]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الثورة المضادة في تونس: سليانة نموذجا

بواسطة: Jalel Alibi  |  بتاريخ: 2012-12-01 ، الوقت: 01:49:58
  • تقييم المقالة:

 

الثورة المضادة في تونس ( سليانة نموذجا)

بقلم : جلال عليبي

Alibi_j@yahoo.fr

منذ الإطاحة بنظام  الدكتاتور بن علي تواجه  الثورة التونسية  ثورة مضادة تهدف إلى الإنحراف بها عن مساراتها الطبيعية في اتجاه إرساء دولة ديمقراطية تعبر عن إرادة الشعب وتستجيب للشعارات التي رفعها إبان ثورته في شهري ديسمبر 210 وجانفي 2011 والمتمحورة كلها حول تحقيق الكرامة الوطنية بما هي تشغيل وحرية وهوية.

بعد فترة من الهدوء المشوب بالحذر  قبل انتخابات 23 أكتبر 2011 وحسم الأمر لفائدة حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية تتالت الأحداث والمواقف والتحركات في عديد المناسبات وفي عديد المناطق بالبلاد لتعطيل المسار الثوري الذي من المفترض ان تبذل الحكومة الشرعية جهودها لإستكماله. كثيرة هي الأطراف والقطاعات التي انخرطت في التحريض ضد الحكومة وضد إرادة الشعب ومحاولة جر البلاد إلى صراعات داخلية وفتن دينية وجهوية وعروشية. لم تتوانى هذه الجهات عن التحريض ضد رموز الدولة في زمن الشرعية والحرية إلى درجة حرق المؤسسات العمومية وقطع الطرق واحتجاز  وسائل النقل  العمومية واحتجاز الرهائن.

انخرطت في العملية الأحزاب اليسارية شيوعية بمختلف أطيافها وهي احزاب كفرية لا تؤمن بالدين ولا بالإسلام  حسب مرجعياتها الفكرية هذا بالرغم من نفاقها للشعب التونسي ومحاولتها إظهار احترامها للإسلام واعتباره مشترك بين التونسيين فما رأينا يوما رموزهم كحمة الهمامي وشكري بلعيد ومحمد الكيلاني وغيرهم يؤمون المساجد. كما انخرطت في العملية أحزاب قومية تيتمت بعد تهاوي الأصنام التي تمسحت بها لفترة طويلة وفي طليعتها حركة الشعب فالأطراف القومية تبدو حليفة كعادتها لقوى اليسار الإلحادي مثلما كان حالهم زمن أواخر السبعينات والثمانينات لما كانوا دائما صفا واحدا في مواجهة حركة الإتجاه الإسلامي بالجامعة. وانخرط في العملية أيضا عدد كبير من التجمعيين الذين استغلوا  كرم التونسيين وسلوكهم الحضاري ليهيكلوا أنفسهم من جديد تحت مسميات جديدة وبقيادات بعضها كان في الصفوف الخلفية زمن سطوة التجمع ففضلا عن احزاب دستورية كالمبادرة والوطن ظهر نداء تونس كقوة جديدة تحاول رسكلة التجمعيين وأنصارهم ممن يكرهون الإسلاميين من شخصيات فرنكفونية وعلمانية ويسارية من أمثال الطيب البكوش  وعبدالعزيز المزوغي ومحسن مرزوق وغيرهم.

الخاسرون من انهيار النظام القديم والمهزومون في الإنتخابات لم يدخروا جهدا لإرباك حكومة الثورة الشعبية ولم يتوانوا في تسخير مؤسستين هامتين لخدمة أغراضهم: الإعلام وإتحاد الشغل. فلهذه القوى المناوئة للترويكا وللنهضة تحديدا قواها المتنفذة في هاتين المؤسستين منذ العهد البائد الذي عملت في ظله ومهدت له الطريق ليستأسد وتحولت اليوم بقدرة قادر إلى قوى ثورية  لا حدود لنشاطها الثوري. بل نرى تشابكا عجيبا بين هذه الأطراف والقطاعات بشكل يذكرنا بالتشابك الذي حصل في مطلع التسعينات لما تحالف الجميع لإستئصال حركة النهضة من البلاد. فاليساري طاهر بن حسين صاحب قناة الحوارالذي عارض حكم بن علي والتجمع نجده يوضف قناته للتحريض اليومي ومتابعة كل التحركات المناوئة للسلطة حتى وإن كانت قطع طرق ولا نجده يوما يبارك إنجازات الحكومة فيما يتعلق بمقاومة الفساد وملفات التنمية حيث تغيب في عمله الحرفية فهذا الإعلامي الذي يبارك مقاومة اللباس الشرعي بقوله " أنا مع منع الحجاب" نجده ينضم لحزب نداء تونس ويجعل قناته في خدمة هذا التجمع.

قنوات نجدها تصطف ضد الحكومة الشرعية مثل قنوات نسمة والتونسية وحتى القناة الوطنية كثيرا ما غابت فيها الحيادية وتحولت إلى منابر دعائية لأيتام بن علي وجرحى الإنتخابات بل لم تتواني في إبراز وجوه موغلة في الجريمة الإقتصادية وكان آخرها ما قامت به قناة التونسية من إستضافة صهر الرئيس المخلوع سليم شيبوب وحاولت إظهاره في مظهر الضحية .

أما إتحاد الشغل فدوره في دعم الإضرابات ومباركتها والمطالبة بالزيادات في الأجور كان ملحوظا طيلة فترة الثورة وبدل تركز نضالاته الوطنية في دعم العاطلين عن العمل وجعلهم أولية المسار الثوري الذي تشهده البلاد نجده يمنح كل الأولية للزيادة في الأجور والمطالبة في الآن نفسه بحل مشكلة البطالة في زمن يشهد صعوبات إقتصادية جمة على المستوى الوطني والدولي بل نجده يتبنى احتجاجات عديدة كثيرا ما أخذت شكل العمل الإجرامي مثل قطع الطرق وحرق المؤسسات مثلما حصل في منطقة العمران بولاية سيدي بوزيد ومثلما حصل في ولاية سليانة خلا شهر نوفمبر 2012.

وبدت الخريطة مشوشة في كثير من الأحيان لكنه التشويش الذي يخفي وضوحا لا مثيل له بمجرد  استقراء التاريخ ، فهذه قوى يسارية ثورية تتموقع مع قوى تجمعية وهذه قوى أخرى "عارضت " حكم بن علي وحكم التجمع نجدها تدافع لعودة فلول النظام البائد برفضها لقانون تحصين الثورة الذي يهدف إلى إقصاء عدد من التجمعيين من الحياة السياسية لفترة محددة. فمحمد الكيلاني رئيس الحزب اليساري الإشتراكي  لم يتوانى في تحريض كمال اللطيف أشهر رموز الفساد في البلاد على الإلتفاف على انتخابات 23 أكتوبر بتشجيعه على استغلال علاقاته الممتدة في مختلف المجالات الامنية والعسكرية والمالية وغيرها لحماية مكتسبات تونس الحداثة المهددة بالإنهيار حسب زعمه في حال وصول الإسلاميين للحكم. وهذا نجيب الشابي المناضل الكبير في عهد بن علي نجده في يتأخر في تغيير  إسم حزبه وفي الإقتراب من أحزاب تجمعية وفي مقدمتها نداء تونس ولم يتوانى عن مساندة كل التحركات بما فيها تلك الخارقة للقوانيين.

    تتالت الأحداث المربكة للحكومة بشكل ملفت للإنتباه في سيدي بوزيد في القصرين في قفصة في قابس أمام السفارة الأمريكية وأخيرا في  سليانة حيث تفاقمت الأزمة بسرعة من خلاف بين موظفين إلى مظاهرات ومواجهات بين قسم من أهالي سليانة والقوى الأمنية ومطالبة بتسريع التنمية وبعزل الوالي. أحداث سليانة كانت نموذجا جليا للثورة المضادة فقد تزامنت أحداث كثيرة تخفي تحريضا للإنقلاب على حكومة الثورة فقد أطل سليم شيبوب صهر بن علي والمتورط في الفساد الإقتصادي على الشعب التونسي عبر قناة التونسية  كما شاع خبر إطلاق سراح مدير القناة الموقوف سامي الفهري المورط في قضايا فساد مالي هذا فضلا عن إطلاق سراح عبدالوهاب عبدالله مستشار الرئيس المخلوع وأبرز رموز الفساد الإعلامي، تزامن ذلك مع ملفين كبيرين : منع كمال اللطيف من السفر وفتح ملفه أمام القضاء و طرح قانون تحصين الثورة الذي يهدف لإقصاء عدد من التجمعيين من العمل السياسي. مشروعية مطالب أهالي سليانة لا خلاف حولها لكن المسار الذي توخته تحركاتهم وما صاحبها من عنف تجاه مقرات الدولة السيادية  ونهب لبعض المحلات وعنف تجاه رجال الأمن بالتزامن مع ما ذكرناه آنفا وما واكبها من التفاف نفس الشخصيات والأطراف النقابية والسياسية  حولها وحصر اتهامهم في الحكومة دون إدانة الإعتداءات التي مارسها بعض أهالي سليانة يثير كثيرا من الريبة حول كونها احتجاجات اجتماعية خالصة لم تقف وراءها قوى سياسية محرضة وتعمل على توسيع نطاقها لتشمل ولايات أخرى. لم تكن التحركات في سليانة وبعض معتمدياتها تحركات حضارية تعبر عن روح الثورة بل كانت تحركات في جزء كبير منها تخريبية وإجرامية ، هذا ما كشفت عنه حصيلة التحركات يوم 28 نوفمبر 2012 ففي سليانة تم تدمير الواجهات البلورية للولاية وفي مكثر تم حرق كلي لمركز الامن الوطني ولمقر المعتمدية وتم نهب كمية كبيرة من السجائر من مقر القباضة المالية وفي بوعرادة حصل حرق كلي لمقر الأمن الوطني ونهب مستودع أغذية "اقتصاد الشمال" ونهبت السجائر من مقر القباضة المالية كما تم حرق كلي لمركز الامن الوطني في بورويس أما في الروحية فقد تم حرق كلي لمركز الأمن ولمقر المعتمدية ولمسكن المعتمد وحرق جزئي للبلدية وحرق كلي لمستودع الضمان الإجتماعي بعد نهبه.
لكل هذا ذهب الكثير من المتابعين للشأن الوطني إلى إدراج ما حصل في سليانة في خانة الثورة المضادة بالرغم من الزخم الشعبي الذي عرفته التحركات، وتعالت النداءات عبر الشبكات الإجتماعية المنبهة لخطورة الوضع وضرورة أخذ الحيطة اللازمة لحماية المسار الثوري في البلاد. دعوة كل لجان حماية الثورة في كامل الجمهورية إلى اليقظة القصوى و الإستنفار الدائم التحذير الشديد لكل العاملين على الفتنة و المستهزئين بالثورة و الساخرين من دماء الشهداء،.

وبالرغم من كون الحكومة الحالية حكومة ثورة لها كامل الشرعية أفرزتها إرادة شعب حر وبالرغم من تحملها لمسؤوليتها التاريخية في ظروف متأزمة على جميع المستويات ومحاولتها معالجة إرث نظام فاسد شمل الضرر الذي أحدثه كل القطاعات فإن فلول النظام البائد والمهزومين في الإنتخابات لم ولن يتوانوا عن إعاقة المسار الثوري حتى لا يستكمل أهدافه في محاولة للإطاحة بالترويكا وبالنهضة وهم ماضون في عملية الإرباك والتحريض للإنقلاب عى خيار الشعب حتى وإن أفضى  الأمر لإحياء النظام المنهار وتجديد التحالف القديم: التجمعي – اليساري كما كان الحال في التسعينات.

إن شرعية حكومة الثورة لا يجب ان تخفي على العاملين لإستكمال الشرعية والمسار الثوري بأن الكثير من الثورات تتعرض في بواكيرها، إلي ثورات مضادة قد تنجح في القضاء عليها وتنهي السلطة الشرعية، وتبدد طموحات الشعوب في الاستقرار مثلما حدث في إيران، بعد القضاء علي ثورة «مصدق» التي انهت الحكم الإمبراطوري، فقد نجحت الثورة المضادة وأعادت حكم الشاه سنة 1951، ومثلما حدث في ثورة شيلي، التي جاءت بنظام ديمقراطي عبر صناديق الانتخاب، لكن بسرعة تم القضاء عليه بثورة مضادة، وجاء الجنرال بينوشيه ليحكم شيلي لمدة 17 سنة.

إن إدراك خطورة الثورة المضادة هو الذي يبرر الدعوات المتكررة للحكومة الشرعية لكي تكون أكثر صرامة في محاسبة رموز الفساد حتى لا يفكروا مجددا في التموقع في المشهد السياسي بمسميات جديدة ويهددوا المسار الثوري الذي تعرفه البلاد  وكان من أبرزها تحذير رابطة حماية الثورة للحكومة لفتح ملفات الفساد المتعلقة بالسياسيين و الإعلامين و القضاة و رجال الأعمال الفاسدين و على رأسهم كمال الطيف.


 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق