكراه تشعل فينا حماسة النصر والفخر والعزة والكرامة والإباء.

لماذا هو ؟لأنّه يا سادة ويا كرام سلطان جمع المسلمين وحصن لهم دولتهم.

منذ ترك القادة العرب سيوفهم تخاذلنا وتراجعنا لقدنسينا أنّ الجهاد فريضة...ومنذ رحل القائد الواحد تعدد القادة وبدأت الإنقسامات تعيث بوحدة الأمة الخلاف.

وما  مقالي عن الأمير صلاح الدين إلا  كلمات الآذان للخطر المحدق بالأمة.

ألله وأكبر كم نريدك صلاح الدين لنا حاكم .

ألله واكبر حان وقت الجهاد ورفع راية الإسلام.

إنّ الدّين عند الله الإسلام منذ تركنا هذا الشّعار ,أذلنا الواحد القّهار.

ألنّاصر صلاح الدين قائد مسلم بنى دولة " إسلامية وحافظ على الجهاد ووسع رقعتها الجغرافية ,واعتمد الشّريعة الإسلامية دستور لها.وحصن أسّوارها وصان شعبها وكان متعصبا" للدّين.

وكلّها صفات نحتاجها لزعيم الأمة الإسلامية .

ومن روايتي ذات الرداء الابيض  كتبت أقول عن ارضي العربية والتي فرط بها حكامنا الكرام وشتان بينهم وبين الناصر هو وسّعها وهم ضيقوها وقسّموها....
أنا السّماء التي تظللك أنا الشّمس التي تدفئك

أنا التّراب الذي يحملك أناوالدتك وشقيقتك أنا زوجتك وطفلتك

أنا الهواء الذي تشهقه أنا الماء الذي تعتقره أنا الثمر الذي تتناوله أنا أرضك أنا وطنك

أنا حامل بثورة الشباب فلا تجهضوني أنا مريضة فلا تضيعوني أنا الأجداد والأحفاد

أنا أمس والحاضر والآن أنا مهد الحضارات ومنبع الأديان

أنا كنز وأرز وقلم وكتاب أنا أم الإنسان فلا تكلوني للظلام

أنا الوطن الذي يحضن كل مواطنيه واذا كان رب العرش فطرالوجودوبيّن لنا أنه خلقنا قبائل وشعوب لنتعارف فهل ما زلنا نناقش التعددية....أم أننا اندحرنا الى العمق الحاقدوالعتيق مع  اليهود الصهاينة والذي لا يعرف معنى الأوطان ولا يهتم لبناء الانسان عذرا" ايها المواطن لا ولن اتركك لتلغيني وسوف اظل معك حتى ننصهر وتصبح انت الوطن والمواطن في عالمنا العربي

يكفيني أنني مقطوعة الأوصال وبكماء وعمياء  وكل هذا بفضل الأعداء

ولكن ورب العرش العظيم رب العالمين ما أزال أملك روحا" قادرة على أن تكون

عروس الأوطان والى أن تفقهوا قيمتي وتعرفوا نيتي ينفطر قلبي حزنا" وصرت أبكي دما" .

يا أبنائي كفاكم تنازلات أنا أرضكم ملاذكم ومفركم أنا الوطن العربي الذي يضمكم.

ويجمعكم تحت راية واحدة وطن واحد لشعب واحد .

 الوطن العربي الكبير من لبنان الى الشام الى النيل مرورا" با لفرات وبالخليج وفلسطين.الوجع الكبير .

 *** ألا ليت زمان صلاح الدّين يعود أو يتكرر وياتينا صلاح الدّين الجديد.يجمعنا تحت جناحيه ويشعرنا أنّنا أمة واحدة.لوطن عربي واحد يجمع القبلتين القدس ومكة.الهنا واحد قائدنا واحد لغتنا عربية وكلنا على قلب رجل واحد.

ولما تأبطت تحت ذراعي المراجع والكتب وقررت أن اكتب عن الأمير الذي أحبّه أعداؤوه ومواطنيه ..والذي تميّز بالعدل والإحسان وبالقوة واللين نبضات قلبي سابقت نظراتي ومشاعري هزمت إحباطي وحماستي حلّت مكان الإحساس باليأس مما وصلت إليه احوال الأمة  الإسلاميةاليوم....

الأصولية في قواميسهم تعني التطرف والسّلام صار مرادفا" للإرهاب...

وكل مسلم مسؤول عن تغيير سياستنا الداخلية والخارجية فغير صحيح ان العلمنة والعولمة والرأسمالية والشيوعية من الإسلام في شىء.

ألعالم اليوم يتصارع على أرضنا ويتبارزون على تقسيمنا ...

وبأيدينا لقد آن الأوان لنذر الخوف من غير الله ونتمسك بالإسلام كحل لكل مشاكل العالم وليس فقط مشاكل المسلمين ...ربنا رب العالمين ...

والإعمار والإصلاح لعباد الله الصّالحين....

منك صلاح الدين سوف ننهل قواعد الحروب والقتال مع الصهاينة والمغضوب عليهم والفرنجة الصليبيين الضالين

  واعذروا نباهة قلمي لقد آثر نقل معلومات موثّقة عن النّاصر صلاح الدّين من كتب ومراجع اسلامية ولكم أن تأتوا إلى صالون مقالاتي الأدبي لتتعرفوا على بطل من بلادنا ...

    الملك الناصر أبو المظفر يوسف بن أيوب(532- 589 هـ/ 1138- 1193م)، المشهور بلقب صلاح الدين الأيوبي قائد عسكري كردي أسس الدولة الأيوبيةالتي وحدت مصروالشاموالحجازواليمنفي ظل الراية العباسية، بعد أن قضى على الخلافة الفاطميةالتي استمرت 262 سنة.قاد صلاح الدين عدّة حملات ومعارك ضد الفرنجةوغيرهم من الصليبيين الأوروبيين في سبيل استعادة الأراضي المقدسةالتي كان الصليبيون قد استولوا عليها في أواخر القرن الحادي عشر، وقد تمكن في نهاية المطاف من استعادة معظم أراضي فلسطينولبنانبما فيها مدينة القدس، بعد أن هزم جيش بيت المقدسهزيمة منكرة في معركة حطين.

كان صلاح الدين مسلمًا متصوفًا اتبع المذهب السني والطريقة القادرية،وبعض العلماء كالمقريزي، وبعض المؤرخين المتأخرين قالوا: إنه كان أشعريًا، وإنه كان يصحب علماء الصوفيةالأشاعرة لأخذ الرأي والمشورة، وأظهر العقيدة الأشعرية.يشتهر صلاح الدين بتسامحه ومعاملته الإنسانية لأعدائه، لذا فهو من أكثر الأشخاص تقديرًا واحترامًا في العالمين الشرقي الإسلامي والأوروبي المسيحي، حيث كتب المؤرخون الصليبيون عن بسالته في عدد من المواقف، أبرزها عند حصاره لقلعة الكركفي مؤاب، وكنتيجة لهذا حظي صلاح الدين باحترام خصومه لا سيما ملك إنگلترا ريتشارد الأول "قلب الأسد"، وبدلاً من أن يتحول لشخص مكروه في أوروبا الغربية، استحال رمزًا من رموز الفروسية والشجاعة، وورد ذكره في عدد من القصص والأشعارالإنگليزية والفرنسية العائدة لتلك الحقبة.

نسبه ونشأته

 

رسم لساحة مدينة دوين (بالأرمنية: Դվին)، البلد الأم لبنو أيوب، في أرمينياخلال القرون الوسطى.

ولد صلاح الدين في تكريتبالعراقعام 532 هـ/1138مفي ليلة مغادرة والده نجم الدين أيوبقلعة تكريتحينما كان واليًا عليها، ويرجع نسب الأيوبيين إلى أيوب بن شاذي بن مروان من أهل مدينة دوين في أرمينيا،ويرجع ابن الأثير نسب أيوب بن شاذي بن مروان إلى الأكراد الروادية وهم فخذ من الهذبانية،يقول أحمد بن خلكان: «قال لي رجل فقيه عارف بما يقول، وهو من أهل دوين، إن على باب دوين قرية يُقال لها "أجدانقان" وجميع أهلها أكراد روادية، وكان شاذي قد أخذ ولديه أسد الدين شيركوهونجم الدين أيوبوخرج بهما إلى بغدادومن هناك نزلوا تكريت، ومات شاذي بها وعلى قبره قبة داخل البلد»،بينما يرفض بعض ملوك الأيوبيين هذا النسب وقالوا: «إنما نحن عرب، نزلنا عند الأكراد وتزوجنا منهم".»الأيوبيون نفسهم اختلفوا في نسبهم فالملك المعز إسماعيل صاحب اليمن أرجع نسب بني أيوب إلى بني أمية وحين بلغ ذلك الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوبقال كذب إسماعيل ما نحن من بني أمية أصلاً،أما الأيوبيون ملوك دمشقفقد أثبتوا نسبهم إلى بني مرة بن عوف من بطون غطفانوقد أحضر هذا النسب على المعظم عيسى بن أحمدصاحب دمشق وأسمعه ابنه الملك الناصر صلاح الدين داود.

وقد شرح الحسن بن داود الأيوبي في كتابه "الفوائد الجلية في الفرائد الناصرية"ما قيل عن نسب أجداده وقطع أنهم ليسوا أكرادًا، بل نزلوا عندهم فنسبوا إليهم. وقال: "ولم أرَ أحداً ممن أدركتُه من مشايخ بيتنا يعترف بهذا النسب".

كما أن الحسن بن داود قد رجَّح في كتابه صحة شجرة النسب التي وضعها الحسن بن غريب، والتي فيها نسبة العائلة إلى أيوب بن شاذي بن مروان بن أبي علي (محمد) بن عنترة بن الحسن بن علي بن أحمد بن أبي علي بن عبد العزيز بن هُدْبة بن الحُصَين بن الحارث بن سنان بن عمرو بن مُرَّة بن عُوف بن أسامة بن بَيْهس بن الحارث بن عوف بن أبي حارثة بن مُرّة بن نَشبَة بن غَيظ بن مرة بن عوف بن لؤي بن غالب بن فِهر (وهو جد قريش).

وكان نجم الدين والد صلاح الدين قد انتقل إلى بعلبكحيث أصبح واليًا عليها مدة سبع سنوات وانتقل إلى دمشق، وقضى صلاح الدين طفولته في دمشق حيث أمضى فترة شبابه في بلاط الملك العادل نور الدين محمود بن زنكيأمير دمشق.[9]إن المصادر حول حياة صلاح الدين خلال هذه الفترة قليلة ومبعثرة، لكن من المعروف أنه عشق دمشقعشقًا شديدًا، وتلقى علومهفيها، وبرع في دراساته، حتى قال عنه بعض معاصريه أنه كان عالمًا بالهندسة الإقليديةوالرياضيات المجسطيةوعلوم الحسابوالشريعة الإسلامية،وتنص بعض المصادر أن صلاح الدين كان أكثر شغفًا بالعلوم الدينية والفقه الإسلاميمن العلوم العسكريةخلال أيام دراسته.وبالإضافة إلى ذلك، كان صلاح الدين ملمًا بعلم الأنسابوالسير الذاتيةوتاريخ العرب والشعر، حيث حفظ ديوان الحماسة لأبي تمامعن ظهر قلب، أيضًا أحب الخيول العربيةالمطهمة، وعرف أنقى سلالاتها دمًا.

بدايته

كانت الدولة العباسيةقد تجزأت إلى عدّة دويلات بحلول الوقت الذي ظهر فيه صلاح الدين، في أواسط القرن الثاني عشر، فكان الفاطميونيحكمون مصرويدعون لخلفائهم على منابر المساجدولا يعترفون بخلافة بغداد، وكان الصليبيونيحتلون الشاطئ الشرقي للبحر المتوسطمن آسيا الصغرىإلى شبه جزيرة سيناء، والأتابكةيسيطرون على شمال العراقوسوريا الداخلية.

 

خط سير جيش الشام من دمشقإلى مصرومعاركه مع الفاطميين والصليبيين.

لمع نجم صلاح الدين في سماء المعارك والقيادة العسكرية عندما أقبل الوزير الفاطمي شاور بن مجير السعديإلى الشامفارًا من مصر، وهربًا من الوزير ضرغام بن عامر بن سوار الملقب فارس المسلمين اللخمي المنذري لما استولى على الدولة المصرية وقهره وأخذ مكانه في الوزارة وقتل ولده الأكبر طيء بن شاور، مستغيثًا بالملك نور الدين زنكيفي دمشقوذلك في شهر رمضانسنة 558 هـودخل دمشق في 23 من ذي القعدةمن السنة نفسها، فوجه نور الدين معه أسد الدين شيركوهبن شاذي في جماعة من عسكره كان صلاح الدين، ابن الستة والعشرين ربيعًا،في جملتهم في خدمة عمه وخدمة جيش الشام وهو كاره للسفر معهم،وكان لنور الدين في إرسال هذا الجيش هدفان؛ قضاء حق شاور لكونه قصده، وأنه أراد استعلام أحوال مصر فإنه كان يبلغه أنها ضعيفة من جهة الجند وأحوالها في غاية الاختلال فقصد الكشف عن حقيقة ذلك.وكان نور الدين كثير الاعتماد على شيركوه لشجاعته ومعرفته وأمانته فانتدبه لذلك، وجعل أسد الدين شيركوه ابن أخيه صلاح الدين مقدم عسكره وشاور معهم فخرجوا من دمشقعلى رأس الجيش في جمادى الأولىسنة 559 هـودخلوا مصروسيطروا عليها واستولوا على الأمر في رجب من السنة نفسها،ومن المعروف أن صلاح الدين لم يلعب دورًا كبيرًا خلال هذه الحملة الأولى، بل اقتصر دوره على مهمات ثانوية.

ولمّا وصل أسد الدين وشاور إلى الديار المصريةواستولوا عليها وقتلوا الوزير ضرغام وحصل لشاور مقصوده وعاد إلى منصبه وتمهدت قواعده واستمرت أموره، غدر بأسد الدين شيركوهواستنجد بالفرنجةعليه فحاصروه في بلبيسثلاثة أشهر،وكان أسد الدين قد شاهد البلاد وعرف أحوالها، ولكن تحت ضغط من هجمات مملكة القدس الصليبيةوالحملات المتتالية على مصربالإضافة إلى قلة عدد الجنود الشامية أجبر على الانسحاب من البلاد.وبلغ إلى علم نور الدين في دمشقوكذلك أسد الدين مكاتبة الوزير شاور للفرنجة وما تقرر بينهم فخافا على مصر أن يملكوها ويملكوا بطريقها جميع البلاد هناك فتجهز أسد الدين في قيادة الجيش وخرج من دمشق وأنفذ معه نور الدين العساكر وصلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين، وكان وصول أسد الدين إلى البلاد مقارنًا لوصول الفرنجة إليها، فاتفقوا مع الفاطميين عليه، فاشتبكوا في أوّل معركة كبيرة في صحراءالجيزة، وفي تلك المعركة لعب صلاح الدين دورًا كبيرًا، حيث كان جيش المصريين والفرنجة يفوق جيش الشام عددًا، فرأى شيركوه أن يجعل صلاح الدين على القلب لاعتقاده بأن الفرنجة سيحملون على القلب ظنًا منهم أن شيركوه سيكون في القلب، وتولّى شيركوه قيادة الميمنة مع شجعان من جيشه، وسُلّمت قيادة الميسرة إلى جمع من القادة الكرد. عند بداية المعركة، حمل الصليبيونعلى القلب، الذين تقهقروا بانتظام أمام هذا الهجوم، ليطوّقهم بعد ذلك شيركوه وجنوده في صورة من صور تكتيك الكماشة.يرى بعض المؤرخين الغربيين أن وعورة الأرض وكثافة الرمالوثقل الجياد الأوروبية والجنود الفرنجة المدرعين، أسهمت في جعلت الآية تنقلب عليهم، فهزمهم جيش الشام، واستطاع صلاح الدين أسر أحد قادة الجيش الصليبي عندما هاجم جناحه، وهو صاحب قيسارية.

 

معركة الإسكندرية.

بعد هذا الانتصار، توجه أسد الدين إلى مدينة الإسكندريةالمعروفة بكرهها لشاور، وفتحت له أبوابها.سرعان ما أعاد عموري الأولملك بيت المقدس، وشاورترتيب الجيش، وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بهما فكان لا يزال جيشهما أكثر عددًا من جيش أسد الدين،وضربوا حصارًا قاسيًا على الإسكندرية. بدأت ملامح المجاعة تلوح في الأفق فقرر أسد الدين التسلل مع حامية إلى خارج الإسكندرية واستخلف صلاح الدين عليها،متوجهًا إلى مصر العليا أملاً بأن تلحق به جيوش عموري إلا أن شاور أشار بأهمية الإسكندرية،ليستمر الحصار عليها. ترى المصادر الصليبية أن أسد الدين تسلل من الإسكندرية لما ساءت الأمور فيها، وأنه أرسل في التفاوض على أن يخرج كلا الجيشين من مصر، وعلى ألا يعاقب أهالي الإسكندرية للدعم الذي قدموه.كان من أهم أسباب موافقة عموري على هذه الصفقة إغارة نور الدين زنكيعلى إمارة طرابلس، مما أدى إلى خوف عموري الأولعلى أراضيه في الشام.في حين ترى المصادر العربية أن أسد الدين افترق عن صلاح الدين مباشرة بعد الدخول إلى الإسكندرية، وراح يغير على صعيد مصر. حين اشتد الحصار على الإسكندرية تحرك نحوها، فلقفه الصليبيون في الصلح ووافق على ذلك على أن يخرج جيشا الفرنجة والشام من مصر.ليخرج جيش الشام من مصر في 29 شوالسنة 562 هـ، الموافق فيه 18 أغسطسسنة 1167م.

عاد أسد الدين من دمشقإلى مصرمرة ثالثة، وكان سبب ذلك أن الإفرنج جمعوا فارسهم وراجلهم وخرجوا يريدون مصر نظرًا لتخلف شاورعن دفع الإتاوة إلى الحامية الصليبية الموجودة في مصر، إضافة إلى وجود شائعات تفيد بأن الكامل بن شاور تقدم للزواج من أخت صلاح الدين.فلما بلغ ذلك أسد الدينونور الدينفي الشاملم يسعهما الصبر فسارعا إلى مصر، أما نور الدين فبالمال والجيش ولم يمكنه المسير بنفسه للتصدي لأي محاولة من قبل الإفرنج، وأما أسد الدين فبنفسه وماله وإخوته وأهله ورجاله، وسار الجيش. وكان شاور لما أحس بخروج الإفرنج إلى مصر، سيّر إلى أسد الدين في دمشق يستصرخه ويستنجده فخرج مسرعًا وكان وصوله إلى مصر في شهر ربيع الأولسنة 564 هـ، ولما علم الملك عموري الأولبوصول أسد الدين على رأس الجيش من دمشق إلى مصر قرر مباغتته عند السويس، لكن أسد الدين أدرك ذلك فاتجه نحو الجنوب متجاوزًا الصليبيين. فما كان من عموري إلا الجلاء عن أرض مصر في 2 ينايرسنة 1169م، ليدخل أسد الدين القاهرةفي 7 ربيع الآخرسنة 564 هـ، الموافق فيه 8 ينايرسنة 1169م، وأقام أسد الدين بها يتردد إليه شاور في الأحيان وكان وعدهم بمال في مقابل ما خسروه من النفقة فلم يوصل إليهم شيئا، وعلم أسد الدين أن شاور يلعب به تارة وبالإفرنج أخرى، وتحقق أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور فأجمع رأيه على القبض عليه إذا خرج إليه، وفي 17 ربيع الآخر، الموافق فيه 18 يناير، ألقي القبض على شاور وأصدر الخليفة الفاطمي، العاضد لدين الله، أمرًا بقتله وعيّن أسد الدين كوزير.

تولّي الوزارة وإسقاط الدولة الفاطمية

كانت مصرقبل قدوم صلاح الدين مقر الدولة الفاطمية، ولم يكن للخليفة الفاطمي بحلول ذلك الوقت سوى الدعاء على المنابر، وكانت الأمور كلها بيد الوزراء، وكان وزير الدولة هو صاحب الأمر والنهي،لذا أصبح أسد الدين شيركوههو الرجل الأول في البلاد، ودام على هذا الحال وصلاح الدين يُباشر الأمور مقررًا لها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته طيلة شهران من الزمان،عندما توفي أسد الدين، فأسند الخليفة الفاطمي الوزارة لصلاح الدين.يذكر المؤرخون، وفي مقدمتهم عماد الدين الأصفهاني، أنه بعد وفاة شيركوه وانقضاء مدة الحداد، طالب الزنكيون، أمراء دمشق، طالبوا الخليفة الفاطميبل ضغطوا عليه حتى يجعل صلاح الدين وزيرًا له، وقد قبل الخليفة ذلك على الرغم من المنافسة الحادة التي كانت الدويلات الإسلامية تشهدها في تلك الفترة من الزمن، للسيطرة على الأراضي العربية، لشدة ضعف الدولة الفاطمية وقوّة الزنكيين وشعبيتهم، وشعبية صلاح الدين نفسه بين الناس وأمراء الشام، بعد ما أظهره من حسن القيادة والتدبير في المعارك.على الرغم من هذا التأييد، لم يمرّ تولّي صلاح الدين وزارة مصر بسلام، فقد تعرّض بعد بضعة أشهر من توليه لمحاولة اغتيالمن قبل بعض الجنود والأمراء الفاطميين، وتبيّن أن المحرّض الرئيسي على هذا كان مؤتمن الخليفة وكان خصيًا بقصر العاضد لدين الله، وكان هذا الخصي يتطلع إلى الحكم فيه والتقدم على من يحويهفقُبض عليه وأًعدم، فحاك أرباب المصالح مؤامرة أخرى، حيث حقنوا 50,000 جندي من فوجالزنوجبالحقد والكره، وثاروا حميّةً على الوزير الجديد في القاهرة، لكنه استطاع أن يقمعهم ويكسر شوكتهم، وكانت تلك آخر انتفاضة ضد صلاح الدين تقع في المدينة.

بعد سقوط مصر في أيدي الزنكيين، أرسل الملك عموري رسله لإرسال حملة صليبيةجديدة شارحًا خطورة الأمر والتغير في ميزان القوى في المنطقة، فاستجاب البابا إسكندر الثالثوبعث رسائل إلى ملوك أوروبا، لكنها لم تجد أذنًا صاغية.في حين نجح الرسول المرسل إلى القسطنطينيةبسبب إدراك الإمبراطور مانويل كومنينوساختلال توازن القوى في المنطقة. فعرض تعاون الأسطول الإمبراطوري مع حملة عموري الأول، الذي وجد الفرصة مناسبة بسبب انشغال الملك نور الدين زنكيفي مشاكله الداخلية، إضافة إلى وفاة أسد الدين شيركوه وتعيين صلاح الدين خلفًا له والذي كان الملك عموري يراه شخصًا غير المحنك.

 

حصار دمياط من قبل الأسطول الصليبي والبيزنطي.

 

استعد صلاح الدين بشكل جيد، فقد استطاع التخلص من حرس قصر الخليفة العاضد لدين اللهواستبداله بحرس موالين له.وكان ذلك لتأخر الحملة الصليبية ثلاث أشهر منذ انطلاقها في 13 شوالسنة 564 هـ، الموافق فيه 10 يوليوسنة 1169م، بسبب عدم حماسة الأمراء والبارونات الصليبيبن للمعركة بعد المعارك الأخيرة التي هُزموا فيها،استهل الصليبيون حملتهم بحصار مدينة دمياطفي 1 صفرسنة 565 هـ، الموافق فيه 25 أكتوبرسنة 1169م، فأرسل صلاح الدين قواته بقيادة شهاب الدين محمود وابن أخيه تقي الدين عمر، وأرسل إلى نور الدين زنكي يشكو ما هم فيه من المخافة ويقول: «إن تأخرت عن دمياط ملكها الإفرنج، وإن سرت إليها خلفني المصريون في أهلها بالشر، وخرجوا من طاعتي، وساروا في أثري، والفرنج أمامي؛ فلا يبقى لنا باقية»،وقال نور الدين في ذلك: «إني لأستحي من الله أن أبتسم والمسلمون محاصرون بالفرنج».فسار نور الدين إلى الإمارات الصليبية في بلاد الشاموقام بشن الغارات على حصون الصليبيبن ليخفف الضغط عن مصر.وقامت حامية دمياط بدور أساسي في الدفاع عن المدينة وألقت سلسلة ضخمة عبر النهر، منعت وصول سفن الروم إليها، وهطلت أمطار غزيرة حولت المعسكر الصليبي إلى مستنقع فتهيؤا للعودة وغادروا دمياط بعد حصار دام خمسين يومًا، بعد أن أحرقوا جميع أدوات الحصار. وعندما أبحر الأسطول البيزنطي، هبت عاصفة عنيفة، لم يتمكن البحارة - الذين كادوا أن يهلكوا جوعًا - من السيطرة على سفنهم فغرق معظمهم.

لاحق صلاح الدين وجيشه فلول الجيش الصليبي المنسحب شمالاً حتى اشتبك معهم في مدينة دير البلحسنة 1170م،فخرج الملك عموري الأولوحاميته من فرسان الهيكلمن مدينة غزةلقتال صلاح الدين، لكن الأخير استطاع تفادي الجيش الصليبي وحوّل مسيرته إلى غزة نفسها حيث دمّر البلدة التي بناها الصليبيون خارج أسوار المدينة.تفيد بعض الوثائق أنه خلال هذه الفترة، قام صلاح الدين بفتح قلعة إيلاتالتي بناها الصليبيون على جزيرة صغيرة في خليج العقبةفي 10 ربيع الآخر 566 هـ،على الرغم من أنها لم تمثل تهديدًا للبحرية الإسلامية، إلا أن فرسانها كانوا يتعرضون في بعض الأحيان للسفن والقوارب التجارية الصغيرة.

بعد هذا الانتصار، ثبّت الزنكيونأقدامهم في مصر، وأصبح من الواضح أن الدولة الفاطمية تلفظ أنفاسها الأخيرة، فأرسل نور الدين إلى صلاح الدين طالبًا إياه بإيقاف الدعاء إلى الخليفة الفاطمي والدعاء إلى الخليفة العباسي في مساجد مصر. لم يرغب صلاح الدين من الامتثال لهذا الأمر خوفًا من النفوذ الشيعيفي مصر، وأخذ يراوغ في تأخير الأمر، إلا أن نور الدين هدد صلاح الدين بالحضور شخصيًا إلى القاهرة. فاتخذ صلاح الدين الإجراءات الشرطية اللازمة، لكن لم يتجرأ أحد على القيام بذلك، إلى أن جاء شيخ سني من الموصلزائر وقام في المسجد الأزهروخطب للخليفة العباسي المستضيء بأمر اللهفي أول جمعة من سنة 567 هـ، الموافق في شهر سبتمبرمن سنة 1171م، لتحذو القاهرة كلها حذوه، في الوقت الذي كان فيه العاضد لدين اللهعلى فراش الموت مريضًا،ولم يلبث العاضد طويلاً حتى فارق الحياة، فأصبح صلاح الدين الدين الحاكم الفعلي في مصر، ليس لأحدٍ فيها كلمة سواه، ونقل أسرته ووالده نجم الدينإليها ليكونوا له أعوانًا مخلصين، وبهذا زالت الدولة الفاطمية تمامًا بعد أن استمرت 262 سنة.

سلطان مصر

 

الجامع الأزهر، أسسه الفاطميون كمدرسة لنشر الدعوة الإسماعيليةوحوله صلاح الدين الأيوبي إلى مدرسة للسنّةبعد توليه مصر عام 1171م، وقضاءه على الدولة الفاطميةوالنفوذ الشيعي في البلاد.

أخذ صلاح الدين يقوّي مركزه في مصربعد زوال الدولة الفاطمية، ويسعى من أجل الاستقلال بها، فعمل على كسب محبة المصريين، وأسند مناصب الدولة إلى أنصاره وأقربائه،وعزل قضاة الشيعةواستبدلهم بقضاة شافعيون،وألغى مجالس الدعوة وأزال أصول المذهب الشيعي الإسماعيلي.ثم أبطل الأذانبحي على خير العمل محمد وعلي خير البشر،وأمر في يوم الجمعة العاشر من ذي الحجةسنة 565 هـ، الموافقة سنة 1169م، بأن يذكر في خطبة الجمعةالخلفاء الراشدون جميعًا: أبو بكر الصديقوعمر بن الخطابوعثمان بن عفانوعلي بن أبي طالب،كما أسس مدرستين كبيرتين في الفسطاطهما المدرسة الناصرية، والمدرسة الكاملية حتى يُثبّت مذهب أهل السنةفي البلاد، وكانت هاتان المدرستان تُلقنا علوم الشريعة وفق المذهبين المالكيوالشافعي.

 

رسم "صلاح الدين ملك مصر"، من مخطوطة كتابية تعود للقرن الخامس عشر.

وتخوّف نور الدين زنكيمن تزايد قوة تابعه صلاح الدين، وكانت العلاقة بينهما على فتور أصلاً منذ أن تولّى صلاح الدين الحكم في مصر. بدأ هذا التوتر في العلاقة يظهر عندما تأخر صلاح الدين في الخطبة للخليفة العباسي في بغداد، حتى هدده نور الدين بالمسير إليه، وظهر أيضًا عندما أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته فلم يجبه إلى ذلك وقال: "أخاف أن يخالف أحد منهم عليك فتفسد البلاد".وازداد الخلاف بينهما في سنة 567 هـ، الموافقة سنة 1172م، حتى أصبح وحشةً، وذلك عندما اتفقا على حصار قلعتيّ الكركومدينة الشوبك في صحراءالأردن، ورجع صلاح الدين إلى مصر، قبل أن يلتقي بنور الدين،خوفًا من أن يعزله الأخير عن مصر، وأن تؤدي السيطرة على القلعتين إلى فتح الطريق أمام نور الدين إلى القاهرة، فانسحب صلاح الدين متذرعًا بالأوضاع الخطيرة في مصر، فعظم الأمر على نور الدين، حتى قرر المسير إلى مصر. لما علم صلاح الدين بذلك جمع مقربيه وشاورهم بالأمر فمنهم من نصح بمقاتلة نور الدين إلا أن والدهوخاله منعوه من ذلك وطالبه والده بإرسال رسائل الاعتذار والتبرير لنور الدين،لكن نور الدين لم يقتنع بأي من تلك التبريرات، وعزم على تسيير حملة إلى مصر لخلع صلاح الدين في أقرب فرصة متاحة.

وفي صيف سنة 1172م، وردت أنباء تفيد بأن جيشًا من النوبيينترافقه عناصر أرمنيّةقد بلغ حدود مصرويُحضّر لحصار أسوان، فطلب أميرها المعونة العسكرية من صلاح الدين، فأرسل إليه تعزيزات بقيادة شقيقه الأكبر، توران شاه، أرغمت النوبيين على الانسحاب. عاد الجيش النوبي إلى مصر في سنة 1173م، لكنه رُدّ على أعقابه في هذه المرة أيضًا، بل تعقبه الجيش الأيوبي حتى بلاد النوبة، وفتح بلدة قصر إبريم.وفي ذلك الوقت، كان نور الدين زنكيلم يتخذ أي خطوة عسكرية تجاه صلاح الدين بعد، لكنه طالبه بإعادة مبلغ 200,000 ديناركان نور الدين قد خصصه لتمويل حملة أسد الدين شيركوهالتي نجحت في فتح البلاد والقضاء على النفوذ الصليبي والفاطمي فيها، فدفع صلاح الدين 60,000 دينار، وأرفقها بحمل من أفضل البضائع وبعض الجواهر، إضافة لحصان عربي أصيل، وفيل، واعتبر ذلك وفاءً للدين. استغل صلاح الدين فرصة مروره في الأراضي الشامية الصليبية لتوصيل الأموال والهدايا إلى دمشق، وأغار على بعض معاقل البدوفي الصحراءليحرم الصليبيين من فرصة الاستعانة بمتقفي الأثر أو أدلاء محليين يرشدونهم في حال قرروا مهاجمة مصر أو الأراضي الإسلامية المجاورة لهم،وجرى بينه وبين الإفرنج عدّة وقعات. وفي أثناء وجود صلاح الدين في الشام، أصيب والده نجم الدين أيوببحادث أثناء امتطائه جواده، وتوفي في 27 ذي الحجة 568 هـ،بعد أيام قليلة قبل وصول صلاح الدين إلى مصر.وفي سنة 1174م، الموافقة سنة 569 هـ، بلغ صلاح الدين أن رجلاً باليمناستولى عليها، وملك حصونها يسمى عبد النبي بن مهدي، ولمّا تبيّن له قوّة جيشه وكثرة جنوده، سيّر صلاح الدين أخاه شمس الدولة توران شاه إلى اليمن، فقتل ابن مهدي، وأخذ البلاد منه،عندئذ أعلنت الحجازانضمامها إلى مصر أيضًا.

أخذ نور الدين زنكي يجمع جيشًا ضخمًا في ربيع سنة 1174م، في محاولة لخلع صلاح الدين في مصرعلى ما يبدو، فأرسل رسلاً إلى الموصلوديار بكروالجزيرة الفراتيةيحثون الرجال ويدعونهم للجهاد، غير أن تلك الحملة لم يُكتب لها أن تتم، إذ وقع نور الدين في أوائل شوال من سنة 569 هـ، الموافقة في شهر مايومن سنة 1174مبالذبحة الصدريةوبقي على فراش المرض أحد عشر يوما ليتوفى في 11 شوالسنة 569 هـ، الموافق فيه 15 مايوسنة 1174م، وهو في التاسعة والخمسين من عمره،وبوفاة نور الدين، استحال صلاح الدين سيد مصر الأوحد بشكل فعليّ، حيث استقل عن كل تبعية سياسية، ويُقال أنه أقسم آنذاك أن يُصبح سيفًا مسلولاً على أعدائه وأعداء الإسلام،وأصبح هو رأس أقوى سلالة حاكمة إسلامية في ذلك العهد، هي السلالة الأيوبية، لذا جرت عادة المؤرخينعلى تسمية المناطق التي خضعت لسلطانه وسلطان تابعيه بالدولة الأيوبية.

فتح دمشق

 

قلعة دمشق، دخلها صلاح الدين بعد 4 أيام من وصوله المدينة، بعد أن استنجد به أهلها وأميرها لإنقاذهم من أمير حلب.

كان نور الدين زنكيقد استخلف ولده الملك الصالح إسماعيلذي الأحد عشر ربيعًا، أميرًا على دمشق، وبعد أن توفي نور الدين كان أمام صلاح الدين خياران أحلاهما مرّ:إما أن يُهاجم الممالك الصليبية من مصرويتركها مفتوحة وعرضة لهجمات بحرية أوروبية وبيزنطية، أو أن ينتظر حتى يستنجد به الملك الصالح خصوصًا وأنه ما زال صبيًا لا يستقل بالأمر ولا ينهض بأعباء الملك، كذلك كان أمام صلاح الدين خيار حاسم، وهو أن يدخل دمشق ويسيطر عليها ويتولى شؤون البلاد بنفسه، ويُحضرها لقتال الصليبيين، غير أنه تردد في إتيان الخيار الأخير، بما أنه قد يُنظر إليه حينها أنه قد شق عصا الطاعة ونكر المعروف والاحترام المتبادل والثقة التي منحه إياها نور الدين زنكي عندما ولاّه قيادة الجيوش بعد وفاة أسد الدين شيركوه، وساعده على تمكين منصبه في مصر، وعندها قد لا ينظر إليه الجنود والناس أنه جدير بقيادة جيش المسلمين. لذا فضّل صلاح الدين انتظار دعوة من الملك الصالح، أو أن ينذره بنفسه من احتمال تصاعد الخطر الصليبي على دمشق.

واختلفت الأحوال بالشام، فنُقل الصالح إسماعيلإلى حلبوعُين سعد الدولة كمشتكين، أمير المدينة وكبير قدامى الجنود الزنكيين، وصيًا عليه حتى يبلغ أشدّه، وسرعان ما طمع كمشتكين بتوسيع رقعة نفوذه حتى تشمل باقي مدن الشام الداخلية والجزيرة الفراتية، وقرر فتح دمشق، فراسل أمير المدينة، شمس الدين بن المقدم سيف الدين غازي بن قطب الدين مودودأمير الموصل وابن عم الملك الصالح إسماعيل، طالبًا منه التدخل للمساعدة، لكنه رفض، فكاتب شمس الدين بن المقدم صلاح الدين،فتجهز من مصرفي جيش كثيف وترك بها من يحفظها وقصد دمشق مظهرًا أنه يتولى مصالح الملك الصالح. تكوّن جيش صلاح الدين من 700 خيّال، عبر بهم الكركوصولاً إلى بصرى، وفي أثناء الطريق انضمت إلى الجيش جموع من الكردوالعربمن أمراء وأحرار وبدو"سماهم في وجوههم" كما ورد على لسان صلاح الدين.دخل الجيش دمشق في شهر ربيع الأول من عام 570 هـ، الموافق فيه شهر نوفمبرمن سنة 1174م، وأول ما دخل صلاح الدين كان دار أبيه وهي الدار المعروفة بالشريف العقيقي، واجتمع الناس إليه وفرحوا به وأنفق في ذلك اليوم مالاً جليلاً وأظهر السرور بالدمشقيين، وصعد القلعةوتسلمها من نائب القلعة الطواشي جمال الدين ريحان بعد 4 أيام من وصوله.

[عدل] فتوحات الشام الداخلية

 

رسم إفرنجي من سنة 1337ميُظهر الجيش الأيوبي.

استناب صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغتكين على دمشققبل انطلاقه لضم باقي مدن الشام الداخلية التي استحالت مستقلة عن أي تبعيّة بحكم الأمر الواقع بعد وفاة نور الدين زنكي، فغنم حماةبسهولة، وعدل عن حصار مدينة حمصلمناعة أسوارها،ثم حوّل أنظاره نحو حلبوهاجمها بعد أن رفض أميرها "كمشتكين" الخضوع،وخرج الصالح إسماعيلإلى الناس وجعل يُخاطبهم ويحثهم ألاّ يسلموا المدينة إلى جيش غاز، وقد قال أحد المؤرخين الأيوبيين أن كلمات الصالح إسماعيل أمام الناس كانت "كأثر سحر ساحر" على السكان.

راسل كمشتكين شيخ الحشاشينالمدعو رشيد الدين سنان، الذي كان على خلاف مع صلاح الدين ويمقته مقتًا شديدًا بعد أن أسقط الدولة الفاطمية، واتفق معه على أن يقتل صلاح الدين في قلب معسكره،فأرسل كتيبة مكونة من ثلاثة عشر حشاشًا استطاعت التغلغل في المعسكر والتوجه نحو خيمة صلاح الدين، إلا أن أمرهم انفضح قبل أن يشرعوا بالهجوم، فقُتل أحدهم على يد أحد القادة، وصُرع الباقون أثناء محاولتهم الهرب.

وفي أثناء ذلك، تحرّك ريموند الثالثصاحب طرابلسلمهاجمة حمص، وحشد جيشه بالقرب من النهر الكبير الجنوبي، على الحدود اللبنانيةالسوريةالشمالية حاليًا، لكنه سرعان ما تراجع عن تحقيق هدفه، لمّا بلغه أن صلاح الدين قد أرسل فرقة عسكرية كبيرة مجهزة بالعتاد اللازم لتنضم إلى حامية المدينة.وفي غضون هذا الوقت كان أعداء صلاح الدين في الشاموالجزيرة الفراتيةيطلقون حملات مضادة له ويهجونه كلّما سنحت الفرصة، فقالوا أنه نسي أصله، فهو ليس سوى خادم للملك العادل نور الدين زنكي، بل خادم ناكر للمعروف لا يؤتمن على شيء، خان سيده ومولاه ونفى ولده من بلاد أبيه إلى بلاد أخرى، وجعل يُحاصرها بعد ذلك. فردّ صلاح الدين على تلك الحملات الشرسة قائلاً أنه لم يُحاصر حلبولم يحضر إلى الشام منذ البداية إلا لحماية دار الإسلاموالمسلمين من الجيوش الصليبية، وليستعيد ما سُلب من الأراضي المقدسة، وإن هذه مهمة لا يمكن أن يتولاها صبي لم يبلغ أشدّه بعد، ويسهل التلاعب به من قبل أصحاب النفوس الخبيثة. وليُطمئن الناس أكثر، سار صلاح الدين على رأس جيشه إلى حماةليُقاتل فرقة صليبية أُرسلت لفتح المدينة، إلا أن الصليبيين انسحبوا قبل اللقاء بعد أن بلغهم حجم الجيش الأيوبي،فدخل صلاح الدين المدينة بسهولة، وتسلّم قلعتهافي شهر مارس من سنة 1175م، بعد مقاومة عنيفة من حاميتها.

بعد هذه الأحداث، علم سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكيصاحب الموصلأن صلاح الدين قد استفحل أمره وعظم شأنه، وخاف إن غفل عنه استحوذ على البلاد واستقرت قدمه في الملك وتعدى الأمر إليه، فأنفذ عسكرًا وافرًا وجيشًا عظيمًا وقدّم عليه أخاه عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود وساروا يريدون لقاءه ليردوه عن البلاد،فلما بلغ صلاح الدين ذلك فك الحصار عن حلبفي مستهل رجبمن السنة عائدًا إلى حماةاستعدادًا للقائهم. وعندما وصل عز الدين مسعود إلى حلب، انضم إلى جيشه عسكر ابن عمه الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين، وخرجوا في جمع عظيم، فلما عرف صلاح الدين بمسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة وراسلهم وراسلوه واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه، ورأوا أن ضرب المصاف معه ربما نالوا به غرضهم،والتقى الجمعان عند قرون حماة بقرب نهر العاصي، ووقعت بينهما معركة عظيمة هزم فيها الزنكيون على يد صلاح الدين، وأُسرت جماعة منهم، وذلك في التاسع عشر من شهر رمضانمن سنة 570 هـ،الموافقة في 23 أبريلمن سنة 1175م، ثم سار صلاح الدين عقيب انتصاره ونزل على حلب مرة أخرى، فصالحه الزنكيون على أخذ معرة النعمانوكفر طاب وبارين.

 

نقش لصلاح الدين على درهميعود لقرابة سنة 1190م.

أعلن صلاح الدين نفسه ملكًا على البلاد التي افتتحها بعد انتصاره على الزنكيين، وخطب له أئمة المساجد يوم الجمعةباسم "الملك الناصر"، وضُربت الدنانير الذهبيةفي القاهرةباسمه، وعضّد مُلكه بالزواج من أرملة نور الدين زنكيالمدعوة عصمة الدين خاتون. وسرعان ما أصبحت سيادة صلاح الدين على البلاد سيادة مشروعة عندما أسند الخليفة العباسي في بغدادإليه السلطة على مصروالمغرب الأدنىوالنوبةوغربي شبه الجزيرة العربيةوفلسطينوسوريا الوسطى،وخلع عليه لقب "سلطان مصر والشام".

استمرت الحرب بين الأيوبيين والزنكيين على الرغم من انتصار صلاح الدين في حماة، وحدثت الموقعة الأخيرة بينهما في صيف سنة 1176م. كان صلاح الدين قد أحضر جيوشه من مصراستعدادًا للقاء الحاسم، وقام سيف الدين غازي بن قطب الدين مودودبتجنيد الرجال في المناطق التي ما زال يسيطر عليها، في ديار بكروقرى وبلدات الجزيرة الفراتية.عبر الأيوبيوننهر العاصيمتجهين شمالاً حتى وصلوا تل السلطانعلى بعد 24 كيلومترًا (15 ميلاً) من حلب، حيث قابلوا الجيش الزنكي، فاشتبك الجيشان في معركة ضارية، واستطاع الزنكيوندحر ميسرة الجيش الأيوبي، فاندفع صلاح الدين بنفسه تجاه حرّاس سيف الدين غازي وأعمل فيهم السيف، فتشجع الأيوبيون واندفعوا يمزقون صفوف الجيش الزنكي، فذُعر الزنكيون وأخذوا يتقهقرون تاركين في ساحة المعركة الكثير من القتلى،كاد سيف الدين أن يكون من ضمنهم. قُتل في المعركة العديد من ضبّاط الجيش الزنكي وأُسر بعضهم الآخر، وغنم الأيوبيون معسكر الزنكيين بما فيه من خيام وأمتعة وخيول وأسلحة، وعامل صلاح الدين الأسرى معاملة كريمة، فمنحهم هدايا وأطلق سراحهم، ثم وزّع غنائم المعركة كلها على جنوده، ولم يحتفظ بشيء لنفسه.

سار صلاح الدين بعد انتصاره ليعاود حصار مدينة حلب، وفي أثناء سيره فتح الجيش الأيوبي حصن بزاعةوحصن منبج،ومن ثم توجّه غربًا لإخضاع حصن أعزاز، وعندما ضرب الجيش الحصار على الحصن، اقتحم بعض الحشاشينالمندسين المعسكر واستطاع أحدهم الوصول إلى خيمة صلاح الدين وضربه بسكينعلى رأسه، فحمته الخوذة غير أن السكين مرت على خده وجرحته جرحًا هينًا، واستطاع إمساك الحشاش، فصارعه الأخير أرضًا وحاول نحره، لكن صلاح الدين تمكن منه، وأعانه عليه وعلى رفاقه الجنود الأيوبيون وأقاربه وقتلوهم جميعًا.كان لمحاولة الاغتيالهذه أثر كبير على صلاح الدين، فقد عزم على القضاء على كمشتكين أمير حلب،الذي سبق وتواطأ مع الحشاشين لقتل صلاح الدين، وأصبح شديد الحذر لا يُقابل إلا من يعرفه. يقول أبو شامة المقدسيفي كتابه الروضتين في أخبار الدولتين:

   

 

لمّا فتح السلطان حصنبزاعة ومنبج أيقن من هم تحت سلطتهم بخروج مافي أيديهم من المعاقل، والقلاع ونصبوا الحبائل للسلطان. فكاتبوا سنانًا صاحبالحشيشيةمرةثانية، ورغبوه بالأموال والمواعيد، وحملوه على البتاع فأرسل، لعنه الله، جماعة منأصحابه فجاءوا بزي الأجناد، ودخلوا بين المقاتلة وباشروا الحرب وأبلوا فيها أحسنالبلاء، وامتزجوا بأصحاب السلطان لعلهم يجدون فرصة ينتهزونها. فبينما السلطان يومًاجالس في خيمة، والحرب قائمة والسلطان مشغول بالنظر إلى القتال، إذ وثب عليه أحدالحشيشية وضربهبسكينةعلى رأسه، وكان محترزًا خائفًا من الحشيشية، لا يترع الزردية عن بدنه ولا صفائحالحديدعن رأسه؛ فلم تصنعضربة الحشيشي شيئا لمكان صفائح الحديد وأحس الحشيشي بصفائح الحديد على رأس السلطانفسبح يده بالسكينة إلىخدالسلطان فجرحه وجرىالدمعلى وجهه؛ فتتعتع السلطان بذلك.

ولما رأى الحشيشي ذلك هجم على السلطان وجذبرأسه، ووضعه على الأرض وركبه لينحره؛ وكان من حول السلطان قد أدركهم دهشة أخذتعقولهم. وحضر في ذلك الوقت سيف الدين يازكوج، وقيل إنه كان حاضرًا، فاخترط سيف وضربالحشيشي فقتله. وجاء آخر من الحشيشية أيضا يقصد السلطان، فاعترضه الأمير داود بنمنكلان الكردي وضربهبالسيف،وسبق الحشيشي إلى ابن منكلان فجرحه في جبهته، وقتله ابن منكلان، ومات ابن منكلان منضربة الحشيشي بعد أيام. وجاء آخر منالباطنيةفحصل في سهمالأمير علي بن أبي الفوارس فهجم على الباطني، ودخل الباطني فيه ليضربه فأخذه عليتحت إبطه، وبقيت يد الباطني من ورائه لا يتمكن من ضربه، فصاح علي: "اقتلوه واقتلونيمعه"، فجاء ناصر الدين محمد بن شيركوه فطعن بطن الباطني بسيفه، وما زال يخضخضه فيهحتى سقط ميتًا ونجا ابن أبي الفوارس. وخرج آخر من الحشيشية منهزمًا، فلقيه الأثيرشهاب الدين محمود، خال السلطان فتنكب الباطني عن طريق شهاب الدين فقصده أصحابهوقطعوه بالسيوف.

وأما السلطان فإنه ركب من وقته إلى سرادقه ودمهعلى خده سائل، وأخذ من ذلك الوقت في الاحتراس والاحتراز، وضرب حول سرادقه مثالالخركاه، ونصب له في وسط سرادقهبرجًامنالخشبكان يجلس فيه وينام، ولا يدخل عليه إلامن يعرفه، وبطلتالحربفي ذلكاليوم، وخاف الناس على السلطان. واضطرب العسكر وخاف الناس بعضهم من بعض، فألجأت إلىركوب السلطان ليشاهده الناس، فركب حتى سكن العسكر.[76]

   

 

 

بعد أن تمّ النصر وافتتح حصن أعزازفي ذي الحجةمن سنة 571 هـ، حوّل صلاح الدين أنظاره ناحية حلبوضرب الحصار عليها كي يقتصّ من الأمير كمشتكين، فقاومته الحامية مقاومة شديدة مرة أخرى، ففشل في اقتحام المدينة، غير أنه تمكن من فرض هدنة على كمشتكين والملك الصالح إسماعيلوأبرم حلفًا معهما،[74]وجاء في نص الهدنة أن يحتفظ الزنكيونبمدينة حلب مقابل اعترافهم بسلطان صلاح الدين على كامل الأراضي التي أخضعها، وسرعان ما اعترف أمراء ماردينوجوارها بسيادة صلاح الدين وبملكه على الشام. وعندما انتهت الهدنة أرسل الملك الصالح شقيقته الصغرى الخاتون بنت نور الدين إلى صلاح الدين مطالبة إياه بإعادة حصن أعزاز إلى الزنكيين، فاستجاب لطلبها ورافقها بنفسه حتى بوابة حلب محملة بهدايا كثيرة.[75]

الحملة على الحشاشين

طالع أيضًا :الحشاشون

 

قلعة مصياف، إحدى معاقل الحشاشين، حاصرها صلاح الدين خلال شهر أغسطس من عام 1176موارتد عنها خائبًا.

بعد أن تحالف صلاح الدين مع الزنكيين وأبرم معاهدة سلام مع مملكة بيت المقدس، لم يبق له من خطر يهدد دولته إلا طائفة الحشاشينبقيادة شيخ الجبل رشيد الدين سنان بن سليمان بن محمود، كانت هذه الطائفة تتبع طريقة الاغتيال المنظم للتخلص من أعدائها ومنافسيها. وكان الحشاشون يمتنعون في سلسلة من القلاعوالحصونفي عدد من المواقع المشرفة الشاهقة في جبال النصيرية، ولمّا عزم صلاح الدين على إبادة طائفتهم وكسر شوكتهم، أرسل بعض الفرق العسكرية إلى جبالهم، وأعاد ما تبقى من جنود إلى مصر، وتولّى صلاح الدين قيادة الجيش بنفسه، وضرب الحصار على جميع قلاع الحشاشين خلال شهر أغسطس من عام 1176م، لكنه لم يُفلح بفتح أي منها، ففك الحصار وانسحب بجيشه مدمرًا كل المعاقل غير الحصينة التابعة لتلك الطائفة أثناء سيره.[77]بينما ذكر ابن كثيروابن الأثيرأن صلاح الدين حاصر حصنهم مصياف وقتل منهم وسبى ثم شفع فيهم خاله شهاب الدين محمود بن يكش، فقبل شفاعته فصالح الحشاشين، ثم كرّ راجعًا إلى دمشق.[78][79]غير أن بعض المخطوطات العائدة لرشيد الدين سنان نصّت على أن صلاح الدين انسحب خوفًا على حياته، وإنه كان ينثر الرمادوغبارالطبشورحول خيمته ليلاً عندما حاصر قلعة مصياف، ليعرف ما إذا كان الحشاشون يأتون ليلاً بالقرب منه، وجعل كل حارس من حرّاسه يحمل سراجًا مضيئًا.[80]

أما بالنسبة لرواية صلاح الدين نفسه، فقد قال فيها أن حرّاسه لاحظوا لمعان معدنعلى إحدى تلال مصيافذات ليلة، ومن ثم اختفى بين خيم الجنود، وأفاد صلاح الدين أنه استيقظ من نومه ليرى شخصًا يخرج من الخيمة، وكانت المصابيحفيها قد بُعثرت وبقرب سريرهعثر على كعك مرقق، وهي العلامة المميزة للحشاشين، وفي أعلى الخيمة وجد رسالة معلقة بخنجرمسموم كُتب فيها تهديد له إن لم يغادر الجبال فسوف يُقتل. عندئذ صاح صلاح الدين أن سنانًا كان في خيمته وغادرها، وقد جعلته هذه التجربة يُدرك عجزه قتال الحشاشين وإفنائهم بسرعة، فطلب من جنوده أن يراسلوهم كي يُبرم حلفًا معهم،[80]فيكون بهذا قد حقق انتصارًا آخر، ألا وهو حرمان الصليبيين من حليف مهم.[81]

 

إعادة تصميم لباب البرقيّة، إحدى بوّابات سور القاهرة القديم الذي أعاد صلاح الدين بناءه.

 

قلعة الجبل بالقاهرةالشهيرة باسم قلعة صلاح الدين.

انسحب صلاح الدين من جبال النصيريةبعد أن لم يتمكن من فتح قلاعها عائدًا إلى دمشق، ثم سرّح جنوده الشوام وجعلهم يعودون إلى منازلهم للراحة والاستعداد للحروب القادمة، ثم رحل عن المدينة برفقة حرّاسه فقط قاصدًا مصر، فوصل القاهرةبعد حوالي شهر. كان على صلاح الدين تنظيم كثير من الأمور في الديار المصرية بعد أن غاب عنها حوالي سنتين قضاها في معارك متواصلة في الشام، وفي مقدمة هذه الأمور تحصين القاهرة وإعادة بناء أقسامها المهدمة، فأقدم على إصلاح أسوارها وإمداد المزيد منها، كذلك شرع في بناء قلعة القاهرةسنة 573 هـ،[81]التي عُرفت فيما بعد بقلعة صلاح الدين والتي أشرف على بنائها بهاء الدين قراقوش،[82]وبئر يوسف البالغ من العمق 85 مترًا (280 قدمًا). ومن أعمال صلاح الدين الأخرى بناء جسر ضخم في الجيزةليُشكل إحدى خطوط الدفاع الأوليّة ضد غزو مغربيمحتمل.[83]

بقي صلاح الدين في القاهرةيُشرف على الأعمال العمرانية فيها، فبنى إلى جانب المباني العسكرية بضعة مدارسلنشر العلم، وتابع إدارة البلاد الداخلية بنفسه، واهتم بالمؤسسات الاجتماعية التي تساعد الناس وتخفف عنهم عناء الحياة، وتعهد بالإنفاق على الفقراءوالغرباء الذين يلجؤون للمساجد للعيش فيها، وجعل من مسجد أحمد بن طولونفي القاهرةمأوى للغرباء الذين يأتون إلى مصر من بلاد المغرب.[84]يقول ابن المقفع:

   

 

إن الملك صلاح الدين عامل رعيته في بلاد مصربخير يعجز الواصف عن وصفه وأرسى العدل وأحسن إلى المصريين وأزال مظالم كثيرة علىالناس وأمر بإبطال الملاهي في بلاد مصر وأبطل كل منكر شرير وأقام حدود شريعةالإسلام. وكان يجلس للحكم بين الناس فينصف المظلوم من الظالم ويكون في مجلسه مجموعهمن الفقهاء ومشاهير الدولة للنظر في القضايا بين الناس والعمل بما توجبه أحكامالشريعة والحق والعدل.[85]

   

 

 

وفي شهر جمادى الآخر سنة 573 هـ، الموافق فيه نوفمبر من سنة 1177م، أغار الصليبيون على ضواحي دمشق، فاعتبر صلاح الدين أن الهدنة مع مملكة بيت المقدسقد نُقضت وانتهى أمرها، فجمع الرجال وسار إلى فلسطينليُغير على بعض المواقع الصليبية، فما كان من الصليبيون إلا أن أرسلوا جزءً كبيرًا من جيشهم إلى مدينة حارمشمال حلبليحولوا انتباه الأيوبيين إلى تلك الأنحاء، لكن صلاح الدين استمر بغزاته على بعض المواقع الثانوية في فلسطين بعد أن فرغت من الرجال الذين أرسلوا مع الجيش الصليبي شمالاً ثم توجّه إلى عسقلان،التي قال أنها "عروس الشام"، بعد أن رأى أن الوضع مؤات لهكذا تحرّك. يقول المؤرخ الصليبي وليم الصوريأن الجيش الأيوبي تكوّن من 26,000 جندي، 8,000 منهم كانوا يشكلون النخبة، و 18,000 كانوا أرقاءزنوجمن السودان. واصل صلاح الدين يغزو المواقع الصليبية الثانوية الواحد تلو الآخر، فهاجم الرملةواللد، وبلغ بوّابات القدس.

الحرب والهدنة مع بلدوين الرابع

 

معركة تل الجزر، بريشة شارلز فيليپ لاريڤيير.

تحرّك ملك بيت المقدسالشاب بلدوين الرابع بن عموري "الأبرص"، أثناء وجود صلاح الدين على مشارف القدس، وسار بجمع من فرسان الهيكلمن مدينة غزةودخل عسقلان. ووصلت هذه الأنباء إلى صلاح الدين فعاد بقسم من جيشه إلى ضواحي المدينة، لكنه تردد في مهاجمة الصليبيين على الرغم من التفوق العددي للأيوبيين، وذلك لوجود عدد من القادة المهرة المخضرمين في صفوفهم، وكان لهذا التردد في الهجوم أثره الكبير، إذ قام الصليبيون تحت قيادة الملك بلدوين وأرناط آل شاتيونصاحب الكركبهجوم مفاجئ بتاريخ 25 نوفمبرمن سنة 1177م، وأخذوا الأيوبيين على حين غرّة وهزموهم في تل الجزربالقرب من الرملة، وقد حاول صلاح الدين تنظيم صفوف الجيش وحشد الجنود مجددًا، لكنهم تشتتوا، وصُرع في المعركة جميع حرّاسه، فرأى الانسحاب إلى مصروإنقاذ ما تبقى من العساكر

إستعد صلاح الدين لمنازلة الصليبيين مجددًا بعد عودته إلى مصر، فجمع الجنود والعتاد اللازم، ولم تثبط عزيمته رغم الهزيمة التي لحقت به في فلسطين، بل زادته إصرارًا على القتال. وفي ربيع سنة 1178م، نزل الجيش الأيوبي بقرب حمص، وحصلت بضعة مناوشات بينه وبين الجيش الصليبي، وفي شهر ربيع الأول سنة 574 هـ، الموافق فيه شهر أغسطس سنة 1178م، هاجمت فرق صليبية أخرى مدينة حماةوالقرى المجاورة وقتلت بعض السكان، لكنها هُزمت على يد حامية المدينة وأُسر كثير من أفرادها، واقتيدوا إلى صلاح الدين الذي أمر بإعدامهم كونهم "عاثوا فسادًا في أرض المؤمنين".أمضى صلاح الدين بقية العام في الشام دون أي يخوض معارك أخرى،لكن الحال لم يدم طويلاً على هذا النحو، فقد وصلت صلاح الدين أنباء مقلقة من جواسيسه تقول بأن الصليبيين يخططون لشن حملة عسكرية على سوريا الوسطى، فأمر ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بن شاهنشاه بن نجم الدين أيوب، بأن يقف على الجبهة الدمشقية ومعه ألف من الجنود استعدادًا لضبط أي هجوم، وألا يلتحم مع الصليبيين في قتال، وإن حصل وتقدموا إلى المدينة، فعليه الانسحاب وإضاءة المنارات المنصوبة على التلال المحيطة حتى يعلم صلاح الدين بمجيئهم فيُلاقيهم بنفسه. وفي شهر ذي القعدة سنة 574 هـ، الموافق فيه شهر أبريل من عام 1179م، تقدم الصليبيون بقيادة الملك بلدوين نحو دمشقمتوقعين مقاومة ضعيفة، وشرعوا في مهاجمة القرى والرعاة في مرتفعات الجولان، فتصدت لهم فرقة عسكرية أيوبية بقيادة فروخ شاه، ثم انسحبت من أمامهم، فتعقبوها حتى جنوب شرق القنيطرةحيث كان الجيش الأيوبي منتظرًا، فوقعت معركة كان النصر فيها لصالح الأيوبيين.قام صلاح الدين بتعزيز قواته بعد هذا النصر، فطلب من أخاه الأصغر الملك العادل سيف الدين أبو بكر، أن يُرسل إليه 1,500 فارس من مصر لينضموا إلى الجيش في الشام.

 

بقايا حصن مخاضة الأحزان الذي بناه بلدوين الرابعواستولى عليه صلاح الدين.

 

موقع معركة حصن يعقوب بين الأيوبيين والصليبيين.

بحلول صيف عام 1179م، كان بلدوين الرابعقد أقام حصنًا حدوديًا سماه المؤرخون المسلمون "حصن مخاضة الأحزان" على الطريق المؤدية إلى دمشقليؤمنها، وعزم على بناء جسر فوق نهر الأردنهو "معبر يعقوب" (يُعرف اليوم باسم جسر بنات يعقوب) ليصل الأراضي الصليبية بسهل بانياسالذي يفصل بين الإمارات الصليبية والأراضي الإسلامية. اعترض صلاح الدين على هذا المشروع واعتبره عملاً عدوانيًا تجاه المسلمين، وعرض على بلدوين 100,000 قطعة ذهبية مقابل تخليه عن هذا المشروع، لكن الأخير رفض التسوية، فعزم صلاح الدين على مهاجمة الحصن الحدودي وتدميره، ثم سار بجيشه وجعل مركزه بانياس. هرع الصليبيون للقاء المسلمين بعد تلك الخطوة، لكن جيشهم تشتت، حيث تلكأ المشاة في الخلف، واستمر صلاح الدين يستدرجهم بعيدًا حتى ما إن تبين له أن الفرصة سانحة وإن الجيش الصليبي منهك، انقض عليهم واشتبك الجيشان في معركة طاحنة انتصر فيها المسلمون، وأُسر كثير من كبار الفرسان الصليبيين، ثم تحرّك صلاح الدين صوب الحصن وضرب الحصار عليه، ثم دخله فاتحًا في 26 ربيع الأول سنة 575 هـ، الموافق فيه 30 أغسطسمن سنة 1179م.

وفي ربيع سنة 1180م، وبينما كان صلاح الدين في صفديُحضّر لغزو بيت المقدس، راسله الملك بلدوين يعرض فوافق، والواقع أن القحطفي ذلك العام كان دافعًا أساسيًا لكلا الرجلين ليتوقفا عن القتال، حيث ذبلت المحاصيل ولم ينضج منها إلا القليل، فقلّت مؤن الجيشين الصليبي والأيوبي، وأصبح يتعذر على أي منهما ضرب حصار على قلعةأو مدينةتابعة للآخر، دون المجازفة بحدوث مجاعةفي صفوف الجند. رفض ريموند الثالثصاحب طرابلسالالتزام بالهدنة في بادئ الأمر وأصرّ على القتال، لكنه سرعان ما رضخ للمعاهدة بعد أن أغار الجيش الأيوبي على إمارته في شهر مايو، وظهر الأسطول الإسلامي بالقرب من مرفأ طرطوسمهددًا بالهجوم.

القضايا المحلية

كان صلاح الدين قد حاول التقرّب من أمير حصن كيفاالمدعو نور الدين محمد الأرتقيّوني، عندما عرض التوسط بينه وبين عز الدين قلج أرسلان بن مسعود، سلطان سلاجقة الروم، لإنهاء خلاف قائم، حيث كان الأخير قد طالب نور الدين بإعادة بعض الأراضي التي حصل عليها كهدية زفاف بعد زواجه من ابنته، ثم تبيّن أنه يُسيء معاملتها وأن هدفه من ذلك الزواج لم يكن سوى السيطرة على مزيد من المناطق فحسب، وقد قبل نور الدين وساطة السلطان الأيوبي بينما رفضها قلج أرسلان. وفي شهر يونيو من سنة 1180م، استقبل صلاح الدين الأمير نور الدين محمد وأخاه أبو بكر في محاولة لكسب الود وتوطيد العلاقات مع الأرتقيونتمهيدًا لأي مجابهة يُحتمل وقوعها بين الأيوبيين وأمراء الموصلوالأناضولوالملوك الصليبيين، وأرفق كلا الأميرين بهدايا قيل بأن قيمتها تخطت 100,000 دينار.بعد هذا اللقاء، راسل السلطان قلج أرسلان صلاح الدين معلنًا قبوله الوساطة ودخوله في الحلف الأيوبي الأرتقيّوني، فابتهج صلاح الدين لهذا الخبر لما تضمنه من بشائر إعادة توحيد الأراضي الإسلامية، لكن فرحه سرعان ما تحوّل إلى غضب عارم، عندما وصلته رسالة من أرسلان يقول فيها أن نور الدين عاد ليُسيء معاملة زوجته ابنة سلطان آل سلجوق، فهدد صلاح الدين بالمسير إلى ملطيةعاصمة نور الدين ليؤدبه بنفسه ولينهي الخلاف القائم بين حاكمين مسلمين في وقت كان المسلمون فيه بأشد الحاجة لأن يتوحدوا،وفي واقع الأمر فإن صلاح الدين لم يرغب بالمسير إلى نور الدين محمد، ذلك أنه تحالف معه ولم يعد يستطيع أن ينقض هذا الحلف، وفي الوقت نفسه كان للسلطان قلج أرسلان كامل الحق في الخوف على ابنته والدفاع عنها ومنع استغلالها لغايات سياسية، فجاء خطاب صلاح الدين حادًا في سبيل إخافة نور الدين وحثه على الخضوع. ولمّا تبيّن لنور الدين محمد أنه لا يقدر على الجيش الأيوبي، خضع لأوامر صلاح الدين وعز الدين قلج أرسلان، ووافق على أن يُرسل امرأته إلى أبيها طيلة سنة من الزمن، خصوصًا بعد أن جاء في رسالة بعثها إليه صلاح الدين، أنه إن خرق هذا الاتفاق فسوف ينقض صلاح الدين الاتفاقية بينهما.

 

رسم لتمثيل يعود لصلاح الدين من القرن الخامس عشر.

عاد صلاح الدين إلى القاهرةبداية عام 1181موترك فروخ شاه ليتولّى شؤون الشام أثناء غيابه؛ يقول أبو شامة المقدسيأن صلاح الدين كان ينوي تمضية شهر رمضانفي مصر ذلك العام، ومن ثم يذهب للحج في مكة، لكن لأسباب غير واضحة عدل عن حج البيت الحرام، وشوهد في شهر يونيو وهو يتفقد ضفاف النيل. وفي تلك الفترة حدثت بينه وبين البدوبعض الإشكالات، إذ اتهم بعضهم بالإتجار مع الصليبيين، فصادر محاصيلهم وأرغمهم على مغادرة شرق مصر والسكن في غربها، واستولى على ثلثيّ الأراضي التابعة للإقطاعيين منهم وأعطاها لإقطاعيي الفيومليعوضهم عن أراضيهم الخاصة التي هدف أن يجعلها ملكًا عامًا للدولة، كما حوّل بعض السفن الحربية على قراصنة الأنهارمن البدو الذين كانوا يغيرون على المزارع والقرى المجاورة للنيل وفروعه

في صيف سنة 1181م، قاد أخو صلاح الدين سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب،في فرقة عسكرية لاعتقال نائب توران شاهفي بلدة زبيدباليمن، حطان بن كامل بن منقذ الكناني، لاختلاس العوائد المالية للبلدة التي يتولّى أمورها، غير أن صلاح الدين قال أنه ليس هناك من دليل يفيد بصحة ما قيل، وأمر بإطلاق سراحه مقابل 80,000 دينار له شخصيًا ومبالغ أخرى لإخوته.كان اعتقال حطان الكناني المثير للجدل نتاج استياء بعض المقربين من صلاح الدين من إدارة بلاد اليمن بعد أن غادرها توران شاه؛ فعلى الرغم من أن نائبوه استمروا يرسلون خراج البلاد، إلا أن السلطة الأيوبية على اليمن أخذت تضعف بعض الشيء، حيث برز صراع على السيادة بين عز الدين عثمان صاحب عدن وصاحب زبيد، مما جعل صلاح الدين يقول أنها تُكلّف الدولة الأيوبية مصاريف كبيرة ولا تعود عليها بالفوائد المرجوّة والمتوقعة.

توسّع الدولة

فتح أطراف بلاد ما بين النهرين

 

رسم لصلاح الدين الأيوبي.

توفي سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود في 3 صفرسنة 576 هـ، الموافق فيه 28 يونيومن سنة 1180م،وخلفه شقيقه عز الدينفي إمارة الموصل.في 25 رجبسنة 577 هـ، الموافق فيه 4 ديسمبرسنة 1181م، توفي الملك الصالح بن نور الدين زنكي في حلب. قبل وفاته، لما يئس من نفسه استدعى الأمراء فحلفهم لابن عمه عز الدين مسعود بن قطب الدين صاحب الموصل، لقوة سلطانه وتمكنه، ليمنعها من صلاح الدين.رُحّب بعز الدين في حلب، ولكن تملّكه لحلب والموصل كان أمرًا يفوق قدراته، لذا تنازل عن حلب لأخيه عماد الدين زنكي، في مقابل سنجاروالخابوروالرقةونصيبينوسروج وغير ذلك من البلاد. لم يحاول صلاح الدين استغلال تلك الظروف احترامًا للمعاهدة التي عقدها في السابق مع الزنكيين.

وفي 5 محرمسنة 578 هـ، الموافق فيه 11 مايوسنة 1182م، غادر صلاح الدين الأيوبي القاهرة مع نصف الجيش الأيوبي المصري والعديد من المتطوعين إلى الشام. وعندما علم أن القوات الصليبية احتشدت على الحدود لاعتراضه، غير طريقه عبر سيناءإلى أيلة، وهناك لم يلقى صلاح الدين أي مقاومة من قوات بلدوين.وعندما وصل إلى دمشق في يونيو، أغار عز الدين فروخ شاه على بلاد طبرية، واحتل دبوريةوحابس جلدق، وهو أحد الحصون ذات الأهمية الكبيرة للصليبيين.في يوليو، أرسل صلاح الدين فروخ شاه لمهاجمة كوكب الهوا. وفي أغسطس، شنّ الأيوبيون هجومًا بريًا وبحريًا للاستيلاء على بيروت؛ وقاد صلاح الدين جيشه في سهل البقاع، ولما بدا لصلاح الدين أن الهجوم قد يفشل، فضّل إيقاف هجومه والتركيز على مهمته نحو في بلاد ما بين النهرين.

دعا مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين وهو أحد أمراء حران، صلاح الدين لاحتلال بلاد الجزيرة، الواقعة شمال بلاد ما بين النهرين.ومع انتهاء الهدنة بينه وبين الزنكيين رسميًا في جمادى الأول سنة 578 هـ، الموافق فيه شهر سبتمبر من عام 1182م،وقبل سيره إلى بلاد الجزيرة، كان التوتر قد ازداد بين الحكام الزنكيين في المنطقة، نظرًا لعدم رغبتهم في دفع الجزية لصاحب الموصل.وقبل عبوره الفرات، حاصر صلاح الدين حلب لمدة ثلاثة أيام، بمجرد أن انتهت الهدنة.وما أن وصل إلى قلعة البيرة قرب نهر الفرات، حتى انضم إليه كوكبري ونور الدين صاحب حصن كيفا، واستولت القوات المشتركة على مدن الجزيرة الواحدة تلو الأخرى، فسقطت الرهاتلتها سورج ثم الرقةوقرقيسية ونصيبين.كانت الرقة نقطة عبور هامة والتي كانت في يد قطب الدين ينال بن حسان المنبجي، الذي سبق وخسر منبج أمام قوات صلاح الدين الأيوبي عام 1176م. لما رأى قطب الدين كبر حجم جيش صلاح الدين، لم يُقدم على إبداء أي مقاومة واستسلم على أن يحتفظ بممتلكاته. أثار صلاح الدين الأيوبي إعجاب أهالي المدينة بعدما أمر بإلغاء عدد من الضرائب، حيث قال "إن شر الحكام هم من يسمنون وشعوبهم جياع". من الرقة، غزا ماكسين ودورين وعرابان والخابور، والتي خضعت جميعها له.

ثم توجّه صلاح الدين لغزو نصيبين التي سلّمت دون مقاومة. كانت نصيبين بلدة متوسطة الحجم، ليست ذات أهمية كبيرة، لكنها كانت تقع في موقع استراتيجي بين ماردين والموصل ويسهل الوصول إليها من ديار بكر.في خضم هذه الانتصارات، وردت صلاح الدين أخبار تقول أن الصليبيين أغاروا على قرى دمشق. فأجاب «دعهم.. ففي الوقت الذي يهدمون فيه القرى، نستولي نحن على المدن؛ وعندما نعود، سيتعين علينا جمع المزيد من القوة لمحاربتهم».وفي الوقت نفسه، في حلب، داهم أميرها الزنكي مدن صلاح الدين في الشمال والشرق، مثل باليس ومنبج وسورج وبوزيع والقرضين، كما دمر قلعته في بلدة أعزاز لكي لا يستخدمها الأيوبيون إن استطاعوا الاستيلاء عليها.

ضم حلب

بعد الموصل إهتم صلاح الدين بضم حلب، فأرسل شقيقه تاج الملوك بوريلاحتلال تل خالد، الواقعة على بعد 130 كيلومتر شمال شرق الموصل، وجهّز لحصارها، إلا أن حاكم تل خالد استسلم مع وصول صلاح الدين نفسه في 17 مايوقبل ضرب الحصار. بعد تل خالد، قام جيش صلاح الدين الأيوبي بالتوجه شمالاً إلى عينتابلاحتلالها، ومن ثم العودة سريعًا لمسافة 60 كم في اتجاه حلب. وفي 21 مايو، عسكر صلاح الدين خارج حلب، وتمركز بنفسه شرق قلعة حلب، كما طوّقت قواته ضاحية بناقسة في الشمال الشرقي وباب جنان في الغرب، وتمركز باقي رجاله بالقرب من المدينة، على أمل فتحها في أقل وقت ممكن.

 

قلعة حلب، دخلها صلاح الدين في 12 يونيومن عام 1183م.

لم يقاوم عماد الدين زنكي بن قطب الدين مودود لفترة طويلة، حيث لم يكن يحظ بشعبية بين رعاياه، ولرغبته في العودة إلى سنجارالمدينة التي كان يحكمها سابقًا. عقدت مفاوضات بغرض تبادل الأراضي، على أن يسلّم زنكي حلب إلى صلاح الدين الأيوبي في مقابل استعادة سيطرته على سنجارونصيبينوالرقةوالرقة وسروج، وأن تحارب قوات زنكي إلى جانب جيش صلاح الدين. وبحلول 18 صفر 579 هـ / 12 يونيو1183 م، أصبحت حلب في أيدي الأيوبيين.لم يعلم أهل حلب بتلك المفاوضات، لذا فوجئوا حين رأوا راية صلاح الدين الأيوبي مرفوعة فوق قلعة حلب. عندئذ، عرض أميران أحدهما عز الدين جردق الصديق القديم لصلاح الدين خدماتهما على صلاح الدين، الذي رحب بذلك. استبدل صلاح الدين القضاء الحنفيبالقضاء الشافعي، مع وعد بعدم التدخل في القيادة الدينية للمدينة. وعلى الرغم من حاجة صلاح الدين للمال، إلا أنه سمح لزنكي بالمغادرة بكل ما استطاع حمله من خزائن قلعة المدينة، وبيع المتبقي لصلاح الدين نفسه.

على الرغم من تردده فيما مضى في إتمام عملية المبادلة، إلا أنه كان واثقًا من نجاحه لتيقّنه من أن حلب هي "الباب الذي سيفتح له الأراضي" وأن "هذه المدينة هي عين الشام وقلعتها بؤبؤها".بالنسبة لصلاح الدين الأيوبي، كان الاستيلاء على المدينة يمثّل له نهاية أكثر من ثماني سنوات من الانتظار، فقد قال لفروخ شاه "نحن لا نملك إلا الانتظار، وحلب ستكون لنا." فمن وجهة نظره، أنه باستيلائه على حلب سيستطيع الآن تهديد الساحل الصليبي كله.

بعد أن قضى ليلة واحدة في قلعة حلب، سار صلاح الدين إلى حارم بالقرب من أنطاكيةالإمارة الصليبية. كانت حارم تحت حكم "سرخك" أحد المماليكصغار الشأن، الذي قدم صلاح الدين الأيوبي له عرضًا بمدينة بصرىوأراضٍ في دمشق في مقابل حارم، ولكن عندما طلب سرخك الحصول على المزيد، أرغمته حامية البلدة على الخروج،حيث تم إلقاء القبض عليه من قبل تقي الدين نائب صلاح الدين الأيوبي بعد مزاعم بأنه كان يخطط للتنازل عن حارم إلى بوهمند الثالث أمير أنطاكية. بعد استسلام حارم، شرع صلاح الدين الأيوبي في ترتيب دفاعات المدينة استعدادًا للصليبيين، وأوفد إلى الخليفة وأتباعه في اليمنوبعلبكبأنه سيهاجم الأرمينيين. وقبل أن يهم بالتحرك، كان لا بد من تسوية بعض التفاصيل الإدارية، فقد وافق صلاح الدين الأيوبي على هدنة مع بوهمند في مقابل رد أسرى مسلمين كان يحتجزهم، ثم ولّى علم الدين سليمان بن جندر،وهو الأمير الذي انضم إلى صلاح الدين في حلب، إدارة أعزاز، كما ولّى سيف الدين اليزقوج، مملوك عمه أسد الدين شيركوهالسابق الذي أنقذه من محاولة اغتيال في أعزاز، إدارة حلب.

[عدل] حربه من أجل الموصل

مع اقتراب صلاح الدين من الموصل، كان عليه تبرير مسألة الاستيلاء على تلك المدينة الكبيرة.استغاث زنكيو الموصل بالخليفة العباسي الناصر لدين اللهفي بغدادالذي كان وزيره يفضلهم، فأرسل الناصر بدر البدر، وهو شخصية دينية رفيعة المستوى، للتوسط بين الجانبين. وصل صلاح الدين إلى المدينة في 10 نوفمبرسنة 1182م، ولم يقبل عز الدين شروطه لأنه اعتبرها خدعة كبيرة، وعلى الفور ضرب صلاح الدين حصارًا على المدينة المحصنة جيدًا.

 

"صلاح الدين المُظفّر"، رسم من القرن التاسع عشر.

بعد عدة مناوشات طفيفة والمأزق الذي وقع فيه أمام الخليفة، قرر صلاح الدين الأيوبي أن يجد طريقة للانسحاب من الحصار دون أن يلحق ذلك ضررًا بسمعته، لذا قرر أن يهاجم سنجار التي يحكمها شرف الدين أمير أميران هندوا شقيق عز الدين، مع ترك قوة لمواصلة الحصار، فسقطت سنجار بعد حصار دام 15 يومًا في 3 رمضانسنة 578 هـ، الموافق فيه 30 ديسمبرسنة 1182م.لم يلتزم قادة وجنود صلاح الدين بانضباطهم ونهبوا المدينة، وتمكن صلاح الدين بنفسه من حماية حاكم المدينة وضباطه بإرسالهم إلى الموصل. وبعد أن ترك حامية في سنجار، انتظر حتى يجمع جنده من حلب وماردين وأرمينيالمواجهة عز الدين.توجّه صلاح الدين بجيشه للقاء قواته في حران في شهر ذي القعدة من سنة 578 هـ، الموافق فيه شهر فبراير من عام 1183م، وعندما علم عز الدين بقدوم جيش صلاح الدين، أرسل رسله في طلب السلام، وفرّق قواته.

وفي 6 ذي القعدة سنة 578 هـ، الموافق فيه 2 مارسسنة 1183م، كتب العادل من مصر إلى صلاح الدين الأيوبي بأن الصليبيين قد طعنوا قلب الإسلام، فقد أرسل صاحب الكرك أرناط آل شاتيون، سفنًا من خليج العقبةلمداهمة البلدات والقرى قبالة ساحل البحر الأحمر، وعلى الرغم من أن تلك المحاولة لم تكن هادفة لفرض النفوذ الصليبي على البحر أو للتحكم في طرق التجارة، وكانت مجرد قرصنة،كتب عماد الدينبأن الغارة كانت مقلقة للمسلمين لأنهم لم يكونوا معتادين على الهجمات عبر البحر، وأضاف ابن الأثيربأن السكان لم يعهدوا فرنجيًا قط لا تاجرًا ولا محاربًا.

وقال ابن جبيربأن ستة عشر سفن للمسلمين أحرقها الصليبيون الذين استولوا على سفينة حجاج وقافلة في عيذاب. كما ذكر أيضًا أنهم كانوا ينوون مهاجمة المدينة المنورةونهب قبر النبي محمد. وأضاف المقريزيإلى أن شائعات انتشرت تزعم بأنهم كانوا سينقلون جثمان النبي محمد إلى الأراضي الصليبية، لجعل المسلمين يحجون إليها. ولحسن حظ صلاح الدين الأيوبي، كان العادل قد نقل السفن الحربية من الفسطاطوالإسكندريةإلى البحر الأحمرتحت قيادة حسام الدين لؤلؤ قائد الأسطول المصري، فبدأ بمهاجمة القوات التي هاجمت أيلة وهزمها، ثم سار لقتال من هاجموا عيذاب، فأدركهم في ساحل الحوراء(أملج) ودمر معظم سفنهم، فنزلوا إلى البر محاولين الفرار فهزمهم شر هزيمة.أمر صلاح الدين بقتل الأسرى الصليبيين البالغ عددهم 170 مقاتل في عدد من مدن المسلمين.

 

الدولة الأيوبية والدول المجاورة عند نهاية حملة صلاح الدين على إمارات الشاموبلاد ما بين النهرين.

من وجهة نظر صلاح الدين، كانت الحرب ضد الموصل تسير على ما يرام، لكنه لم ينجح بعد في تحقيق أهدافه وبدأ جيشه يتناقص؛ فقد عاد تقي الدين برجاله إلى حماة، وغادر ناصر الدين محمد بن شيركوه بقواته. شجع ذلك عز الدين وحلفائه على الهجوم. فجمع قواته في حرضم الواقعة على بعد 140 كيلومتر من حران. وفي بداية أبريل، ودون أن ينتظر ناصر الدين، بدأ صلاح الدين وتقي الدين تقدمهم ضد قوات عز الدين، متوجهين شرقًا إلى رأس العين دون أن يلقوا مقاومة.وبحلول نهاية أبريل، وبعد ثلاثة أيام من القتال، استولى الأيوبيون على آمد. سلم المدينة نور الدين محمد بن قره أرسلان بخزائنها التي بها 80,000 شمعة، وبرج كامل مملوء بالسهام و1,040,000 كتاب. وفي مقابل إعادته حاكمًا للمدينة، أقسم نور الدين الولاء لصلاح الدين الأيوبي،واعدًا إياه بمساعدته في كل حملاته في الحرب ضد الصليبيين وإصلاح الأضرار التي لحقت بالمدينة. وبسقوط آمد، قرر حاكم ماردين التحالف مع صلاح الدين الأيوبي، وهو ما أضعف تحالف عز الدين.

حاول صلاح الدين الحصول على دعم الخليفة الناصر ضد عز الدين من خلال إرسال رسالة للخليفة يطالبه فيها بمرسوم يعطيه الحق في تملّك الموصل والأراضي التابعة لها. حاول صلاح الدين الأيوبي إقناع الخليفة معللاً طلبه بأنه في الوقت الذي فتح مصر واليمن وأعادها تحت راية العباسيين، كان الزنكيون في الموصل يؤيدون صراحة السلاجقة(منافسي الخلافة)، ولم يخضعوا للخليفة إلا وقت حاجتهم إليه. واتهم أيضًا قوات عز الدين بعرقلة الجهاد ضد الصليبيين، مشيرًا إلى أنهم "لا ينوون القتال فقط، بل ويمنعون الذين يستطيعون ذلك". كما قال صلاح الدين الأيوبي بأنه إنما جاء إلى الشام لقتال الصليبيين وإنهاء بدعة الحشاشين ووضع حد لتخاذل المسلمين. كما وعد أنه إذا أعطيت له الموصل، فسيستولي على القدسوالقسطنطينيةوالكرجوأراضي الموحدينفي المغرب، حتى تصبح كلمة الله هي العليا وتطهّر الخلافة العباسية العالم وتتحوّل الكنائس إلى مساجد. وأكد صلاح الدين أن كل هذا من الممكن أن يحدث بمشيئة الله، وبدلاً من طلب الدعم المالي أو العسكري من الخليفة، قال أنه سيغزو أراضي تكريتوداقوقوخوزستانوجزيرة كيشوعمان، وسيعطيها للخليفة

الحروب ضد الصليبيين

 

أرناط آل شاتيون، أبرز قائد صليبي قاتل صلاح الدين قبل استرجاعه للقدس.

بعد أن نجح صلاح الدين في أن يجمع مصروسورياوغربي شبه الجزيرة العربيةوالعراقفي دولة إسلامية موحدة قوية تحيط بمملكة بيت المقدسوالإمارات الصليبية من الشمال والشرق والجنوب، واطمأن إلى وحدتها وتماسكها، انتقل إلى تحقيق القسم الثاني من مخططه السياسي، وهو محاربة الصليبيين وطردهم من البلاد،وجاءَته الفرصة حين تعرّض أرناط آل شاتيونصاحب الكركلقافلة غزيرة الأموال كثيرة الرجال فأخذهم عن آخرهم ونهب أموالهم ودوابهم وسلاحهم، فأرسل إليه صلاح الدين يلومه ويُقبح فعله وغدره ويتوعده إن لم يطلق الأسرى والأموال، فلما رفض أرسل صلاح الدين، الذي كان آنئذ في دمشق، إلى جميع الأطراف باستدعاء العساكر لحرب أرناط، وتوجه بنفسه إلى بصرى، ومنها إلى الأردنونزل بثغر الأقحوان.

في 9 جمادى الآخرةسنة 579 هـ، الموافق فيه 29 سبتمبرسنة 1183م، عبر صلاح الدين نهر الأردنلمهاجمة بيسانالتي وجدها خاوية. وفي اليوم التالي، أضرمت قواته النار في البلدة،وساروا غربًا، ليعترضوا تعزيزات الصليبيين من حصني الكرك والشوبكعلى طول طريق نابلسوأسروا عددًا منهم. وفي تلك الأثناء، كانت قوة الصليبيين الرئيسية بقيادة غي آل لوزنيان، قرين ملكة القدس سيبيلاأخت بلدوين، قد تحركت من صفوريةإلى العفولة. أرسل صلاح الدين الأيوبي 500 مقاتل لمناوشة قوات الصليبيين، وسار بنفسه إلى عين جالوت. وعندما تقدمت القوات الصليبية، والتي كانت أكبر قوة جمعتها المملكة من مواردها الخاصة، ولكنها كانت لا تزال أقل من قوات المسلمين، تراجع الأيوبيون بشكل غير متوقع إلى عين جالوت. رغم وجود بضع الغارات الأيوبية، بما في ذلك الهجمات على زرعينوالطيبةوجبل طابور، لم يشارك الصليبيون بكامل قواتهم في معركة العفولة، التي قاد فيها صلاح الدين رجاله عبر النهر منسحبًا ببطء.

ومع ذلك، أثارت المزيد من الهجمات الصليبية غضب صلاح الدين الأيوبي. فقد استمر أرناط آل شاتيونيهاجم القوافل التجاريةالعائدة للمسلمين وطرق الحجبأسطول في البحر الأحمر، وهو الممر المائي الذي كان من اللازم لصلاح الدين بقائه مفتوحًا. وردًا على ذلك، بنى صلاح الدين أسطولاً من 30 سفينة لمهاجمة بيروتفي عام 1182م. هدد رينالد بمهاجمة مدن المسلمين المقدسة مكةوالمدينة المنورة، وهو ما رد عليه صلاح الدين بمحاصرة الكرك قلعة أرناط الحصينة مرتين، عامي 1183و1184، فردّ رينالد بنهب قافلة حجيج عام 1185، ووفقًا لمؤرخ القرن الثالث عشرالإفرنجي وليم الصوري، فقد قبض أرناط على أخت صلاح الدين في تلك الغارة على القافلة،وهو ما لم تثبته المصادر المعاصرة، سواءً الإسلامية أو الأوروبية، وذكرت بدلاً من ذلك أن أرناط هاجم القافلة، وأن جند صلاح الدين حموا شقيقته وابنها حتى وصلوا دون أي ضرر.

بعد أن استعصى حصن الكركالمنيع على صلاح الدين أدار وجهه وجهة أخرى وعاود مهاجمة عز الدين مسعود بن مودود الزنكي في نواحي الموصلالتي كان قد بدأت جهوده في ضمها سنة 1182م، إلا أن تحالف عز الدين مع حاكم أذربيجانومملكة جبال، والذي أرسل جنوده عبر جبال زاغروسعام 1185م، جعل صلاح الدين يتردد في هجومه. وحينما علم المدافعون عن الموصل، بأن تعزيزات في طريقها إليهم، ارتفعت معنوياتهم وزادوا من جهودهم، وقد تزامن ذلك مع مرض صلاح الدين، لذا ففي شهر مارس من سنة 1186م، تم التوقيع على معاهدة سلام.

معركة حطين

 

غي آل لوزينيان، ملك بيت المقدس (1186–1192)، شهد عهده القصير معركة حطينواسترجاع المسلمين للقدس.

كان المرضقد اشتد على ملك بيت المقدسبلدوين الرابع، في سنة 1185موما لبث أن توفي في ذلك العام بعد أن سمّى ابن شقيقته بلدوين الخامسخلفًا له، لكن الأخير ما لبث أن توفي خلال سنة، فتولّت العرش والدته سيبيلا، التي ما لبثت أن توّجت زوجها الثاني غي آل لوزينيانملكًا، وكان الأخير قد خُطط له أن يكون وصي العرش بعد بلدوين الرابع، لكن تحالفه مع أرناطوخرقهما للهدنة مع صلاح الدين ومهاجمتهما لقوافل المسلمين التجارية وقوافل الحجاج، الأمر الذي جعل صلاح الدين يُحاصر الكرك، جعلت بلدوين الرابع يعدل عن تسميته خلفًا له بعد مماته.وعندما تولّى غي عرش بيت المقدس ظهرت الانشقاقات بين الصليبين وتوسعت، فلم يكن عدد من الأمراء راضيًا عن توليه، ومن هؤلاء ريموند الثالث "القمص"صاحب طرابلس، الذي دفعه غيظه إلى مراسلة صلاح الدينومصادقته واتفق معه ألا يحاربه ولا يرفع عليه سيف، فقال له: «أنني أملك طبرياأنزل عليها وأستولي عليها وأنا أتركها لك فتقوى بها على الفرنجة وتضعف قلوبهم». فذهب صلاح الدين ونزل قريبًا من طبريافسلمها له صاحب طرابلس، وسمع ملك الفرنجة المتوج حديثًا ما حدث، فحشد العامة في البلاد مع عساكر الساحل وسار للقاء صلاح الدين، وانضم إليه صاحب طرابلس ليتستر على فعله.

 

معركة حطينبين الصليبيين والمسلمين.

 

صلاح الدين يُعدم أرناط صاحب الكرك بيده.

في يوم السبت 25 ربيع الآخرسنة 583 هـ، الموافق فيه 5 يوليوسنة 1187م، نزل الصليبيون قرون حطين،وكان صلاح الدين قد سبقهم إلى هناك وتمركز جيشه في المنطقة العليا منها حيث نبع المياه، وكانت تجهيزات الفرنجة الحربية الثقيلة هي سبب تأخرهم في الوصول، ولمّا حصل ووصلوا إلى الموقع كانوا هالكين من العطش لدرجة أنهم شربوا الخمربدلاً من الماء فسكر منهم الكثير، وهاجموا جيش صلاح الدين فقُتل من الفريقين عدد من الجنود، وكان الصليبيون متحمسين في البداية للحصول على الماءفهزموا المسلمين في أول النهار ولكن دارت الدوائر في آخر النهار، فإنقض الأيوبيونعلى الجيش الصليبي ومزقوا صفوفه، واستمرت المعركة ساعات طويلة، وما أن انقشع غبارها حتى تبيّن مدى الكارثة التي لحقت بالصليبيين، فقد خسروا زهرة شباب جنودهم، وقُتل العديد من الفرسان والضبّاط المخضرمين، ووقع الملك غي آل لوزينيانوأخوه وأرناطصاحب الكرك وغيرهم من كبار الصليبيين بالأسر.أما ريموند الثالث صاحب طرابلس، فقد تظاهر بالهجوم على المسلمين، فمر بين صفوفهم وذهب ولم يرجع كأنه أنهزم، واتجه إلى مدينة صورومكث بها.

بعد هذا النصر جلس صلاح الدين في خيمته، وأمر بإحضار الملك غيوأخوه وأرناط، فلمّا مثلوا أمامه قدّم للملك شربة من جلاّبوثلج، فشربها وكان على أشد حال من العطش، ثم ناولها لأرناط، فقال صلاح الدين للترجمان: «إنما ناولتك، ولم آذن لك أن تسقيه، هذا لا عهد له عندي»،وذلك كون العادة السائدة كانت أنه لو شرب الأسير أو أكل من مال من أسرة أمن، وكان صلاح الدين قد نذر أنه لو ظفر بأرناط قتله بعد أن قتل من المسلمين خلقًا كثيرًا.بعد ذلك أمر صلاح الدين بإحضار بعض الطعامللملك غي، وما أن انتهى حتى أمر بإحضار أرناط، وأوقفه بين يديه ثم قال له: «نعم أنا أنوب عن رسول اللهفي الانتصار لأمته»،ودعاه إلى اعتناق الإسلام، فرفض وقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي محمد، فسلّ صلاح الدين سيفه ودق عنق أرناط، وأمسكه الجنود وأخرجوا جثته ورموها على باب الخيمة، ورآه الملك غي يتخبط في دمائه ويلفظ أنفاسه الأخيرة فخاف وشحب لونه معتقدًا أنه لاحق به،فاستحضره صلاح الدين وطيّب قلبه وقال له:

   

 

أنا أحدثك حديث الأمراء، لا تخاف يا ملك فلنتموت اليوم، بل تحيا ولو بقي في قومك بقية كنت أملكك عليهم وأساعدك بمالي ورجاليطول أيام حياتك. إن سبب ما فعلته به أنالكرككانت طريق التجاروالمسافرين فكان يعتدى على القوافل بظلم وعنف، وكان ملوك المسلميننورالدينوغيره يطلبون الصلح معه ليخففوا ضرره على المسلمين، فكان يوافقهم مرة ولايعتدي على التجار وألف مرة يعتدي. فلما تملّكت وحكمت البلاد أرسلت له وهاديته بمالكثير وخلع.. فحلف لرسولي أنه لن يؤذي المسلمين وسيترك التجار بلا ضرر ويمهد لهمالطريق ولن يعتدي أي واحد من أصحابه عليهم، وبعد الصلح بثلاثة أيام عبرت قافلةقاصدةدمشقفساقهابجمالها ورجالها وأموالها وذهب بها إلى الكرك فأسر رجالها وأخذ الأموال فلما عرفتبأمر نقوضه العهد كتمت الغيظ ونذرت لله أنني متى ظفرت به أذبحه واقطع رقبته، فلاتلومني يا ملك.

   

 

 

 

صلاح الدين وغي آل لوزينيانبعد معركة حطين.

ثم استدعى خادمه وسأله أن يحضر شراب فجاء به فأخذه بيده وشرب منه وناوله للملك فشربه وأعطى له ولأصحابه خيمة وجعل عليها حراسًا لحراسته واحتفظ به، وأرسله إلى دمشقأسيرًا، يرافقه القاضي ابن أبي عصرون، حتى تنتهي الحرب وتُفتتح القدس، وأرسل معه أيضًا صليب الصلبوت، وهو الصليب الأعظم عند الصليبيين والذي قيل بأن فيه قطعة من الخشبة التي صُلب عليها المسيح، وكان يُغلّف بالذهبواللآلئوالجواهرالنفسية، وكان يتقدم الجيش الصليبي على الدوام، وحملوه معهم يوم حطين، وأودع في قلعة دمشقعند وصوله.

 تحرير الساحل الشامي

 

حصار الأيوبيين لمدينة يافا.

رأى صلاح الدين ألا يتوجه مباشرة لفتح القدسبعد انتصار حطين، وإنما رأى أنه من الأسلم أن يسير لفتح مدن الساحل ومن ثم الهجوم على القدس، فرحل طالبًا عكاوكان نزوله عليها يوم الأربعاء، وقاتل الصليبيين بها بكرة يوم الخميس مستهل جمادى الأولى سنة 583 هـ، فأخذها وأنقذ من كان بها من أسرى المسلمين، وكانوا أكثر من 4 آلاف شخص،واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع كونها كانت المرفأ التجاري الرئيسي للصليبيين ونافذتهم على وطنهم الأم في أوروبا. ثم تفرقت الجنود الأيوبية في الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة، ففتحوا نابلسوحيفاوالناصرةوقيساريةوصفوريةبعد أن خلا معظمها من الرجال إما لمصرعهم على أرض المعركة أو لوقوعهم في الأسر أو لهربهم من أمام الجيش الأيوبي بعد أن قل عددهم.ولمّا استقرت قواعد عكا، قسّم صلاح الدين أموالها بين أهلها، وأبقى بعض القادة الصليبيين في الأسر وأطلق سراح بعض الجنود، ثم سار يطلب قلعة تبنين، فوصلها يوم الأحد في 11 جمادى الأولىمن نفس السنة، فنصب عليها المناجيقوضيّق عليها الحصار، وقاومت حاميتها مقاومة عنيفة قبل أن تستسلم ويدخلها الجيش الأيوبي، ثم ارتحل بعد ذلك قاصدًا صيداوتسلمها في اليوم التالي لوصوله.

وفي أثناء توجه صلاح الدين لفتح بيروتفي سنة 1187م، لقيه الأمير جمال الدين حجي التنوخي في بلدة خلدة وسار معه لحصار المدينة، فضرب الإثنان عليها الحصار ودخلوها بعد 7 أيام، وكافأ صلاح الدين الأمير التنوخي على ولائه له وثبته على إقطاعات آبائه وأجداده وزاد عليها حتى شملت منطقة الغرب كلها، الممتدة من جنوبي بيروت حتى أعالي جبل لبنان، وكذلك فعل مع الأمراء الشهابيينفي سهل البقاع، فقد كان هؤلاء يقاتلون الصليبيين طيلة فترة من الزمن انتهت باستيلائهم على حاصبياوما حولها، فسُرّ صلاح الدين بذلك وولّى الأمير منقذ الشهابي على البلاد التي فتحها.وفي أثناء حصار صلاح الدين لبيروت، كانت فرقة عسكرية أيوبية قد استرجعت جبيلمن أيدي الصليبيين، ولمّا فرغ من هذا الجانب رأى أن قصده عسقلانأولى لأن حصارها وفتحها أيسر من حصار صور، فأتى عسقلان وتسلّم في طريقه إليها مواقع كثيرة كالرملةوالدراوم، وأقام في عسقلان المناجيق وقاتلها قتالاً شديدًا حتى استسلمت حاميتها، وأقام عليها إلى أن تسلّم أصحابه غزةوبيت جبرينوالنطرون بغير قتال، وهكذا كان صلاح الدين قد استرجع أغلب ساحل الشام، ولم يصمد في وجهه غير مدينتيّ طرابلسوصوروقسمًا من إمارة أنطاكية.

فتح القدس

مقال تفصيلي :حصار القدس (1187)

 

صلاح الدين وقد ضرب الحصار على القدس.

ظل صلاح الدين في عسقلانحتى نظم إدارتها وسلمها إلى أحد مماليكهواسمه علم الدين قيصر، وأعطاه ولاية عسقلان والقطاع الذي حولها ورحل منها وتوجه إلى القدسلفتحها، ووصلها يوم الخميس في 11 رجبسنة 583 هـ، الموافق فيه 20 سبتمبرسنة 1187م، من جهة عين سلوانحتى يكون الماء قريب من جيشه وأمر جنده بمحاصرة المدينة في هيئة دائرية، وصلى المسلمين على الجبل الذي حولها يوم الجمعة، وزحفوا للقتال بعد الصلاة، ولم يكن في المدينة المقدسة قوة كبيرة لحمايتها من الهجوم الأيوبي، حيث لم يزيد عدد الجنود عن 1400 جندي، أما الباقون فكانوا من الفقراء والأهالي الذين لا خبرة لديهم في القتال وكان باليان بن بارزانفارس من فرسان الفرنجةالكبار يسكن مدينة القدس ويتولى شؤونها منذ أن غادرها الملك غي، وكان باليان هذا هو صاحب مدينة الرملة،وقاد القتال في ذلك اليوم وانضم إليه الكهنة والشمامسة، وكان ماهرًا في إدارة القتال وتوجيه المقاتلين أمام قوات صلاح الدين، وكان خوفه الأكبر أن يقتل المسلمين كل مسيحيي القدس عند دخولهم كما فعل الصليبيون عندما فتحوا المدينة قبل ما يزيد عن قرن من الزمن، فحث السكان أن يدافعوا عن حياتهم ومقدساتهم حتى الرمق الأخير، وعندما أرسل له صلاح الدين أن يسلم المدينة ويطلب الأمان لم يفعل، وأصر على القتال واستمر في الحرب لمدة 14 يومًا.

ولما رأى صلاح الدين أن الحرب ستكون شديدة ولم يقدر على احتلال مدينة القدس، أحضر يوسف البطيط، وهو رجل مسيحي أرثوذكسيمقدسي، انتقل إلى مدينة دمشقوسكن فيها وكان له معرفة بأمراء مسلمين وفرنجة، وكان ممن يعرفهم صلاح الدين، وكان يعرف كذلك أبوه وعمه أسد الدين شيركوهوهم بدمشق في خدمة نور الدين زنكيقبل أن يحكموا مصر،ولما ملك صلاح الدين مصر وحكمها، جاء إليهم ليعمل معهم فاستخدمه الملك العادل أبو بكر أخو صلاح الدين وأعطاه عطايا، وسكنًا في قصر الخليفة في قاعة باب الذهب في القصر الشرقي بالقاهرة، واستخدمه صلاح الدين لمراسلة الفرنجة، وكان يعرف أحوال البلاد وأهلها كما كان يعرف كبار فرسان تلك البلاد، فطلب منه أن يتفق مع المسيحيين الأرثوذكس من عربوروم يوعدهم بالخير والعفو عنهم إذا لم يساعدوا الفرنجة في القتال وأن يسلموا المدينة لصلاح الدين من الجهة التي يسكنون بها في القدس فيُهلكوا الفرنجة،الذين رفض صلاح الدين أن يعفي عنهم بحال فتح المدينة، حتى هدد باليانبقتل الرهائن المسلمين، والذين يُقدّر عددهم بأربعة الآف مسلم، وتدمير الأماكن الإسلامية المقدسة، أي قبة الصخرةوالمسجد القبلي، الذان يُشكلان المسجد الأقصى، إذا لم يعف صلاح الدين عنهم.

 

باليان بن بارزانصاحب الرملةونابلسوحامي القدس، يُسلّم المدينة للسلطان صلاح الدين الأيوبي.

 

السكّان الفرنجة بين يديّ صلاح الدين بعد استرجاعه للقدس.

استشار صلاح الدين الأيوبي مجلسه وقبل هذه الشروط، على أن يتم دفع فدية على كل من فيها مقدارها عشرة دنانير من كل رجل وخمسه دنانير من كل امرأة ودينارين عن كل صبي وكل صبية لم يبلغ سن الرشد، فمن أدى ما عليه في المهلة التي قدرها أربعين يومًا، صار حرًا.ثم سمح صلاح الدين بعد أن إنقضت المهلة لمن لم يستطع الدفع منهم بالمغادرة دون فدية،ولكن تم بيع معظم المقاتلة منهم عبيدًا.دخل صلاح الدين المدينة في ليلة المعراجيوم 27 رجبسنة 583 هـ، الموافق فيه 2 أكتوبرسنة 1187م، وسمح لليهودبالعودة للمدينة،وهو ما دفع سكان عسقلان من اليهود لاستيطان القدس.وأغلق صلاح الدين كنيسة القيامةبوجه الفرنجة بعد فتح المدينة، وأمر بترميم المحراب العمريالقديم وحمل منبر مليح من حلبكان الملك نور الدين محمود بن زنكي قد أمر بصنعه ليوضع في المسجد الأقصى متى فُتح بيت المقدس، فأمر صلاح الدين بحمله من حلب ونُصب بالمسجد الأقصى،وأزيل ما هناك من آثار مسيحية منها الصليبالذي رفعه الإفرنج على قبة المسجد، وغُسلت الصخرة المقدسة بعدة أحمال ماء وردوبُخّرت وفُرشت ورُتّب في المسجد من يقوم بوظائفه وجُعلت به مدرسة للفقهاء الشافعية، ثم أعاد صلاح الدين فتح الكنيسة وقرر على من يرد إليها من الفرنج ضريبة يؤديها.

وقد ابتهج المسلمون ابتهاجًا عظيمًا بعودة القدسإلى ربوع الأراضي الإسلاميةوالخلافة العباسية، وحضر ناس كثيرون ليسلموا على السلطان ومن هؤلاء الرشيد أبو محمد عبد الرحمن بن بدر بن الحسن بن مفرج النابلسي، الشاعر المشهور، فأنشد صلاح الدين قصيدة طويلة من مائة بيت يمدحه ويُهنئه بالفتح،ومما جاء في القصيدة:

    هذا الذي كانت الآمال تَنْتَظِرُ

 

 

فَلْيوفِ لله أقوامٌ بمانَذَر

هذا الفتوحُ الذي جاء الزمانُ به

 

 

إليك من هفوات الدهر يعتذرُ

تَجُلّ علياه عن دح يُحيط به

 

 

وصفٌ وإن نظم المّدَاح أونثروا

لقد فتحتَ عَصيّاً من ثُغورهمُ

 

 

لولاك ما هُدَّ من أركانهاحَجَرُ

 

حصار صور وعكا

مقال تفصيلي :حصار عكا

 

حصار صورمن قبل الجيش الأيوبي سنة 1187.

كان معظم أمراء الفرنجة وفرسانها يذهبون إلى المدن الحصينة التي ما زالت في أيديهم مثل أنطاكيةوصور، وكانت الأخيرة يحكمها ملك من ملوك أوروباهو كونراد مركيز مونفيراتو، ويقول البعض أنه رومي ابن اخت إمبراطور القسطنطينية.وكانت صور أكثر أهمية من الناحية الإستراتيجية من القدس، لذا كان من المتوقع أن يقوم صلاح الدين بفتحها أولاً، لكنه فضّل استرجاع المدينة المقدسة أولاً ليرفع من معنويات المسلمين قبل التوجه لحصار المدينة المحصنة. وقبل حصار صور توجّه صلاح الدين بجيشة إلى قلعة صفدوحاصرها سبعة شهور، ولمّا نفذ الطعام وجاعت الحامية اضطروا أن يسلموا القلعة له وطلب الأمان، وعندما غادرها جنود الفرنجة وفرسانهم ذهبوا إلى صور وكانت كل قلعة أو حصن أو مدينة تطلب الأمان ويسلمونها إلى صلاح الدين، كان الفرنجة يغادرونها إلى صور فقويت بوجود فرسان الفرنجة فيها، فصمدت في وجه صلاح الدين سنة كاملة، أضف إلى ذلك أن المركيز ظلّ يقوّي ويحمي ويدبر احتياجات المدينة طيلة أيام الحصار، حتى دبّ اليأس إلى فؤاد السلطان، ففك الحصار عنها مؤجلاً تحقيق الفتح إلى فرصة قادمة. وفي سنة 1188مأطلق صلاح الدين سراح الملك غي آل لوزينيانوأعاده إلى زوجته سيبيلا، فذهبا ليعيشا في طرابلس، ثم توجها إلى أنطاكية، قبل أن يُقررا الذهاب إلى صور، لكن كونراد رفض السماح لهما بالدخول إلى المدينة كونه لم يعترف بشرعيّة ملكيّة غي.

 

حصار عكا.

وبعد أن انصرف صلاح الدين عن صفد واصل فتح المدن والقلاع ففتح جبلةواللاذقيةوحصون صهيون وبكاس والشغر وسرمينية وبرزية ودرب ساك والكرك وكوكب، كما سعى بوهمند الثالثصاحب أنطاكيةلمهادنة صلاح الدين لمدة ثمانية أشهر، فقبل صلاح الدين ذلك على أن يطلق بوهمند من عنده من أسرى المسلمين.لما ضجت صور بمن لجأ إليها من الفرنجة، قام بعض رهبانهم وقسسهم بشحن الفرنجة للثأر لفقدان بيت المقدس، فرأوا أن يهاجموا عكا، فجمعوا قواتهم وضربوا عليها حصارًا بريًا بحريًا في 15 رجب585 هـالموافق 28 أغسطس1189م.استنجدت حامية المدينة بصلاح الدين فأرسل إلى عماله وحلفاؤه يطالبهم بالاسراع إلى نجدة المدينة، فوافاه عسكر الموصل وآمد وسنجار وغيرها من بلاد الجزيرة وحران والرُّها، كما وافاه أخاه الملك العادل أبي بكر بن أيوب في جند مصر والأسطول المصري بقيادة حسام الدين لؤلؤ، فدارت بين الفريقين معارك عظيمة لم يكتب فيها الغلبة لأي من الفريقين.

الحملة الصليبية الثالثة

 

السلطنة الأيوبية بعد استرجاع بيت المقدسوساحل الشام، وعند وصول الحملة الصليبية الثالثة.

كانت معركة حطينوفتح القدس سببين رئيسيين لخروج الحملة الصليبية الثالثة، حيث حثّ البابا غريغوري الثامنملوك أوروبا على شن حملة صليبية جديدة لاستعادة بيت المقدس، فكان أول من لبى النداء الإمبراطور الألمانيفريدريش بربروساالإمبراطور الروماني المقدسالذي سار بجيشه برًا عبر المجرورومانياحتى بلغ القسطنطينية، والتي كان إمبراطورها إسحق الثانيقد تحالف سرًا مع صلاح الدين، ألاّ يسمح أحدهما لأي قوّات بتهديد أراضي الآخر، إلا أنه لم يقوى على منع قوات فريدريش لكثرة عددهم، لكنه لم يسمح بتزويدهم بالمؤن. راسل فريدريش أبناء سلطان سلاجقة الروم قلج أرسلان الثاني وقد كانوا قد حجروا على أبيهم، للمرور من خلال أراضيهم، فسمحوا له، وأرسل قلج أرسلان الثانييعتذر لصلاح الدين على عدم قدرته على منع الألمان من المرور من أراضيه، فبلغت الرسل صلاح الدين وهو يحاصر عكا.

رغم ذلك، فقد فشلت حملة فريدريش في الوصول إلى الشرق، لطول المسافة وحلول الشتاء على الجيش المرتحل ومقاومة بعض أمراء المناطق التي مرت بها الحملة للجيش الغازي وقلة المؤن، خاصة بعد امتناع إسحق الثاني إمبراطور الروم عن إمدادهم بالمؤن، إضافة إلى غرق فريدريش بربروسا نفسه في أحد الأنهار بالقرب من أنطاكية، والخلافات التي تبعت وفاته على من يخلفه، وقد أثارت أنباء فشل حملة بربروسا الغبطة في المعسكر المسلم المدافع عن عكا.

 

"إعدامالسراسنة"، رسم يُظهر الملك ريتشارد الأول "قلب الأسد"وهو يُعدم السجناء المسلمين بعد استرجاعه مدينة عكا.

لم تتوقف الحملة عند ذلك، بل تصدى لتلك الحملة أيضًا ملكان من أكبر ملوك أوروبا في ذلك الوقت هما ريِتشارد الأول "قلب الأسد"ملك إنگلتراوفيليپ أغسطسملك فرنسا، اللذان مُوِّلاها بفرض ضريبة خاصة عُرفت بعشور صلاح الدين(بالإنگليزية: Saladin tithe؛ وبالفرنسية: Dîme saladine) في إنگلتراوأجزاء من فرنسا، وانضما إلى حصار عكا، التي سقطت في عام 587 هـ، الموافق لعام 1191م، أمام القوات التي يقودها ريتشارد، وأُعدم فيها ثلاثة آلاف سجين مسلم منهم نساء وأطفال.ردّ صلاح الدين بقتل كل الفرنجة الذين أسرهم بين 28 أغسطس و 10 سبتمبر، وقد كتب بهاء الدين بن شداد"وبينما كنا هناك أحضروا اثنين من الفرنجة الذين تم أسرهم إلى السلطان صلاح الدين، وعلى الفور أمر بقطع رؤوسهم."وفي 15 شعبانسنة 587 هـ، الموافق فيه 7 سبتمبرسنة 1191م، اشتبكت جيوش صلاح الدين مع جيوش الصليبيين بقيادة ريتشارد قلب الأسد في معركة أرسوفالتي انهزم فيها صلاح الدين،إلا أن الصليبيين لم يتمكنوا من التوغل في الداخل وبقوا على الساحل، وبقيت الحرب سجال بين الفريقين، وفشلت كل محاولات الفرنجة لغزو القدس.

لجأ الفريقان بعد ذلك إلى الصلح، وعقدت هدنة في 20 شعبانسنة 588 هـ، الموافق فيه 1 سبتمبرسنة 1192م، لمدة ثلاث سنوات وثمانية أشهر تبدأ من ذاك التاريخ، بعد أن أجهدت الحرب الفريقين، التي بموجبها تنحصر مملكة بيت المقدس الصليبية في شريط ساحلي ما بين يافاوصور، وتظل القدس في أيدي المسلمين مع السماح للمسيحيين بالحج إليها.ومع ذلك، كانت علاقة صلاح الدين مع ريتشارد يسودها الاحترام المتبادل والشهامة بعيدًا عن التنافس العسكري، فعندما أصيب ريتشارد بالحمى، عرض صلاح الدين الأيوبي عليه خدمات طبيبه الشخصي، وأرسل إليه فاكهةمثلجة. وفي أرسوف، عندما فقد ريتشارد جواده، أرسل إليه صلاح الدين الأيوبي اثنين محله. كما عرض ريتشارد على صلاح الدين فلسطين موحدة للمسيحيين الأوروبيون والمسلمين عن طريق تزويج أخت ريتشارد الأول بأخو صلاح الدين وأن تكون القدس هدية زفافهما، على أن يكون ما فتحه المسلمون تحت حكم العادل وما بيد الفرنجة تحت حكم أخت ريتشارد، إلا أن الأمر لم يتم.إلا أن الرجلين لم يلتقيا أبدًا وجهًا لوجه وكان التواصل بينهما بالكتابة أو بالرسل.

ولما تم الصلح سار صلاح الدين إلى بيت المقدس وحصّن أسوارها، وأدخل كنيسة صهيون داخل أسوارها، وبنى فيها مدرسة ورباطًا للخيل وبيمارستان، وغير ذلك من المصالح، وقضى بالمدينة شهر رمضان من سنة 588 هـ، ثم تركها في 5 شوالمتوجهًا إلى دمشق حيث قضى آخر أيامه.

وفاته

 

صورة صلاح الدين معلقة على ضريحه بدمشق.

 

قبر صلاح الدين في دمشق.

كانت المواجهة مع الملك ريتشاردومعاهدة الرملةآخر أعمال صلاح الدين، إذ أنه بعد وقت قصير من رحيل ريتشارد، مرض صلاح الدين بالحمى الصفراوية يوم السبت في 20 فبرايرسنة 1193م، الموافق فيه 16 صفرسنة 589 هـ، وأصابه أرقفلم ينم الليل إلا قليلاً، وأخذ المرض يشتد ويزيد، حتى قال طبيبه الخاص، أن أجل السلطان أصبح قاب قوسين أو أدنى، واستمر المرض يشتد حتى انتهى إلى غاية الضعف، وبعد تسعة أيام حدثت له غشية وامتنع من تناول المشروب، ولمّا كان اليوم العاشر حُقن دفعتين، وحصل له من الحقن بعض الراحة، لكنه عاد واشتد عليه المرض حتى يأس الأطباء من حاله.توفي صلاح الدين فجر يوم الأربعاء في 4 مارسسنة 1193م، الموافق فيه 27 صفرسنة 589 هـ، فأفجع موته المسلمين عمومًا والدمشقيين خصوصًا، وبكاه الكثيرون عند تشييعه وقيل إن العاقل حتى كان ليُخيل له أن الدنيا كلها تصيح صوتًا واحدًا من شدة البكاء، وغشي الناس ما شغلهم عن الصلاة عليه، وتأسف الناس عليه حتى الفرنج لما كان من صدق وفائه،ودُفن بعد صلاة عصر ذلك اليوم في المدرسة العزيزيةقرب المسجد الأمويفي دمشق، إلى جوار الملك نور الدين زنكي، وعندما فُتحت خزانته الشخصية لم يكن فيها ما يكفي من المال لجنازته، فلم يكن فيها سوى سبعة وأربعين درهمًا ناصريًا ودينارًا واحدًا ذهبًا، ولم يخلف ملكًا ولا دارًا، إذ كان قد أنفق معظم ماله في الصدقات.

في ساعة موته، كتب القاضي الفاضل، قاضي دمشق، إلى ولده الملك الظاهرصاحب حلبرسالة قال فيها: «﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾۞﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ كتبت إلى مولانا الملك الظاهر أحسن الله عزاءه، وجبر مصابه، وجعل فيه الخلف من السلف في الساعة المذكورة وقد زلزل المسلمون زلزالاً شديدًا، وقد حضرت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعًا لا تلاقي بعده وقبلت وجهه عني وعنك، وأسلمته إلى الله وحده مغلوب الحيلة، ضعيف القوة، راضيًا عن الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وبالباب من الجنود المجندة، والأسلحة المعمدة ما لم يدفع البلاء، ولا ما يرد القضاء، تدمع العين، ويخشع القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وأنا بك يا يوسف لمحزونون. وأما الوصايا، فما تحتاج إليها، والأراء، فقد شغلني المصاب عنها، وأما لائح الأمر، فإنه إن وقع اتفاق، فما عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن كان غير ذلك، فالمصائب المستقبلة أهونها موته، وهو الهول العظيم والسلام».

 

مقام صلاح الدين.

وكان ڤيلهلم الثانيإمبراطور ألمانيا عندما زار دمشق توجه إلى مدفن صلاح الدين ووضع باقة زهور جنائزية على قبره عليها نقش معناه "ملك بلا خوف ولا ملامة، علّم خصومه الفروسية الحقيقية"،كما أهدى نعشًا رخاميًا للضريح إلا أن جثمان صلاح الدين لم يُنقل إليه، وبقي في النعش الخشبي، وذلك لأن الإسلاميُحّرم نبش القبور وإخراج الأموات لأغراض غير شرعيّة ويُصنّف ذلك انتهاكًا لحرمة القبر، لهذا بقي النعش الهدية في الضريح خاويًا إلى اليوم.

صلاح الدين في الإعلام والأدب

الإعلام

 

غسان مسعودبدور صلاح الدين في فيلم مملكة السماء.

ظهرت شخصية صلاح الدين في عدد من الأفلام السينمائيّةوالمسلسلات التلفزيونية، وفي أغلب الأحيان أدّى الأدوار ممثلون عرب من سورياأو مصر، أما أبرز الأعمال الفنية المرئية التي تناولت شخصية صلاح الدين: الناصر صلاح الدين، وهو فيلم يعود لسنة 1963ممن إخراج يوسف شاهين، وبطولة الممثل المصري أحمد مظهر، الذي أدّى دور صلاح الدين، ومسلسل صلاح الدين الأيوبيمن بطولة الممثل السوري جمال سليمان. أما أبرز الأعمال الفنية السينمائية التي تناولت شخصية صلاح الدين، فكان فيلم مملكة السماء(بالإنگليزية: Kingdom of Heaven) للمخرج البريطاني السير ريدلي سكوت، وفيه أدّى الممثل السوري غسان مسعوددور صلاح الدين، وقد استُقبل هذا الفيلم بالترحيب في العالمين العربيوالإسلامي، وقال رواد دور السينما إنه يقدم شيءًا مختلفًا عن الصورة النمطية للعرب والمسلمين في أفلام هوليوودبوصفهم إرهابيين، كذلك أُثني على أداء غسان مسعود لدور القائد التاريخي، وعلى نص وإخراج ريدلي سكوت، الذي صوّر صلاح الدين بأمانة شديدة وأظهر جوانب الفروسية في شخصه، والاحترام المتبادل بينه وبين بلدوين الرابعملك بيت المقدس، وقد قال بعض النقّاد أن غسان مسعود كان سيترك انطباعًا أفضل إذا ما أعطاه سكوت مساحة أكبر "فقد رأينا لمحات من بطولته، وذلك لا يلبي كل الطموحات، ولكن لا نستطيع أن نطلب من ريدلي سكوت أن يقدم كل شيء، حسبه إنه قدم صورة بها قدر من التوازن".

الأدب

أثارت رواية طارق علي"كتاب صلاح الدين الأيوبي"،الاهتمام بصلاح الدين والعالم الذي عاش فيه. كما أن الشاعر دانتي أليغييريمؤلف الكوميديا الإلهيةقد وضعه في المطهر مع عدد من الشخصيات التي عدها كافرة - وفق معتقده المسيحي الكاثوليكي- لكنها في نظره شخصيات صالحة وسامية أخلاقيًا (وضع دانتي الرسول محمدفي المطهر كذلك). كما أن صلاح الدين يُصوَّر بشكل مقبول في رواية والتر سكوت"التعويذة" (بالإنگليزية: The Talisman) المكتوبة سنة 1825م

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • أحمد عكاش | 2012-12-06

    الأخت (لطيفة) لم أنتبه إلى أنَّ جهاز الحاسوب لم يذكر لك اسمي في أعلى الرد:

    فلم يقل لكِ إنّني (أحمد عكاش)،

    وأنَّ  لادي يبدأ بـ البسملة، ثمَّ: إزاء هذه الجهود المبذولة..

  • | 2012-12-06

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إزاء هذه الجهود المبذولة، وهذا السخاء في العطاء، وهذا القَدْرِ من الإنتاج،

    لا يَسَعُ المرءَ إلاَّ أنْ يلهج بالشكر والثناء على الزميلة (لطيفة الخالد)، فما بعد هذا الجود جود،

    كُنَّا نتطلّع إلى بضع صفحات عن أيِّ بطلٍ من أبطال أُمّتنا،

    وكنّا قَدْ وَطّنّا أنفسنا على أن نقنع بها، وأن تغمرنا السعادة بما سيتحقّقُ،

    لكنّا بِمَنٍّ مِنَ الموْلى تعالى فُوجئنا -وبعضُ المفاجآتِ تسُرُّ- بمقال مُطوَّلٍ

    يصلُحُ أنْ يكون نواةَ كتابٍ كامل، ومرجِعاً ثِقَةً لِطالبِ علمٍ، يجدُ فيهِ لكلّ استفسارٍ إجابةً مُستفيضةً شافيةً كافيةً، وليس عن بطلٍ عاديٍّ عَبَرَ أُفُقَ حياتنا وتاريخنا حيناً ثمَّ أَفَلَ نجمُهُ، بلْ أتحفتْنا الزميلةُ بترجمةٍ عن علمٍ من أكثر أعلام أُمّتنا شموخاً، وأعمقِهمْ أثراً في تاريخنا الإسلاميِّ العربيّ،

    إنَّهُ (صلاح الدين الأيّوبي)، الذي وضعَ حدّاً حاسماً لأطماع الفرنجة الغربيّين في خيرات شرقِنا الإسلاميِّ العربي,

    فالصليبيّون الذين سال لُعابُهم شهوةً لكنوز الشرق، ومحاصيله الكريمة، خرجوا من بلادهم يَحْدوهمُ الجشعُ، ويُسيّرهم الحقْدُ، ورفعوا (الصليبَ) شعاراً يتستّرون خلفَهُ، وهم يُدركون أنَّ المسلمين وأشقّاءَهم النّصارى يتعايشون في الشرق الإسلاميّ تماماً كما تتعايش النُّجومُ في أفلاكها، لا يطغى نجمٌ على نجمٍ، بل يتآلفُ الجميعُ زينةً للسماء، وهدايةً لأبناء السبيل على الأرض,.

    ساقت لنا الزميلة (لطيفة خالد) سيرةً مُفصّلةً لحياة هذا العَلَمِ، فشقّت لنا - معشرَ الكُتّاب - سبيلاً للفلاح لمن أحبَّ الاقتداء، ونقرُّ لها بعجزنا عن سدادها ما علينا من واجبات.

    ولكن كلمة الحقّ يجب أن تُقال، لذا نُعلنُ أنَّا نأخذ على مقالها أمريْنِ اثنينِ لا ثالث لهما:

    1- غَلَبَ على الآسلوب ( السّرْدُ التّاريخيّ)، السردُ التاريخيُ بكلّ تفاصيله، وتوثيقه التاريخيّ والمكانيّ، بأرقامة وأسمائهِ ,,, حتّى لقد كدنا ننسى أنّنا إزاء (نصٍّ أدبيّ)، وأوشكْنا نتخيّل أُستاذ التاريخ -رحمة الله عليه- واقفاً أمام سبّورته يشرح لنا درس التاريخ، وعنوانه (صلاح الدين: نشأته وحروبه و,,)، وهيأنا أنفسنا لسماع الواجب البيتي: (احفظوا الدرس جيّداً، فسأجري لكم مذاكرة شفويّة في الدرس القادم). [عذراً زملائي، أحاول تخفيف الظل، وما أظنني أُفْلِحُ، فالطبع يغلب التّطبُّع].

    2-المَثلبةُ الثانية: هي أنَّ زميلتنا ظلمَتْ نفسها، إذْ اقتبست مُعظمَ النّصِّ منَ المراجعِ، فنسخته بِعُجرِهِ وبُجرِهِ، فطغى ذلك على أُسلوب الكاتبة، وأخفى كثيراً من ملامحها، فقدْ نحّتْ بذلك نفسها وقَلَمها جانباً .. ولمْ تعُدِ (الكاتبةُ) إلى قراءته بعد نسخه، فلو أنَّها فعلتْ لوجدتِ الكثير من التعليقات على صور وخرائط ليست مُدرَجةً في النَّصِّ، وعُذر الزميلة هنا: أنَّ النصَّ من الطول بحيث تسغرقُ قراءتُهُ ساعات، فما بالك إذا عمد القارئُ إلى تَنْقِيَتِهِ وتصويبهِ.

    زميلتنا (لطيفة): يكفيك أنَّك مَهَّدْتِ لنا طريقاً للكتابة في صالوننا الأدبيّ، طريقاً لو سلكناهُ، وسِرْنا على هديِ (شاراتِ ضوئهِ) لن نضلَّ أبداً.

     

  • Mokhtar Sfari | 2012-12-03
    تعرفنى ايها الفاضلة انى لا ولن اهدى زهورا بل اقول راىء بكل تلقائية من خلال ما اجده فى النص من ابداعات و معرفة و حسن قبول تفننت فى اتباع اسلوب فى تقديم الموضوع ثم قمت بوصف البطل الشجاع الامين مع دكر نسبه و ايمانه بالواحد القهار العظيم بعدها سردت ملاحمه عديدة  جعلته القائد اميرا للمؤمنين فانتصر على الاعداء و لقنهم دروسا فى اليقين بصراحة لا املك الا ان اقول لك انت من الفائزين بامتياز و لم الاحظ فى ما كتبته شك و اختلاف فى المنهج يبعد عن اليقين لكن الاهات و الحسرة احس بها قلبى اللعين الدى لا يتحمل ما يقومون به المفسدون من قادتنا لتجعلنا عرضة لاعداء الدين افتكت منا كرامتنا و دنست فى عهدهم اراضينا ونحن ننظرون و ما زالوا يحسبوننا مستضعفون ان شاء رب العالمين سنجبرهم على اتباع اليقين و العودة على اتباع خطى الدين خطى اميرنا صلاح الدين و شكرا سيدتى 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق