]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

العهود الثلاثة

بواسطة: عبد الله المؤدب البدروشي  |  بتاريخ: 2012-11-28 ، الوقت: 19:26:03
  • تقييم المقالة:

                                          العهود الثلاثة

العهد في أجلّ معانيه..هو الميثاق الذي يُلزم الإنسان بما تم الإتفاق عليه..و أقدم عهد..وأول عهد..و أعظم عهد..هو ذلك العهد الذي أخذه الله تبارك و تعالى من آدم و بنيه..أن لا يعبدوا إلا الله..ولا يشركوا به شيئا..يقول رب العزة  جل وعلا ..وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ... أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ.. {الأعراف 172-173}.. روى الإمام مالك في كتابه الموطأ.. أن الفاروق عمر رضي الله عنه سأل حبيب هذه الأمة صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية  فقال..إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج  منه ذريته.. وروى الإمام الترمذي و صححهعن أبي هريرة رضي الله عنه  قال "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال:لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة.. فكل إنسان قبل أن يخلق في بطن أمه كان ذرة في ظهر أبيه..وأبوه كان ذرة في ظهر أبيه..ويمتد هذه التواصل من جدنا آدم عليه السلام ..إلى آخر مولود من ذريته.. جمع الله هذه الذرات من ظهر آدم..وأشهدها..وأخذ عليها العهد..و أبرم معها  الميثاق..قال ألست بربكم..ألست بخالقكم..و أنا الواحد الأحد..و أنكم عبادي.. خلقتكم  لتوحيدي و عبادتي.. قالوا شهدنا.. ولذلك  يأتي الإنسان إلى هذه الحياة.. يحمل معه نص عهده و ميثاقه..فِطْرَة اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا..{الروم 30} يأتي..وفي عمقه رغبة للعبادة.. يأتي موحدا ..يأتي مجبولا على الطاعة و فعل الخير.. قال  حبيبنا صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيحين .. مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ..الإنسان يبعث في هذه الحياة مؤمنا بربه..الذي أنشأه..وطوره.. وصوره.. وقدره.. وأمده بأرقى الغذاء, وهو في ظلمة الرحم..فيأتي حامدا شاكرا لله أنعمه.. حاملا للعهد.. مؤمنا بالميثاق..و الأبوان بعد ذلك يحددان الطريق.. فتراه إن ضل و ضاع.. سجد لأي كائن يرى فيه القوة..و يرتجي منه الحماية.. فمن الناس من يسجد للشمس..ومنهم من يسجد للقمر..ومنهم من يسجد للريح..ومنهم من يعبد النار.. ومنهم  من ينحت الحجر الأصم..ثم يخشع  له و يسجد..ومن رحمة الله عبر الزمن..  إذا حاد الإنسان عن السبيل .. أرسل الله  إليه رسلا..  لتوجيهه و إعادته إلى طريق الله...يقول تبارك وتعالى  رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلآ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.. وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ..{النساء 165}..

أحد السلف..كان يعبد صنما..في الجاهلية.. لما بلغه الإسلام..و أسلم أفراد عائلته  ,طلبوا منه الإنضمام إلى الأسرة المؤمنة..قال لهم..لا أنظر في أمر,حتى أستشير صنمي.. وقف أمام صنمه في خشوع و خضوع..قال له بكل أدب..لا ريب أنك  قد علمت بخبر هذا القادم..إنه يريدك بسوء..و ينهانا عن عبادتك..فأشرعليّ.. وانصحني.. فلم يرد الصنم..فأعاد عليه ثانية..فلم يجبه..قال له لعلك غضبت.. سأسكت عنك أياما حتى يزول غضبك..و في إحدى الأيام..خرج إلى صنمه فوجد عليه بللا..فعجب وقال..بلل بلا مطر..ثم التفت فرأى ثعلبا يدور بالمكان.. فعلم أن البلل من الثعلب..فأفاق من غفلته..استرجع فطرته التي فطره الله عليها.. .عاد إليه رشده..فانشد قائلا :

    أربّ يبول الثعلبان برأسه    

        لقد ذل من بالت عليه الثعالبُ

   فلو كان ربا كان يمنع نفسه   

        فلا خير في رب نأته المطالبُ

   برئت من الأصنام يا رب كلها

           و آمنت  بالــذي هــو غــالبُ

ثم حطم الصنم..وانطلق إلى المسجد النبوي.. حيث تشرفت يداه بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم..وإنا نحمد الله..أن شرفنا فجعلنا على الدين الحق..هذا الإسلام العظيم..الذي كرمنا الله به.. فمن أعلى قمة الدين القيم..نرى الناس حولنا..إلى يومنا هذا..في عصر العلم و المعرفة..نراهم في حضيض المعتقد..نرى من جعل الآلهة ثلاثة وفي قرآننا العظيم..يقول ربنا الكريم.. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ..{المائدة 73}..في زماننا ..ونحن في عظمة الإسلام.. نرى من يسجد للصنم.. بل ما زال من يحمل عقلا و فكرا..ونراه يسجد للبقر..فالحمد لله على نعمة الإسلام.. وهذا ما يزيدنا تمسكا به ..وعملا بشرائعه..

فالعهد الأول..كان بين الإنسان وخالقه..عهد الإيمان و الطاعة.. أما العهد الثاني..فهو العهد الذي أخذه الله على الزوجين..لقد جعل الله عقد الزواج ميثاقا غليظا..فقال تبارك و تعالى وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا..{النساء 21}.. وقدّر بين الزوجين المودة و الرحمة..وجعل ذلك من آياته في خلقه..فقال عز وجل..وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ..{الروم21}..يقول حبيب هذه الأمة صلى الله عليه وسلم.. اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ.. فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ..الزواج في الإسلام..ليس اتفاقا على عشرة مؤقتة..وليس استعبادا وظلما.. وكيف يحدث الظلم بين الزوجين..والله جعل بينهما المودة و الرحمة..ومن يظلم..يظلم الزوج زوجته..تظلم الزوجة زوجها.. أين كتاب الله..أين الرجاء في الله..و نحن في صلاتنا ندعوه أن اهدنا الصراط المستقيم..{الفاتحة5}..نرفع أيدينا راجين من الله..خيري الدنيا و الآخرة..لا يمكن لمن يؤمن بالله أن يظلم..لا يمكن لمن يصلي و يسجد لله أن يعتدي.. ونحن نعلم يقينا أن الله الذي كتب لنا الزواج و جعله سنة بين أنبيائه و سائر خلقه..نعلم أن الله سيسألنا أما م خلقه..عن تعاملنا في بيوتنا.. عن حضور شرعه بين أهلنا..يقول جل جلاله وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً..{الإسراء 34}.. الزواج في الإسلام أمانة وعهد و ميثاق.. و رحمة و مودة ووفاق.. و هكذا فإن العهد الأول عهد الإيمان و الطاعة ..و العهد الثاني..ميثاق الزوجين و عمارة الكون..و أما العهد الثالث..      فهوالذي يربط المؤمن بمن حوله.. وكل عهد بين الإنسان ومن حوله..يستمد قدسيته و حرمته من عهده مع الله.. فلإحسان إلى الوالدين عهد..جمعه الله مع الأمر بعبادته..فقال تبارك و تعالى..وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.. وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا..{النساء36}وجعل ذلك قضاء و قدرا مقدورا.. محتوما على كل مؤمن و مؤمنة..فقال عز و جل.. وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.. {الإسراء 23}.. فحسن معاملتك للوالدين.. طاعة لله تؤجر عليها مرتين..تعيش نعيمها في الدنيا.. قال صلى الله عليه وسلم :  بروا آباءكم تبركم أبناؤكم.. وتلحقك ثمارها بعد الممات..لقوله  صلى الله عليه وسلم :  إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له..وهذا الإحسان موصول بعبادة الله.. يجد المؤمن ثوابه عند الله يوم القيامة..حسن تربية الأبناء عهد.. ترى بهجته قرة عين في الدنيا.. وتصلك لطائف برهم تزيد في الحسنات و ترفع في الدرجات.. صلة الرحم عهد..فقد مضى في قضاء الله.. أن الله عهد للرحم حين استجارت به من القطيعة ..قال لها..أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَهُوَ لَكِ..والحديث في الصحيحين..

الإحسان إلى الجار عهد..أوصى به جبريل عليه السلام حبيب هذه الأمة صلى الله عليه وسلم..مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِى بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ..راوه البخاري و مسلم.. وعدّه الحبيب صلى الله عليه وسلم  من الإيمان..فقال لصحابته يوما.. وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ قالواَ وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ .. يخاف شروره..يخاف أذاه..يخاف أفاعيله..يخاف ظنونه..فالجار الى الجار رحمة..و محبة..وأمان..و تعاون...حسن التعامل مع الناس جميعا عهد..إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ..{الحجرات 10}..و المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.. والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة.. ومثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى...هكذا أرادنا الله..أمة واحدة..في تآلفنا وتحالفنا..أمة الخير والعمل الصالح..وإلى ذلك أرشدنا خالقنا و مبدعنا  لنكون خير امة أخرجت للناس..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق