]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لنظام المالي العالمي وصندوق النقد الدولي هيمنة بعباءة المثالية و القضاء على الفقراء بدلا من القضاء على الفقر

بواسطة: احمد المختار  |  بتاريخ: 2012-11-30 ، الوقت: 14:45:48
  • تقييم المقالة:

 تجسد نظام النقد الدولي في نظام صندوق النقد الدولي واختصاصاته ومسؤولياته حسب ما جاء في اتفاقيات بريتون وود في تموز 1944 م . فذلك النظام وتلك الاختصاصات والمسؤوليات تشكل بمجموعها نظام النقد الدولي واهم دعائم نظام النقد الدولي كما جاء في تلك الاتفاقيات

أولاً :- سعر الصرف  

 اتفقت الدول الموقعة على نظام الصندوق على تحديد أسعار عملاتها بمقادير محددة من الذهب سميت أسعار الصرف . إن أمريكا حددت قيمة الذهب بالدولار عندما حددت سعر صرف الدولار بواقع 35 دولار للاونصة  

( 31,1غرام) من الذهب وحددت الدول الأخرى أسعار صرف عملاتها بالنسبة لقيمة الدولار من الذهب ان امريكا بهذا العمل قد ضمنت ان تكون قيمة العملات والمعادن والخامات والسلع والبضائع والخدمات مقدرة ومقيمة بالدولار  . والسؤال الذي يطرح نفسه ' لماذا تم انتخاب الدولار لتحديد قيمة الذهب ؟ والإجابة على ذلك هي ان مكانة الولايات المتحدة الامريكية في النظام الدولي بعد الحرب على اعتبار انها الدولة الاولى والاقوى وأنها تمتلك اكبر اقتصاد في العالم لكونها اكبر دولة صناعية واكبر منتجة واكبر دولة مصدرة بالإضافة إلى امتلاكها 70% من مخزون الذهب العالمي . تم اعتبار الجنيه الإسترليني حسب معاهدة بريتون وودز الشريك الاصغر للدولار الأمريكي في النظام الجديد لكنه بقي حاله حال بقية العملات لان الدولار أصبح  سيد العملات وأساس التبادل.  

تعهدت أمريكا بإبقاء سعر الدولار ثابتاً وهو 35دولار للاونصة بينما سمحت لأسعار صرف العملات الأخرى بالتذبذب عن السعر الموحد أي حوله بواقع 1% هبوطاً او ارتفاعاً و لا يسمح للدول بتجاوز هذه النسبة . كما افترضت الاتفاقية ان يكون التذبذب ضمن الهامش المذكور حالات استثنائية كما تعهدت امريكا التي كانت تمتلك 70% من مخزون العالم من الذهب ببيع الذهب للبنوك المركزية ومؤسسات النقد للدول المشاركة في اتفاقية بريتون وودز وشراءه منها أي انها تعهدت بابدال الدولار الى الذهب او الذهب الى الدولار بواقع 35دولار للاونصة بمعنى اخر انها اخذت العهد على نفسها على ان تحافظ على سعر صرف الدولار ببيع وشراء الذهب بالسعر المحدد في الاتفاقية

كما تعهدت باستبدال احتياط الدول من الولار لى الذهب او بالعكس من الذهب الى الدولار على اساس سعر الدولار الثابت 35 دولار للاونصة في حال طلبت الدول منها ذلك تفرض اتفاقية بريتون وودز على جميع الدول ان تحافظ على سعر صرف عملتها لكي يبقى سعر صرفها ثابتاً فاذا اشتد الطلب على عملتها ادى هذا الى نقص في عملتها في السوق فيقل العرض ويزداد الطلب فيرتفع سعر صرفها فتوجب الاتفاقية على الدولة ان تقوم بضخ كميات من عملتها الى السوق وتسحب بدلها الدولار أي تبيع عملتها بالدولار . اما اذا حصل العكس وتخلص الناس من عملة دولتهم كما يحصل في المضاربات مما يؤدي الى وجود فائض من عملة تلك الدولة في السوق أي يزداد العرض فيجب على تلك الدولة أن تقوم بسحب هذه الزيادة في العرض عن طريق شراء عملتها بالدولار أي تضخ الدولار إلى السوق . بمعنى أخر تتحكم الدولة بالعرض والطلب على عملتها للإبقاء على سعر صرفها ثابتاً مستخدمة بذلك الدولار

بما إن سعر صرف العملة هو النسبة بين عملتين ولما كان الدولار هو مقياس العملات فتكون نسبة تلك العملة إلى الدولار  وان هذه النسبة قد تتأثر بتأثر إحداهما (أي بتأثر العملة أو بتأثر الدولار) وبصيغة أخرى أن سعر الصرف سوف يتأثر إذا تأثرت تلك العملة أو الدولار  وحسب اتفاقية بريتون وودز يتوجب على الدول المشاركة في هذه الاتفاقية المحافظة على سعر الصرف فان الدول مكلفة بالدفاع عن النسبة بين عملتها والدولار بمعنى أخر أنها مكلفة بالمحافظة على قيمة عملتها وقيمة الدولار لان الدولار هو الشريك الأخر في سعر الصرف وبهذا ضمنت أمريكا أن تحافظ جميع الدول على سعر صرف الدولار بدلاً من أن تقوم هي بالمحافظة على سعر صرف الدولار . بذلك تحملت الدول عبء المحافظة على عملتها وكذلك المحافظة على الدولار من خلال المحافظة على سعر الصرف بينما أمريكا لا تتدخل للدفاع عن الدولار لان عملها هو بيع وشراء الذهب وبهذا البيع والشراء تحافظ أو يفترض أن تحافظ على سعر صرف الدولار ثابتاً ولهذا يبقى الدولار متربعاً على عرشه ومتميزاً على العملات الأخرى

نص النظام المحافظة على أسعار صرف العملات وتعهدت الدول بذلك وأجاز النظام في ذات الوقت لأي دولة يتعرض اقتصادها لمصاعب قد يطول تأثيرها كالعجز المزمن في ميزان المدفوعات أجاز لها أن تخفض من قيمة عملتها بما لا يتجاوز الـ 10% من غير إذن من صندوق النقد الدولي وإنما يتم إشعاره بذلك فقط أم إذا زادت النسبة عن الـ 10% فلا بد من إذن الصندوق حسب نظام معين ولما كانت غاية إنشاء صندوق  النقد الدولي هو  المحافظة على أسعار صرف العملات فكان لزاماً عليه معالجة الأزمات النقدية والتجارية والاقتصادية بطرق غير تخفيض أسعار صرف العملات.

عملاً بمبدأ حرية السوق نص النظام على حرية تحويل العملات ومنع وضع قيود على ذلك فمنع وضع قيود على تحويل عملة ما لأي عملة أخرى ومنع التكتلات النقدية إلا انه أجاز لبعض الدول التي كانت عندئذ تعاني من مصاعب مالية وهي الدول الأوربية أن تؤخر التزامها بهذه النقطة حتى إشعار أخر.

 

ثانياً:- ميزان المدفوعات

بالرغم من أن نظام النقد الدولي نص على أن تحافظ الدول على تعادل ميزان مدفوعاتها من غير عجز أو فائض لما في العجز والفائض من مساس بدول أخرى, إلا انه عند التطبيق غض الطرف عن أمر الدولة ذات الميزان الفائض لكون أن أمريكا الدولة الأولى في ذلك النظام لديها فائض في ميزان مدفوعاتها وحينما طلب مندوب بريطانيا فرض غرامة بواقع 1% على الفائض في ميزان مدفوعات الدولة قوبل هذا الطلب برفض أمريكي واكتفت بالقول أن يصدر صندوق النقد الدولي توصيات لها بتخفيض الفائض أو التخلص منها بالكامل.

     يمكن للدولة أن تعالج الفائض في ميزان مدفوعاتها بزيادة النفقات أو تخفيض الصادرات وزيادة الاستيراد بتخفيض التعريفة الجمركية وإلغاء نفقات تشجيع الصادرات إن وجدت . ويمكن إن  يتم ذلك برفع سعر عملتها  مما يؤدي إلى نقص في الصادرات وزيادة في الاستيراد .كما يمكن أن يكون بتقديم مساعدات للدول الفقيرة  .

 أما الدول التي يعاني ميزان مدفوعاتها من عجز مزمن أو ما يسميه الصندوق عجز جوهري فقد اوجب عليها الصندوق اتخاذ إجراءات علاجية لإيجاد التعادل والاستقرار واوجب أن تتجاوز تلك الإجراءات مسحوبات الدولة من رصيدها في احتياطي صندوق النقد وان لا تصل إلى  حد تخفيض العملة إلا إذا عجزت الإجراءات  العادية.

ولبيان معاني سحب الدولة لرصيدها في احتياط الصندوق لابد من الإشارة إلى احتياطي صندوق النقد الدولي .اتفقت الدول حين تأسيس الصندوق على إيجاد احتياطي عام مشترك للصندوق يساهم في تكوينه جميع الدول حسب نظام حصص ويشترط أن تقدم كل دولة ربع حصتها أي ربع رصيدها لدى الصندوق ذهباً أو 10% من موجوداتها من الذهب والعملات الأخرى ويبقى هذا الرصيد تحت تصرف الدول حسب حاجتها ولكن بشروط وقيود  علماً انه يتوجب على كل دولة أن تستبدل عملتها التي أودعتها في الصندوق بعملات أخرى بنفس سعر الصرف خلال 3-5 سنوات  ويحق للدولة أن تسحب 125% من رصيدها خلال خمس دفعات أو سحوبات متساوية لتوفير السيولة في معاملاتها  وتستطيع الحصول على السحب الأول وهو سحب الذهب لدى الصندوق عند الطلب من غير اعتراض من الصندوق أو مسائلة . أما السحوبات الأربعة الباقية فتكون بحسب ظروف معينة وبشروط معينة وَلُجُوء الدولة إلى سحب رصيدها أو جزء منه من الصندوق عندما يتم بعد أن تبين له الإجراءات التي عزمت على اتخاذها لمعالجة العجز فاستعمال السحوبات ليس سوى إجراء وقتي وريثما تلتقط الدولة أنفاسها وتنفذ إجراءاتها والتوازن في ميزان المدفوعات يكون بين الصادر والوارد إذ أن ميزان المدفوعات هو عبارة عن سجل لحركة المعاملات بين الدولة ومواطنيها من جهة والخارج من جهةً أخرى مقدرةً بالنقد .فالتعادل يعني أن ما يخرج من البلد يجب إن يساوي ما يدخل إليه وفي هذا تقييد لسلطة الدولة في الإنفاق على المشاريع الإنمائية والبرامج الاجتماعية فتحدد الدولة تلك السياسة وعينها على ميزان المدفوعات ما دامت ملتزمة بنظام الصندوق . وعندما يكون الإنفاق أكثر من الوارد يحصل العجز مقدراً بالفرق بين الجانبين وهنا يتوجب على الدولة  إن تعمل من تلقاء نفسها لإعادة التوازن  وإلا  يتدخل الصندوق ليفرض  الإجراءات التي يتوجب على الدولة تنفيذها ويمكن معالجة العجز في ميزان المدفوعات  بطرق متعددة تماماً كالعائلة التي تنفق أكثر من دخلها .فحتى توجد التوازن بين النفقات والدخل عليها إما أن تقتصد في الإنفاق فتستغني عن بعض بنود الإنفاق أو أن تزيد من دخلها بان يفتش رب العائلة عن دخل إضافي يجني منه مزيداً من الدخل أو ان كان للعائلة مدخرات سابقة تنفق منها أو ان كان لها دين على آخرين قامت بتحصيله أو أن تبيع شيء من ممتلكاتها كعقار او مصوغات أو أن تستدين لتنفق او لتعمل مشروع تجاري يدر عليها ربحاً كحانوت مثلاً او ان تطلب الصدقة من الآخرين.

وطريقة معالجة الدولة للعجز في ميزان المدفوعات لا يختلف كثيراً عن هذا فعلى الدولة أن تتخذ إجراءات تجارية أو مالية أو نقدية والإجراء السريع الممثل في طلب الرصيد المودع لدى صندوق النقد الدولي ولا يعتبر إجراء ناجعاً فهو وقتي اما استعمال الدولة لاحتياطها من الذهب أو القطع النادرة أي العملات الصعبة فهو إجراء وقتي ولا يعتبر معالجة اقتصادية وان سد العجز مؤقتاً إذ سرعان ما ينفذ الاحتياطي وتفلس الدولة ويعود العجز إلى ميزان المدفوعات والديون الخارجية لا تحل المشكلة فان حلتها على المدى القصير فقد زادت في تعقيدها على المدى البعيد إذ سرعان ما يستحق الدين فتحتاج الدولة إلى دفع الإقساط وفوائدها مما يشكل عبئاً ثقيلاً على ميزان المدفوعات فان استعمل الدين في تمويل المشتريات الخارجية من السلع والخدمات وقعت الدولة في أحبولة الديون الخارجية الدولية ورهنت موجودات البلد وأصبحت الفوائد أو ما يسمى  بخدمة الدين لوحدها توجد مأزقا لميزان المدفوعات وهذا ما تلجأ إليه عادةً دول العالم الثالث . إما أن استعمل لدين في مشاريع إنتاجية مدروسة تؤدي إلا الاستغناء عن استيراد سلع أجنبية او تؤدي إلى زيادة في الصادرات توجد فائضاً يُمكن الدولة من سداد الدين , فان الدين يحل المشكلة إذا كانت الدولة تستبيح الفائدة أي الربا.

والحل الصحيح في العرف الدولي هو التحكم في الإنفاق والدخل والإجراءات الجارية تكون في زيادة الصادرات وتقليص الواردات وتكون زيادة الصادرات إما بزيادة الإنتاج أو بتحسين نوعيته مما يساعد في إنتاج الصادرات التي تلاقي رواجاً  أو يوجد لها رواجاً وحداً أدنى من المنافسة وتتدخل الدولة أحيانا في تشجيع الصادرات بتخفيض الضرائب على البضائع المصدرة أو بتقديم منح تشجيعية .إما تقليص الواردات فيكون بوضع قيود على الاستيراد بالحواجز الجمركية أو منع استيراد بعض السلع الكمالية التي يمكن الاستغناء عنها بالكامل أو التي يمكن الاستعاضة عنها بالمنتوجات المحلية مما يحمي الصناعات المحلية ويقوي منها ويمكنها من النجاح  علماً أن منع الاستيراد ورفع الحواجز الجمركية يتنافى مع السياسة الاقتصادية العالمية القائمة على حرية التجارة مما يؤدي إلى احتكاك مع حماة النظام الدولي . أما الإجراءات المالية فتتمثل في إجراءات التقشف القائمة على تقليل الإنفاق العام مثل تجميد الأجور والتدخل في التسعير والاستغناء عن الإنفاق على البرامج الاجتماعية والمشاريع غير الإنتاجية كمشاريع الطرق والمشاريع الترفيهية بالرغم من أن هذا سيؤدي إلى بطالة في الأيدي العاملة ومن هذه الإجراءات التوقف عن دعم بعض السلع الاستهلاكية , وزيادة الضرائب , وفرض ضرائب جديدة لزيادة دخل الدولة ورفع سعر الفائدة لاجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية او عودة رؤوس الأموال المحلية التي سبق لها وان خرجت بحثاً  عن زيادة في الربح وحركة رأس المال هذه تسجل لصالح ميزان المدفوعات ورفع سعر الفائدة يعتبر آلية فعالة في النظام الرأسمالي وخطورة هذا العمل تكمن في انه يقلل من الإقبال على المشاريع الإنتاجية لسببين:

أ‌-        اكتفاء أصحاب رأس المال بالفائدة التي يحصلون عليها من سعر الفائدة المرتفع.

ب‌-      ضعف الحافز إلى الاقتراض من اجل المشاريع الإنتاجية لما في الاقتراض من عبء الفائدة على الجدوى الاقتصادية من المشاريع وغني عن القول إن إجراءات التقشف لا يمكن إن تكون طويلة الأمد وبخاصة في الدول الديمقراطية  لما في هذا العمل من تضييق على الناس مما يدفعنا للعمل ضد الحكومات أو ضد الحزب الحاكم أو ضد النظام ككل.

أما الإجراءات النقدية فتتمثل في تخفيض قيمة عملة الدولة . انه وان كان هذا الإجراء يخالف سياسة صندوق النقد لدولي فانه يبقى إجراءً مقبولاً في حالة الضرورة فتخفيض دولة ما لعملتها يعطي صناعات تلك الدولة القدرة  على المنافسة في الأسواق الخارجية مما يمكنها من زيادة صادراتها لان انخفاض العملة يعني انخفاض أسعار السلع المنتجة في الوقت الذي يرفع أسعار السلع المستوردة مما يقلل الاستيراد وهذا مشروط في المحافظة على مستوى الأجور لان ارتفاع الأجور يؤدي إلى ارتفاع في سعر تكلفة السلع فيرتفع سعرها وتضعف قدرتها على المنافسة ولما كانت عملة أي بلد ترتبط بسمعة ذلك البلد فان تخفيض العملة  غير محمود وقلما تلجئ إليه الدول التي تشعر بعظمة بلدها فتعمل للمحافظة على تلك العظمة فالتخفيض يقلل الثقة بتلك العملة مما يؤثر على سمعة البلد.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدول الكبرى أو جميعها تلجأ إلى تمويل بعض نفقاتها كي لا تضطر إلى الاقتراض أو إلى فرض إجراءات تقشف قد تحدث ردة فعل شعبية ولكي لا تضطر أيضا  إلى تخفيض عملتها مما يجرح كرامتها . أي أن العجز في ميزان المدفوعات وعجز الميزانية يتم سده بإصدار نقد جديد ليس له أساس أو غطاء يدعمه  أي بالسحب على المكشوف . وتوسع الدولة بإصدار النقد بهذه الطريقة يسبب تضخماً أي ارتفاعاً في الأسعار . فكمية النقد المتداول في أي بلد تساوي مجموع السلع والخدمات في ذلك البلد فإذا نقصت السلع والخدمات كما يحدث في الحروب وبقي النقد على حاله ارتفعت أسعار السلع والخدمات وان ازداد النقد في بلد وبقيت السلع والخدمات على حالها فسوف ترتفع أسعارها أيضا . والتضخم الناجم عن الإسراف في إصدار النقد هو التضخم المخيف لان إصدار النقد يكون بشكل مضطرب وليس حالة فريدة  فهو يمثل سياسة دولة اتخذت هذا الأسلوب طريقة لمعالجة قضايا لها . إما أن حصلت الزيادة في إصدار النقد بنسبة بسيطة وفي حالات محدودة فان ارتفاع الأسعار لا يكاد يلاحظ وتزيد الدول عادة من ارتفاع النقد بقدر ما تزيد سلعها وخدماتها أي بمقدار النمو الاقتصادي فيها  وهذا النوع من الزيادة في النقد لا يؤثر على الأسعار.

ومعنى ارتفاع الأسعار الناجمة عن خلل في التوازن بين النقد والسلع والخدمات إن القوة الشرائية للنقد قد انخفضت وأصبحت قوة النقد الفعلية اقل من قيمته الأساسية مما يقضي تخفيض قيمة العملة  وطرق معالجة التضخم تتم بإعادة التوازن بين النقد والسلع والخدمات وذلك إما بزيادة مجموع السلع والخدمات لتنشيط الاقتصاد أي الجانب الإنتاجي منه وإما بسحب الزيادة في النقد من التداول وتتم عملية سحب النقد الزائد برفع أسعار الفائدة مما يشجع الناس على ادخار أموالهم في البنوك أو بالطلب من البنوك التجارية رفع نسبة أرصدتها المودعة في البنك المركزي فتجمد في البنك المركزي وترفع من التداول ومن شان هذا أن يقلل من الاستثمار  وان يرفع من الركود الاقتصادي  .

وكما يضرب التضخم بلداً يعاني ميزان مدفوعاته من العجز فانه يضرب بلداً يحقق ميزان مدفوعاته فائضاً لذات السبب والذي هو اختلال التوازن بين النقد المتداول ومجموع السلع والخدمات .وهذا النوع من التضخم قد لا يكون نتيجة لتحرك طبيعي في واردات الدولة ونفقاتها وإنما نتيجة لهجوم رأس المال الأجنبي على هذا البلد ففي هذه الحالة يتعرض نقد هذا البلد إلى ضغط ويزداد الطلب عليه فإما أن يرفع البلد سعر عملته ليستوعب المستجد من النقد الأجنبي وأما أن يبقي سعر عملته كما هو فيدافع عن سعر صرفها بطرح كميات منها في السوق وامتصاص النقد الأجنبي وقد تصل الكميات التي يطرحها من نقده للتداول إلى بليون دولار يومياً أي بضعة بلايين في أيام مما يؤدي إلى خلل في التوازن بين النقد المتداول ومجموع السلع والخدمات . إلا أن اثر هذا النوع من الخلل محدود وقصير الأجل لان النقد الخارجي المتدفق غالباً  ما يعود أدراجه إلى الخارج بعد حصول الاستقرار النقدي في البلد كما يحصل في عمليات المضاربة.

 

ثالثاً:-  احتياط الدول من النقد.

ينص نظام صندوق النقد على إن يتكون احتياط الدول من الذهب والدولار والجنيه وهذا إن أبقى على دور الذهب في نظام النقد باعتباره احد موجودات الاحتياطي وأعمدته فانه في الوقت نفسه ساوى بين الذهب والدولار والجنيه الإسترليني الذي أطلق عليه – وكما أسلفنا سابقاً -  الشريك الأصغر للدولار ولما كانت مشكلة التجارة الدولية بل الاقتصاد الدولي تكمن من وجهة نظر أمريكا في السيولة النقدية ولما كان الذهب كما ترى لا يكفي في توفير السيولة اللازمة فقد اسند هذا الدور للدولار بشكل رئيسي لان اقتصاد أمريكا وكما أسلفنا كان يمثل اكبر اقتصاد في العالم مما سيوجد له أثرا كبيراً على احتياطي الدول ويجعل بالتالي من تلك الأرصدة من الدولار المكدسة في بنوك العالم المركزية أداة ضغط أمريكية على دول العالم.

لم تشارك دول المعسكر الاشتراكي في المؤسسات الدولية الاقتصادية وبقيت خارج نظام النقد الدولي وعاشت نظامها الاقتصادي التجاري والنقدي الذي جسده اتفاق الكوميكون بمعزل عن الدول الرأسمالية.

 

 

 

 

 

 

 

نظام النقد الدوليʻʽ القضاء على الفقر أم على الفقراء ؟!

 

 

اعتمدت الولايات المتحدة المساعدات الاقتصادية أداة من أدواتها السياسية وظاهر هذه السياسة هو إيجاد تطور اقتصادي في الدول الفقيرة يحول دون وقوعها فريسة للشيوعية وباطنها هو للتأثير على قرار تلك الدول فرتبط اقتصادها باقتصاد أمريكا وبأمريكا ثم تصبح تابعاً لها وقد تطورت تلك السياسة مع نهاية الخمسينات من مساعدات لأجل المشاريع إلى مساعدات من اجل برامج التنمية وعوضاً عن أن تقتصر المساعدات على أمريكا أصبحت تشارك فيها دول ومؤسسات دولية أو مؤسسات مالية خاصة منفردة ومجتمعة واخذ صندوق النقد الدولي يعمل كمستشار لتلك الدول والمؤسسات يقدم الدراسات عن اقتصادات الدول التي تطلب المساعدات والمشاريع والبرامج التي تسعى للحصول على مساعدات  من اجلها ويفاوض  تلك الدول بإرسال مفوضين مؤهلين ومتمرسين ليرى إن كانت تلك الدول مؤهلة للمساعدات أو يؤهلها إن لم تكن مؤهلة فيعطيها شهادة حسن سلوك تؤهلها لتلقي المساعدات.

تجدر الإشارة هنا إلى أن المساعدات لا تعني المنح وإنما تعني القروض والمنح جزء بسيط منها . وتقوم الدولة التي تطلب قرضاً عادة بتقديم مشروعها أو برنامجها التنموي إلى الجهة الدائنة لدراسته ولهذه الجهة أن توافق أو لا توافق حسب نظرته للمشروع أو البرنامج من وجهة نظرها هي لا من وجهة نظر الدولة صاحبة المشروع . وتشترط الدولة المقرضة في الغالب على الدولة المقترضة أن تقوم الأخيرة بشراء مستلزمات المشروع أو البرنامج من أسواق الدولة المقرضة . وطبيعي أن الدول الصناعية سعياً منها لاحتكار أسواق العالم الثالث تعمل على ديمومة ذلك الاحتكار وعلى عدم استغناء تلك الأسواق عن سلعها وهذا يقتضي منها تمويل المشاريع غير المنتجة والمشاريع الترفيهية والرمزية الدعائية بل وان تشجع الدول النامية على أمثال تلك المشاريع والبرامج . وزرعت في أذهان الدول النامية استحالة التصنيع الثقيل دون المرور بالتصنيع الاستهلاكي فوقعتها في دوامة استهلاك لا تستطيع الخروج منها وقد أصبحت هذه السياسة سياسة لجميع المؤسسات التي تقوم بالإقراض.

وطبيعي أن تتعرض موازين مدفوعات دول فقيرة تعتمد على الاستهلاك المستورد دون الإنتاج إلى مأزق والى عجز مزمن ولحل هذه المشكلة تلجئ إلى صندوق النقد الدولي لسحب حصتها في احتياطي الصندوق كعجالة تلتقط فيها انفاسها ريثما تتدبر امرها وكما جاء في صندوق النقد فان أي دولة تستطيع ان تحصل على السحب الاول- سحب الذهب-   من غير مسائلة او اعتراض من الصندوق . اما القيام بالسحوبات الاربعة الاخرى فيحتاج الى موافقة الصندوق وتنفيذ شروطه ولا يعطي الصندوق موافقته الا بعد دراسة للمأزق او العجز وما يكتنفه من واقع اقتصادي لذلك البلد فيرسل خبراءه المتمرسين للتفاوض مع مسؤولي التجارة والمال في تلك الدولة وغالباً ما يكون أولئك المسئولون  من المنغمسين بالثقافة والحاضرة الغربية جراء دراستهم في دول غربية مما يسهل عمل الصندوق. قد يكون المأزق او العجز ناجماً عن عدم قدرة الدول النامية على سداد ديونها او حتى دفع الفوائد وهو ما يسمى بالمأزق مما يقتضي ديوناً جديدة او اعادة جدولة الديون القديمة فتطلب الجهات الدائنة او التي يطلب منها الدين من صندوق النقد الدولي دراسة المشكلة وتقديم رأيه ونصيحته فيرسل الصندوق موظفيه للتفاوض ليرى ان كان سيصدر شهادة حسن سلوك للدولة المعنية لتحصل بموجبها على الدين او جدولة الديون او ليقوم هو بالسماح لها بسحب حصتها في احتياطه  .

وكالعادة لا يقدم الصندوق للدولة تسهيلات لسحب رصيدها منه ولا يعطيها شهادة حسن سلوك تقدمها للدائنين الا بعد مفاوضات شاقة يدفع الصندوق من خلالها الدولة لتبني برنامج اصلاح اقتصادي يتكون عادة من النقاط التالية:

1- حرية التجارة وحرية تحويل العملات

2- خفيض عملة الدولة

3- برنامج تقشفي لمحاربة  التضخم ويشمل عادة على النقاط التالية:

أ- وضع قيود على الإقراض المحلي ورفع نسبة الفائدة وربما أحيانا زيادة رصيد الاحتياطي.

ب-  تقليص إنفاق الدولة وزيادة وارداتها فتزداد الضرائب ورسوم الخدمات وأجور الانتفاع بالمرافق العامة ووقف الدعم للسلع الاستهلاكية وتجميد الأجور لموظفي الدولة

4- اجتذاب رأس المال الاجنبي للاستثمار بتقديم التسهيلات اللازمة له ويمكن للدولة النامية المعنية إن تتبنى البرنامج كلياً او جزئياً بحيث يؤدي الغاية ذاتها لجميع الأحوال .فإذا لم تتبنى بنداً زاد من اعتمادها على بند أخر فإذا رفضت الدول مثلاً تخفيض الحواجز الجمركية كما تقتضي حرية التجارة فان عليها تخفيض عملتها بنسبة أعلى مما لو أزالت الحواجز الجمركية أو ان تزيد من الضرائب والرسوم. وبعد التوصل الى اتفاق يملي موظفو الصندوق على الدول النامية نص كتاب يرفع للصندوق تحدد فيه الدولة تعهداتها والتزاماتها حتى يعطيها الصندوق شهادة حسن السلوك وإذا نكثت الدولة بوعودها وقفت المساعدات عنها او تعرضت لعقوبات ونظرة سريعة إلى البرنامج تكشف انه يقوم على المبدأ الذي قام عليه الصندوق وهو حرية التجارة وحرية صرف العملات وحرية الاستثمار أي حرية انتقال رأس المال.

وعند التمعن في هذا المبدأ نرى انه يؤدي إلى هدم اقتصاد أي دولة نامية تلتزم به فهو يتجاهل إن الدول الرأسمالية قد بنت اقتصادها خلف أسوار عالية من القيود والضرائب الجمركية وأنها لم تتبنى حرية التجارة إلا بعد إن اطمأنت لقوة اقتصادها وإنها تعود إلى الحماية كلما هدد اقتصادها الخطر  فتنمية الاقتصاد الضعيف لا يكون بفتحه أمام المنافسة غير المتكافئة مع اقتصاد أقوى منه لان المنافسة تكون دائماً لصالح الاقتصاد الأقوى تماماً كالمصارعة بين خصمين غير متكافئين وهذه حقيقة يقرها منظرو المبدأ  الاقتصادي الحر فيقولون بان الحماية للصناعات الناشئة ضرورية.

ومن المعلوم بداهة أن آلية حرية السوق تعمل ضد الطرف الأضعف فمنظرو الاقتصاد الحر والسوق الحرة ينظرون إلى الاقتصاد العالمي  ككل بغض النظر عن التوزيع فيقولون بان حرية السوق تؤدي إلى مزيد من النمو في الاقتصاد العالمي قد يكون هذا صحيحاً ولكن القضية المطروحة للبحث ليست قضية نمو الاقتصاد العالمي وإنما قضية نمو اقتصاد بلد معين وضعَ صندوق النقد الدولي البرنامج من اجل إصلاح اقتصاده ورفع النمو فيه . وما دام هذا البلد هو الأضعف في المنافسة فان الوضع ليس في صالحه ويقول المنضرون إن حرية السوق تؤدي إلى التخصص والى تكريس التخصص فتحصل المنفعة من تبادل هذا التخصص في السوق الحرة . قد يكون هذا الكلام صحيحاً .الا ان الدولة النامية تتخصص في مادة او مواد خام معينة ومنافسته تتخصص في التصنيع فان مبدأ التخصص وتكريس هذا التخصص يعني إن يبقى النشاط الاقتصادي للدولة النامية في حدود تصدير المادة الخام بينما يبقى النشاط الاقتصادي للدولة الصناعية المنافسة في تصدير السلع المصنعة وبالتالي تكريس صناعتها دون خوف من منافسة . وفي هذا تكريس لفقر فقير يزداد فقراً وتكريس لغنى غني يزداد غناً فإذا نضبت المادة الخام وجد البلد النامي نفسه لا يملك شروى نقير .ومن هنا فان مجرد تبني صندوق النقد الدولي سياسة حرية التجارة وحرية السوق في تعمله مع الدول النامية هو عمل لصالح الدول الصناعية ولتحطيم اقتصاد الدول النامية بل وأحيانا أنظمتها.

ومباحثات الصندوق مع الدول النامية إنما هو لتأهيل تلك الدول لمزيد من القروض لخارجية فهو يزين له الاقتراض ويؤهلها له بدل ان يدفعها الى مزيد من التنمية والتصنيع والإنتاج ولأجل ذلك وجد الصندوق .فان لم يجدها مؤهلة يقوم بتأهيلها وان تلكأت أغواها ودفعها او هددها.

هذا من حيث الأساس الذي يقوم عليه البرنامج.

أما من حيث مفردات البرنامج:-

1- حرية التجارة وحرية صرف العملات:- تعني رفع جميع القيود عن الاستيراد . وبالتالي إغراق السوق المحلية بالبضائع المستوردة فتفقد الصناعات المحلية الناشئة قدرتها على المنافسة وتدفع إلى الإفلاس دفعاً . ولا يقال إن تخفيض عملة الدولة النامية يفقد البضائع المستوردة على المنافسة لارتفاع سعرها . فهذا إنما يكون في البلدان الصناعية ذات الصناعات المتشابهة في النوعية والجودة أم صناعات البلدان النامية فتختلف عن ذلك لذلك فان السلع المستوردة لا تجد لها منافس كما أن حرية الصرف تؤدي حتما إلى نضوب خزينة الدولة المتهاوية أصلا من احتياطيها من الذهب والعملات الأجنبية فتسير الدولة نحو الإفلاس.

2- تخفيض العملة :-  يؤدي إلى تشجيع الصادرات لان عملة البلد تميل الى الانخفاض أمام العملات الأخرى .ولما كان لا يوجد لدى الدولة النامية ما تصدره سوى المادة الخام والمنتوجات الزراعية فان هذا سيؤدي الى تصدير المزيد من هذه الكميات إلى البلدان الصناعية ولكن بسعر اقل مما يبقي على نفس الدخل السابق ولا يتناسب مع الكميات المصدرة أي إهدار ثروة البلد بأرخص الإثمان للدول الصناعية ويلاحظ  أن صندوق النقد الدولي يلجأ إلى هذا الطلب مع ان قوانينه تقضي بعدم تخفيض العملات لا بطلبه ولا حتى بإعطاء المشورة للقيام بذلك. فسياسة الصندوق العمة هي معارضة التخفيض وإحدى أهم مسؤوليته الحفاظ على ثبات أسعار العملات

3- برنامج التقشف :- هو  برنامج ذو أبعاد خطيرة وأثاره متناقضة فرفع نسبة الفائدة على القروض المحلية ووضع القيود علة تلك القروض يؤدي الى انكماش اقتصادي فيعرقل التنمية ويوجد المتاعب للصناعات المحلية ويضاعف من خطر إفلاسها وبلد نامي كهذا بالتأكيد لا تتوفر فيه نسبة نم عالية ولا نشاط اقتصادي أعلى من اللازم حتى يدفع إلى الانكماش فهو منكمش أصلا وهذه السياسة ستؤدي به إلى العدم.

أما تقليص الإنفاق وتجميد الأجور فانه يضع أعباء جديدة على كاهل المواطن وتتضاعف هذه الأعباء لزيادة الضرائب ورسوم مؤسسات الدولة وأجور الخدمات العامة وإيقاف دعم السلع الاستهلاكية . فبرنامج محاربة التضخم هذا إنما هو لتأجيج ثورة في البلد  فقد قامت ثورات فعلاً بل وثورات عديدة في دول العالم الثالث . فحيث ما يحل موظفو صندوق النقد تعم الاضطرابات . وقد لا يكون البلد يعاني أصلا من تضخم حتى يُكافح بل إن البرنامج من شأنه أن يوجد التضخم ويزيده استعاراً لان التصدير سيمتد إلى تصدير المنتوجات الزراعية والمواد الاستهلاكية مما يوجد ندرة فيها فترتفع ونظراً لاتساع تأثيرات هذا البند فان صرامة الإجراءات التي يتخذها صندوق النقد تختلف من دولة لأخرى فصرامة الإجراءات مع دولة عميلة لأمريكا اقل من صرامتها مع دولة تعاديها بل أكثر من ذلك أن أرادت أمريكا قلب نظام حكم في بلد معادي لها هيأت الظروف لتدخل الصندوق في ذلك البلد.

4- المستثمرون أصحاب الرأس مال الأجنبي :- فهم أعداء دخل حصون البلد وأدوات من أدوات إفلاسه فبأموالهم يشترون ذمم كبار رجال الدولة للوقوف إلى جانب المستثمر ودولته . فبأموالهم يهدمون  اقتصاد الدولة  عن طريق:

أ- يعملون على ضرب الصناعات المحلية.

ب- يخرجون الأموال بطرق مشروعة وغير مشروعة مما يضفي أعباء جديدة على ميزان المدفوعات فإذا وضعت الدولة قيوداً على إخراج المال تحايلوا على إخراجه فيخرجوه عن طريق زيادة كبيرة في أسعار مواد الأساسية لصناعتهم يستوردونها من دولهم أو الشركة الأم أو من فروع الشركة الأخرى.

وقد أجرى البنك الدولي دراسته على اقتصاد خمسين دولة نامية في سنة 1991 يتبنى نصفها برامج صندوق النقد الدولي ووجد أن الدول التي لم تتبنى برامج الصندوق حققت نمو اقتصادي خلال ذلك العام بينما لم تحقق أي من الدول التي تبنت برامج الصندوق شئ من النمو الاقتصادي.

 

مصيدة الديون:

تغري الدول الصناعية دول العالم الثالث بطلب القروض بل وتجبرها أحيانا كما كانت تفعل أمريكا في الخمسينات . وتستعمل الدول المستدينة تلك القروض إما لتمويل مستورداتها من السلع الاستهلاكية سواء من الدولة المقرضة أو غيرها أو تستعملها  في مشاريع وهمية ترفيهية او ما يسمى بمشاريع البنى التحتية غير الإنتاجية ومن اجل هذا تعطي الدول الصناعية عادة القروض وعندما يحين موعد السداد تلجئ الدولة إلى البحث عن مزيد من القروض أو إلى جدولة الديون الحالية فتزداد الأقساط وتزداد الفوائد أي ما يسمى بخدمة الدين لأنهم في لنظام الرأسمالي يعتبرون الفوائد من الخدمات حتى تجد الدولة نفسها عاجزة حتى عن سداد الفوائد منفردة . يتدخل صندوق النقد الدولي ببرامجه المعتادة فيقضي على كل أمل في قدرة الدولة على السداد تماماً كالسفيه الذي يُغوى بالاقتراض للحجز على أمواله او على شئ عزيز . فالدين هو رهن أو بيع لموجودات الدولة  للدول الأخرى  وعندما كان لاستعمار في تصاعد كانت الدول الاستعمارية تستعمل الدين ذريعة للاستيلاء على اقتصاد البلد وإدارة ذلك الاقتصاد بنفسها ثم الاستيلاء على البلد نفسه . تستهين الدول النامية بالدين لأنها مفلسة سياسياً وتسعى الى الدين في محاولة لإرضاء الناس في فترات عصيبة فتملئ الأسواق بالسلع التي تمولها بالديون الخارجية فتتراكم الديون وتفقد الدولة قدرتها على لسداد فتضطر الدولة إما إعلان إفلاسها والتوقف عن سداد الديون فتعلن الدول الصناعية والمؤسسات الدولية العقوبات السياسية والاقتصادية على تلك الدولة وإما إلى ان تقع تحت نفوذ صندوق النقد الدولي فيفقدها حرية قرارها . وبالإجمال توضع هذه الدول وشعوبها في متاهات تلهيها عن التطلع الى الأمام.

برزت مؤخراً مشكلة دولية تسمى بديون العلم الثالث ومع أن الدول النامية شرعت بالاستدانة منذ استقلالها إلى أن الديون ازدادت في العقدين الأخيرين عندما أرادت الدول الأوربية إعادة توزيع كميات الدولارات الموجودة في خزانتها فسهلة القروض لدول العالم الثالث ويتضح ذلك بجلاء عدم قدرة معظم الدول النامية على سداد شيء من ديونها ولا حتى فوائد الديون . والحل هو أن تلغي دول العالم الثالث فوائد الديون بالكامل من طرف واحد وان تتوقف عن سداد أصل الدين إلى أن تتمكن من بناء اقتصادها وان كانت الدول والمؤسسات الدائنة تتخذ عقوبات في حق الدولة التي تعلن إفلاسها يساعدها في ذلك تجمعها في نواد وكارتيلات للدائنين فيمكن للدول المدينة أن تجتمع في ناد يسمى بناد الدول المدينة أو المفلسة فتفاوض الدائنين بصوت عالي.

دأبت الدول الرأسمالية والمؤسسات المالية الرأسمالية على إيجاد تكتلات تقوي من أثرها وإجراءاتها ضد الغير فهذا تجمع الدائنين وذاك تجمع المنتجين في حقل كذا وحتى عندما كانوا في الموقف الضعيف شكلوا تجمعاً سموه تجمع المستهلكين للطاقة جعل من ضعفهم قوة أمام الدول المصدرة للنفط ولو قدر للدول الضعيفة أن تشكل تكتل خالياً من نفوذ الدول الكبرى لأوجدت لنفسها موقفاً قوياً.

 تمثل أمريكا الدولة المحافظة بالنسبة للنظام الدولي لان حصتها من العدل النسبي أعلى من غيرها إذ أن النظام نظامها والدول الأوربية تمثل الدول الإصلاحية الداعية إلى تعديله لتزيد نسبتها من العدل النسبي . أما دول العالم الثالث ومعها كثير من الدول فلا ناقة لها ولا جمل في النظام الدولي لأنه لم يحقق لها شيئاً من العدل النسبي , بل إن النظام قام على ظلمها , لذلك فان عليها أن تكون الدول الثورية التي تعمل على قلع النظام الدولي من جذوره . إن هذه الدول إن شعرت بعدالة النظام الدولي , فان شعورها هذا في حقيقته كشعور الثعلب بالعدل وهو يوزع الغنيمة في حكاية الأسد والذئب والثعلب.

العلاقات النقدية الدولية  بعد الحرب العالمية الثانية

بدء الذهب يتعرض إلى نظام السعرين إحداهما رسمي والأخر السعر الحر في أسواق النقد العالمية وفي عام 1968 وعندما اتفقت المصارف المركزية في الدول الكبرى على فصل العمليات النقدية على الذهب عن العمليات التجارية على الذهب وبعد أن أعلن نكسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1971 إنهاء علاقة الدولار بالذهب كعملة وان الدولار لم يعد قابلاً بالتحول إلى ذهب ومنذ ذلك التاريخ شنت أمريكا حرباً شعواء لا هوادة فيها على الذهب لإخراجها عن كونه نقداً ولجعله سلعة كأي سلعة من السلع يتحكم فيها قانون العرض والطلب بعد أن تنتزع عنه الصفة النقدية نهائياً حتى يتربع الدولار على عرش النظام النقدي ليأخذ مكان الذهب ويصبح هو العملة الوحيدة في الأساس النقدي وفي تحديد أسعار النقد والسلع وفي التجارة الدولية وبهذه الحرب القائمة بين الدولار والذهب أخذت أسعار الذهب في التغير والتذبذب حتى وصلت الارتفاعات الجنونية في أسعار الذهب إلى أن وصل سعر الاونصة الواحدة إلى أكثر من 850 دولار ثم عاد وانخفض وفيه القابلية على الصعود الجنوني حتى يتجاوز سعر الاونصة 2000 دولار.

ويلاحظ إن تغيرات أسعار الذهب كانت ترافق التقلبات في أسعار الدولار ارتفاعاً وانخفاضاً فكلما لعبت أمريكا واتخذت الأساليب لخفض سعر الدولار بالنسبة إلى العملات الأخرى  خاصة القوية منها مثل المارك الألماني والين الياباني والفرانك السويسري ارتفع سعر الذهب . وكلما ارتفع سعر الدولار بالنسبة للعملات الأخرى عاد سعر الذهب للهبوط. ولذلك كان التلاعب بأسعار الدولار مؤثر من مؤثرات التي تتخذ على ضرب الذهب والتلاعب بأسعاره كما يلاحظ بأنه كلما ارتفع سعر النفط ارتفع معه سعر الذهب بنسبة تكاد تكون ثابتة إلا عندما يتدخل البنك الدولي أو الفدرالي الأمريكي للتأثير على سعر الذهب لتخفيض قيمته حتى يبقى التحكم بالذهب واللعب به في يد أمريكا ترفعه أو تخفضه متى تشاء والنسبة التي تكاد تكون قريبة من الثبات هي نسبة 18-19-20 برميل للاونصة الواحدة فقبل سنة 1970 التي كانت البداية في تغيير أسعار النفط الخام كان السعر الرسمي لاونصة الذهب 35دولار وكان سعر برميل النفط الخام 1دولار و80 سنت أي ما يوازي 19ضعفاً .  وبعد بداية 1974 التي حصل فيها أول ارتفاع كبير بسعر النفط اذ بلغ سعر برميل النفط الخام 11دولار . فوصل سعر الذهب في ذلك العام 200 دولار للاونصة الواحدة اي بنسبة 18 ضعفاً ولما عاد سعر النفط للارتفاع في أواخر عام 1970 إلى ما بين  18 – 23.5 قفز سعر الذهب في ذلك الوقت إلى  400   دولار  للاونصة أي ما يعادل 19-20 ضعف غير أن سعر الذهب انخفض إلى مستوى يقرب من 100 دولار للاونصة بعد التدخلات من بنك أمريكا المركزي والبنك الدولي بطرحهما كميات كبيرة من أونصات الذهب إلى الأسواق للبيع وبذلك يتبين أن ارتفاع أسعار النفط يصاحبه ارتفاع اسعار الذهب وذلك أن الدول الصناعية عندما تزيد من ميزان مدفوعاتها مقابل ارتفاع أسعار النفط الذي تستورده تقوم برفع أسعار الذهب لتعوض الخسارة من جراء الزيادة التي تدفعها ثمنا لارتفاع أسعار النفط الذي تستورده وحتى تستطيع الدول الصناعية امتصاص من الدول المصدرة للنفط الثمن الذي دفعته لها مقابل نفطها وذلك عن  طريق بيع ذهبها للدول المصدرة للنفط بأسعاره العالمية فتعوض بذلك خسارة ما تدفعه من زيادة في أسعار النفط للدول المنتجة للنفط خاصة العربية منها هذا فضلاً عن استرجاع قيمة الزيادة في أسعار النفط عن طريق رفع أسعار منتجاتها الصناعية التي تبيعها للدول المصدرة للنفط وبذلك لا ينال الدول المنتجة للنفط إلا ثمن رمزي ومقيد دفترياً لان فائض دول النفط يبقى في أمريكا والدول الغربية ويحسب لها بالدفتر وان ما تحصل عليه الدول المنتجة للنفط من كبار المستثمرين فيها من ذهب سيضرب سعره عندما يراد إلحاق الخسارة بهم للقضاء على مدخراتهم عن طريق انخفاض حاد لأسعار  الذهب وبذلك يعود النفط وأثمانه لأمريكا وللدول الصناعية الكبرى.

كما يلاحظ أن أسعار الذهب كذلك مرتبطة بالوضع السياسي والأمني .فكلما اضطرب الوضع الأمني والسياسي في العالم وكلما حصلت الأزمات الدولية ارتفعت معها أسعار الذهب وهذا يتضح جلياً من ارتفاع أسعار الذهب بعد كل حادثة أو حرب أو أزمات بين الدول مثل الإطاحة بنظام الشاه في إيران وغزو أفغانستان من قبل الاتحاد السوفيتي والحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج 1991.وقد لوحظ أن هذا الارتفاع الجنوني لم يؤثر ول يتأثر كثيراً بالأوضاع  النقدية التي حافظت على استقرار نسبي . فالملاحظ أن سعر الصرف لم يرتفع بين الدولار والعملات الأخرى القوية كالمارك الألماني  والين الياباني والفرنك السويسري خلال سنة سوى 5% بينما ارتفع سعر الذهب خلال ذلك أكثر من 125% . من جميع هذه الملاحظات يتبن أن أمريكا لها الضلع الأكبر في التغيرات والتقلبات بأسعار الذهب وستبقى هذه التقلبات في الأسعار مدام النظام النقدي هو النظام الورقي وليس النظام المعدني

( الذهبي) .

 وقد حاولت فرنسا في عهد ديغول إرجاع النظام الذهبي وجعله الأساس النقدي في العالم كما دفعت التقلبات الحادة والارتفاعات الجنونية في أسعار الذهب كل من ألمانيا وفرنسا وغيرهما من الدول لمحاولة العودة إلى نظام الذهب ليكون قاعدة النظام النقدي في العالم غير أن أمريكا تأبى ذلك كل الإباء لتجعل الدولار هو الأساس النقدي في العالم وهذا ما أكده بكل وضوح وصراحة حاكم بنك أمريكا المركزي في اليوم الذي بلغ فيه سعر الذهب 800 دولار حين قال " إنما يحصل في سوق الذهب لا يعني أكثر من أن الذهب مادة أولية كغيرها من المواد عرضة للمضاربة وان ارتفاع سعر الذهب بهذه النسبة القياسية ليس إلا نتيجة مضاربة يقوم بها حفنة من المضاربين يتنازعون خلالها على كمية محدودة جداً من الذهب الأمر الذي يمكن أن يحصل عكسه والأمر الذي يؤكد أن الذهب لا يمكن أن يشكل مرتكزاً للنظام النقدي الدولي أو مرتكزاً فيه"  وهذا ما يعبر تماماً عن نظرة أمريكا التي تريد طرد الذهب وإخراجه نهائياً من نظام النقد وان تجعله سلعة من السلع وان تجعل الدولار هو أساس النظام النقدي في العالم.

وحتى يتخلص العالم من تحكم أمريكا وتلاعبها بمقدرات العالم النقدية التجارية وحتى السياسية والأمنية فلا بد من القضاء على النظام الورقي والقضاء على جعل الدولار أساسا للعملات والمبادلات وللتجارة الدولية ووضع الذهب أساسا لنظام النقد في العالم وإبعاد أي نقد ورقي من أن يكون أساسا نقدياً معه.  

لقد كانت غاية امريكا هي ان يكون الدولار هو مقياس العملات واساس التبادل التجاري ومقياس السلع والبضائع والمعادن والثروات والخدمات من خلال معاهدة بريتون وودز 1944 لانها كانت تتحكم بمخزون يعادل 70 % من ذهب العالم جعلت الدولار مع الذهب كمقياس في هذه المعاهدة ثم الغت الذهب عندما صرح نيكسون ان الذهب هو معدن ثمين وليس له علاقة بالنقد والمال بعد ان تورطت كل دول العالم بان جعلت مخزونها الاحتياطي من العملة هو الدولار السؤال الان الى متى نبقى نحن العرب والمسلمون نبيع نفطنا بالدولار هل فكرنا يوما ان نبيعه بالذهب علما ان عقيدتنا تلزمنا ان يكون الذهب والفضة هما العملة وهما المقياس وهما الثمن للسلع والخدمات


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق