]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اللغة العربية بين مكائد أعدائها وانهزام أبنائها (الحلقة السادسة)

بواسطة: الجمعية الوطنية للتأليف والنشر  |  بتاريخ: 2012-11-29 ، الوقت: 13:33:54
  • تقييم المقالة:

يقول التويجري إنه ممكن في المدى القريب فلقد تحقق اليوم ما أطلق عليه اسم

(التضخم اللغوي)، أو (التوسع اللغوي) الذي نتج عن اتساع رقعة الإعلام وتأثيره في المجتمعات، وذالك لانتشار اللغة العربية بوضعها الحالي، على نطاق واسع، وهو حسب رأيه ما يخدم أحد أغراض التنمية اللغوية بالمعنى الشامل للتنمية المعتمد في الخطاب المعاصر.

والتضخم الذي ذكره التويجري ليس هو التضخم المعروف عندنا في الاقتصاد والذي هو خطر على الاقتصاد ، فهذا التضخم اللغوي إيجابي لأنه توسيع لاستخدام اللغة، وإغناء لمضامينها ومعانيها، وتلك غاية سامية من الغايات التي تهدف إليها التنمية اللغوية. وانطلاقا من هذا المصطلح فإنه من المعلوم أن لأي تنمية من حيث هي, سواء كانت اقتصادية, أم اجتماعية, أم ثقافية، قواعد, وضوابط, ومعايير, وأهداف مرسومة.

ولما كانت التنمية اللغوية تندرج في هذا السياق, فلن يتحقق الغرض منها ما لم تتوافر لها الشروط الموضوعية، وهي الشروط التي إن انتفى منها شرط واحد، فقدت التنمية اللغوية الهدف المتوخى منها حسب تعبير التو يجري، وتنقسم إلى ثلاثة شروط:

أولا: أن تلتزم اللغة القواعد والأبنية والتراكيب والمقاييس المعتمدة والتي بها تكتسب الصحة والسلامة، في غير ما تزمت، أو تقعر أو انغلاق، مع مراعاة المرونة والتكيف مع المستجدات التعبيرية، فلا تسف، ولكنها تحافظ على طبيعتها، وأصالتها ونضارتها.

ثانيا: أن تفي اللغة بحاجات المجتمع، وأن ترتقي إلى المستويات الرفيعة لشتى ألوان التعيير، بحيث تكون لغة متطورة، مسايرة لعصرها، مندمجة في محيطها معبرة عن ثقافة المجتمع ونهضته وتطوره، مواكبة لأحواله، مترجمة لأشواقه وآماله.

ثالثا: أن يحتفظ بمساحات معقولة بين لغة الخطاب اليومي عبر وسائل الإعلام جميعا، وبين لغة الفكر والأدب والإبداع في مجالاتها، بحيث يكون هناك دائما المثل الأعلى في استعمال اللغة، يتطلع إليه المحدثون والكتاب على اختلاف طبقاتهم، ويسعون إلى الاقتداء به ويجتهدون للارتفاع إليه، فإذا عدم هذا المثل الراقي حل محله مثل أدنى وأحط درجة، لا يربي ملكة ولا يصقل موهبة ولا يحافظ على اللغة، إن لم يسيء إليها ويفسدها. والشرط الثالث هو من الأهمية بمكان، لأن انتفاء المثل الأعلى في اللغة يؤدي إلى هبوط حاد في مستوى التعبير الشفاهي والكتابي على السواء، ويتسبب في شيوع اللهجات العامية التي تنازع الفصحى السيادة على الفكر واللسان، لدرجة أنها تصبح مثلا يحتذي به. وتلك هي الخطورة التي تهدد شخصية اللغة العربية في الصميم. وهذه هي النتيجة التي يخشى اللغويون العرب من الوصول إليها، لأنها تمثل خطرا حقيقيا على الفصحى، وعلى ما تمثله من قيم ثقافية رفيعة، هي من الخصوصيات الحضارية للأمة العربية والإسلامية.

وهذه الشروط الثلاثة تتمثل في الفصحى المعاصرة (230) ويري الدكتور شوقي ضيف:

أن هذه الفصحى المعاصرة هي خلاصة التطور الذي عرفته اللغة العربية في هذا العصر، وهي اللغة (الوسطى) التي هي أعلى مستوى وأرفع مقاما من (اللغة السيارة). فهي لغة عربية تحافظ على خصائصها ومميزاتها وتراكيبها وصيغها، ولكنها لغة عربية معاصرة، بكل ما في المعاصرة من دلالات, ولذالك كانت الفصحى المعاصرة تعيش مرحلة خصبة من جميع الوجوه، إذ وسعت مضامين شتى من العلوم والآداب، ونفذت إلى أسلوب ميسر مبسط ، من شأنه أن يساعدها على انتشارها في جميع الألسنة، وقد ظفرت بفنون كانت خاصة بالعامية. ولكننا نعرف أن الفصحى المعاصرة استولت منذ القرن الماضي على أكبر ساحة لغوية شعبية في هذا العصر. (231)

ويصل المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم د: التو يجري من اجتهاده هذا إلى أن الفصحى من هذا المنظور، هي الأمل في تطور اللغة العربية تطورا سليما، في هذه المرحلة التي تهاجم فيها الهوية الثقافية والخصوصية الحضارية للأمم والشعوب، فهي لغة الإعلام والفكر والثقافة والإدارة الدبلوماسية ، وهي لغة لا تنفصل عن الماضي، ولا تتنكر للتراث اللغوي، ولكنها لا تجمد عند مرحلة تاريخية من تطور اللغة، وإنما تساير المستجدات في غير ما اندفاع أو علو أو تطرف،لأن التطرف في اللغة هو الانفلات من القواعد، والانقلاب على التراكيب والصيغ البيانية المقطوع بصحتها وسلامتها. ويري أن هذه الفصحى المعاصرة هي لغة الحاضر والمستقبل، وهي الرد الموضوعي على الأخطار التي تتهدد اللغة العربية، وهي إلى ذالك التطور الطبيعي للفصحى الأصلية التي ضعف استعمالها في المجتمع نتيجة للأسباب والعوامل السالفة الذكر، مبينا أن هذا المصطلح الجديد (الفصحى المعاصرة) تعنى معاني كثيرة, منها ربط الفصحى بالمعاصرة، بما يستلزمه ذالك من الانخراط في العصر، والاندماج في تحولاته، والاستغراق في تياراته، وهو الأمر الذي يعني في المقام الأول الأخذ بالنتائج التي انتهى إليها علم اللغة الحديث، والاستفادة من ابتكارات العلوم (232) المرتبطة بفقه اللغة وعلم الأصوات وهذا ما يجعلها تلتزم بقواعد العلوم الحديثة.

إن المعرفة التي بحوزتنا، هي الوسيط الذي ندرك من خلاله الوجود المادي والمعنوي، والواقع التاريخي، والواقع المعيش، وهذا الوسيط يتم تطويره عبر الخبرة البشرية، وعبر الكشوف والبحوث المتجددة. إننا نعيش في عالم متغير تجتاز فيه الإنسانية منعطفا جادا، ومثلها تدرجت في عصور الرعي, والزراعة,والصناعة, ها هي ذا تدخل الآن في عصر المعلومات، الذي تتنامى فيه العمالة الفكرية على حساب العمالة اليدوية، وتتبدل فيه مقاييس التقدم ومعايير ارتقاء الأمم وتترك خصائصه آثارها العميقة على طرف التفكير، وأنماط العيش وسبل التخاطب وأساليب التربية والتعليم وقواعد السلوك وسائر العلاقات الاجتماعية والسياسية، والاقتصادية المحلية منها والإقليمية والدولية.

وككل التحولات الكبرى في التاريخ سوف نضطرب خلال مراحل تحول القيم والموازين وأنماط السلوك، وسوف يقاوم الإنسان التغيير ويدافع بحكم الاعتياد إلى أن يستقر الجديد وتثبت فعاليته وجدواه. إن أهم تحول عرفته نهاية القرن العشرين هو الانتقال مما أسماه (توفلر)(233) بالموجبة الحضرية الثانية ,التي بدأت مع نهاية القرن السابع عشر الذي كان مصدر الثروة والنفوذ فيها هو رأس المال والإنتاج الصناعي, إلى الموجة الحضارية الثالثة التي تمثل فيها المعرفة (إعلام ، معلومات ، تقنية رقمية) المصدر الأساسي للقوة والهيمنة.

لقد عجل ظهور مجتمع الإعلام والمعرفة بحدوث .....يتواصل


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق