]]>
خواطر :
ظللتنى تحت ظل السيف ترهبنى...حتى استغثتُ بأهل اللهِ والمَدَدِ... ( مقطع من انستنا يا أنيس الروح والجسدِ)...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أدب الهروب

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2012-11-28 ، الوقت: 06:14:35
  • تقييم المقالة:

 

إذا كانت السلطة الأدبية mana)) (الميلانيزيون) - أي الإعتقاد بوجود قوى تأثير عليا في الشيئ أو في الشخص الذي يملكها - سلطة النص الأدبي أمام سلطة القارئ وسلطة الكاتب معا,وإذا كانت العدالة الشعرية تفرض منطقها أيضا على الأثر الأدبي,قانونا وأسلوبا وجماعة متهمين ومتهمين ومحلفين ومحامين,لتنفذ العدالة حكمها على القارئ او على الكاتب او على جمهور القراء أو جمهور أشخاص الكاتب ,من حيث القانون لايجب أن يكون مناهضا للعدالة,ووفق تساؤل :هل الجريمة تفيد ؟ ليتحقق في الأخير الإتزان الأدبي,إعادة الإتزان مابين الإنسان والمحيط بشكل عام.

وإذا كانت من جهة أخرى الخيانة الإبداعية,هي أن يكون في مقدور الكاتب التلاعب بأسلوبه وبالتالي بمجتمعه,من حيث الأسلوب لم يعد هو الإنسان فقط بل هو المجتمع, كأن يلزمهم بأحداث عكس ما تجري عليه أحداث النص الإبداعي,أو يترجم النص الأدبي الى عمل فني أخر كالمسرح والسينما عكس ما يجري عليه النص الأصلي او واقع الحدث الفعلي .

وإذا كان المصلى الأدبي,يعطي للأثر الأدبي قدسيته الدينية ,و مكانا مقدسا شبيها بالدعاء والرجاء من حيث الأدب شعر وسحر صوفي مقترن بالصلاة ,أو كما قالت (أجاتا كريستي):أنا لاأصلي كما تصلي المخلوقات أنا أصلي على البيانو,مصلى كذاك الذي قام على مقام تمثال (أبولو) القرن/(-4 ق.م):الأسطورة ,الإله,إله الموسيقى والشعر والتنبؤ ,يمثل شباب الرجولة وجمالها,أو كما قال (سوزا)/ جميع الفنون الزمكانية ذات منشأ ديني ,كما أن جميع الفنون في الإسلام تقود الى المسجد والمسجد يؤدي الى الصلاة كما قال المستشرق المسلم (روجي غارودي).

أما أدب الهروب يطرح إشكالا أخر من نوع أخر,ومن حيث الأدب أي أدب: يضفى عليه الصفة الإجتماعية ,من حيث انه نشاط إنساني قد يتأثر بالمجتمع.إيجابا او سلبا,مقربا او منفرا. الأدب غايته الأولى أن يخلق حوارا كيفما كان هذا الحوار ,ليس حوارا مجانيا ,حوارا يسعى لأن يؤثر أن يقنع او يعلم او يعزي او يحرر او حتى أن يبعث اليأس,حوار ذو غاية.ويكون الأثر الأدبي عمليا,عندما يلتقي الجمهور المحاور والجمهور الذي يوجه له الأدب بواسطة الكتاب,وعلى العكس فإن كان الأثر الأدبي يدخل القارئ المغفل في الحوار وكأنه غريب,فالقارئ غريب عن الجو وكأنه لايرى وهو يرى كل شيئ ويسمع ويحس ويفهم دون أن يكون معنيا بهذا الحوار.فاللذة التي يستشعرها,كي يستسلم الى المشاعر والأفكار والأسلوب هي لذة مجانية لاتلزمه.فكل لذة جمالية وعليه كل تبادل أدبي قد يصبح مستحيلا اذا فقد الجمهور ضمانة الأغفال وأن يشارك دون أن يلتزم ,بينما الكاتب بطبعه ملتزم.

اذن تكون الخيانة الأدبية إذا ما أراد الكاتب أن يستخرج الأثر الأدبي من نظام البديهيات التي ولد فيه والذي أصبح سجينا فيه .كأولئك الكتاب المحدثين الذين حاولوا أن يكتبوا لنا الروائع الكلاسيكية القديمة ألإغريقية او الرومانية ويعطونها صبغة حديثة ,او يركبونها طابعا إجتماعيا مخالفا ,كألأثر الكلاسيكي الرائع الخالد (إلكترا),الذين أنزلوها من عليائها من إمرأة نبيلة ربيبة قصور,إلى مجرد إمرأة فقيرة تسقي الماء وتضع دلوا على رأسها ,وتتزوج رجلا فلاحا فقيرا وتنجب منه إبنا ضعيف البنية لايتسطيع أن يوفر للدولة الإغريقية الإنتقام المطلوب.إن رابطة البديهيات,وعلى صعيد اللغة ,الكاتب لايحتفظ بكلمات وأسلوب الجماعة,وأنما يعطي معنى أكثر صفاء لكلمات الجماعة.إذن تمة خيانة إبداعية,حين تجد الجماهير في الأثر الأدبي ما ترغب فيه ,عكس ما يشتهيه الكاتب.لم يرد أن يضمن ذلك قصدا وألا يكون فكر فيه مطلقا.قد تكون هذه خيانة أدبية لكنها خيانة خلاقة فاعلة إبداعية.وقد تكون الترجمة شكلا من أشكال الخيانة الأدبية,ذاك أنها تصنع الأثر في نظام المستندات اللغوي,لم يتصور الأثر من أجله,إلا أنها تعطي الأثر واقعا جديدا ,إذ تتيح تبادل أدبي جديد مع جمهور أوسع ولأنها تغنيه كذلك ببقاء وبوجود ثان.قد لاتحصل الخيانة الأدبية من عصر الى عصر بل من بلد الى بلد ومن فئة إجتماعية إلى فئة إجتماعية أخرى داخل بلد واحد. إن (كيبلنغ):الذي كان كاتبا مغمورا بأنجلترا,أينع وأنبث من جديد في فرنسا,قبل وفاته أدبيا بواسطة الأدب الطفولي,وفي روسيا بواسطة أدب النضال.كيبلنغ لقد أفسد عليه المجد والإكليل الشعري الأدبي نظرته اللا تكسبية للأدب,لكنها بالمقابل أعطته مالم يخطر بباله بعد وفاته.لقد أكد هو نفسه عجز الكاتب عن أن يتكهن عن الإفراج والحقائق التي سيوقظها أثره بعد وفاته.ولعل الأثر الأدبي لأن يكون موضوعا للخيانة الأدبية,هي العلامة الوحيدة كونه أدبا خلاقا كبيرا .وأنواع الإستعمالات المختلفة التي يضفيها جمهور القراء على الأثر هي التي  تظهره على حقيقته تهذبه او تشوهه ,ويقع عليه الإختلاف,وبالتالي كما تقول الحكمة أن تعرف كتابا ما,هو أن تعرف كيف قرئ ,أن تعرف الظروف النفسية الإجتماعية الثقافية لمختلف القراء ,إذن أدب هروب لم يعد متعلقا بترجمة الأثر ليس لغة وإصطلاحا فقط وإنما فنيا أو الإنتقال به الى جنس أدبي  فني أخر أو  أعطي فهما أخر على حسب كل جيل وعلى حسب مختلف الثقافات,أو النقاد والباحثين أكتشفوا كنزا دفينا بالأثر لم يخطر على بال صاحبه مطلقا , وان الأثر أعطى لصاحبه مالم يعطيه وهوعلى قيد الحياة .او كأن يسمى هذا العصر عصر القارئ عوضا عن عصر الكاتب,لقد أمحا  المؤلف تدريجيا  ,يبدو القارئ صاحب وخالق الأثر (....) لقد تحول القارئ الى إنسان فعال له الدور الأول في عملية الإبداع الأدبي كما تحول عصرنا هذا الى عصر القارئ,قارئا جاعلا من الكلمة المعادل الصوتي.وإذا كان من جهة أخرى الشاعر أو الكاتب يمارس على منتوجه خيانة إبداعية كتراسله على الحواس,عندما  راح يعطي المسموعات ألوانا,والمشمومات أنغاما ,وتصبح المرئيات عاطرة ,قصد توليد إحساسات تغنى بها اللغة,وقصد الهروب من واقع ثقيل ,يضغط بمنطقه على العقل والنفس,ولو لبعض الوقت.

- آه....آااااااه ,في العقل لجبالا.

- التجديف صعدا نحو المنبع.

- الطائر بأجنحة أبعد منه.

- آااه ,أيها الراعي يا برج إيفل

قطيع الجسور يثغوا هذا الصباح

- أكسر قشرة ألفاظك وأفصح عن لب الفكرة.

أو الروائي الأديب الذي كف عن مجاراة التاريخ والوضع المدني,والحكاية,لكي يحوز على رؤية خاصة للعالم,تضاهي رؤية الرسام او النحات,وكما أن الرسام يرى بالألوان ,والنحات يرى بالأحجام ,فإن الروائي صار يرى بالإنطباعات المعاشة او بوقائع الشعور كلاما وغناء كما هو في علم النفس.وبالتالي وراء كل هذه الخيانات الخلاقة  ,إنتقل ما يميز الأدب إلى ما يميز جميع الحالات الأخرى الإجتماعية الصحية الثقافية الإقتصادية والعدالة ومختلف السلطات السياسية  وصولا الى البرلمان الأدبي قصد تحقيق الهروب الفني الأدبي المنشود.من حق الجمهور بدوره أن يمارس خيانته الإبداعية الخلاقة على الأثر أيضا ,أن يضرب بوحدات النص الكلاسيكية المقدسة,وأن يؤول النص حسب كل عصر وكل عرق وجنس وتاريخ وبيئة .

اذن الخيانة الإبداعية لم تعد متعلقة بنقل النص  الساذج حرفيا على مؤلفه الأصلي وإنتسابه الى مؤلف أخر عن قصد او غير قصد,وإنما بالتراكم حين يعطى النص تأويلات أخرى في المكان والزمان ,لكنه يخدم مؤلفه خدمات جليلة لم تكن بالحسبان,وتمكن الجمهور من الهروب من ساعات عمل يومي ,أمام الزخرف ووراء الزخرف أيضا.نلاحظ أيضا ان مطالعة أدب الهروب توجد أكثر رواجا لدى النساء الشابات خاصة عند سن 30- 40 سنة,كما يصح هذا أيضا عند الرجال,ولعل ذلك توفر المزيد من الوقت وتقدم السن,وتخفيف ضغط الحياة.كما يلعب الإستهلاك الوظيفي والإستهلاك الأدبي للكتاب سببا مباشرا لأدب الهروب,كأن يستعمل الكتاب إستعمالا طبيا معالجا ,ليس ذلك ناتج عن مرض عضوي نمطي’ وإنما حيث يلعب الكتاب دورا علاجيا,كتابا من أجل النوم او لإشتغال الذهن وتحويله عن كرب أصابه,كما أن مطالعات الإستجمام التي توفر للروح رياضة صحية.كما أن بعض القصص البوليسية تلعب دورا شبيها بالتسلية ,اللعب بالكلمات المتقاطعة.او كأن يستعمل الكتاب كمخدر على الجهاز العصبي للحصول على أحاسيس معينة:كقراءات الرعب او قراءات مضحكة,تلك التي تثير الدموع وبنوع خاص قراءات جنسية,الإستعمال الجنسي للكتاب كحافز للمطالعة حتى ولو لم يكن المظهر الإباحي الاعنصرا ضئيلا او حتى عنصرا لاواعيا.أدب الهروب ومطالعة أدب الهروب هو الإنشغال في الوحدة,فالإنسان الذي يطالع لايتكلم,ولايعمل بل ينقطع عن نظرائه وعن العالم المحيط به,ذاك ان المطالعة الهروبية لاتدع أي هامش من الحرية للحواس وتستغرق الوعي كله جاعلة من القارئ عاجزا عن أمر آخر,فهي تزيل علاقات الفرد ولو مؤقتا بعالمه ليبني منها علاقات جديدة مع عالم الكتاب إذن يوجد إختلال بين القارئ ومحيطه,إختلال يلازم الطبيعة البشرية كقصر الحياة وهشاشتها,ا والى إصطدام بين الأفراد:حب..., بغض...,شفقة ا والى بنى إجتماعية:جور...,بؤس...,خوف من المستقبل...,ملل.المهم,إن أية قراءة في الأصل هي تندرج تحت طائل أدب الهروب,الهروب من ماذا الى أين؟,تلك المطالعات في علاقتها مع الأحداث  السياسية  وخاصة وقت الأزمات :حروب...,أزمات دولية....,أمرض ....,أوبئة...الخ.وكيما نقبض على اللحظة المسحورة بأي أدب هروب علينا أن نبحث في الظروف السوسيولوجية لهذا النوع من الأدب ومن المطالعات والجمهور وكذا الأثر نفسه. الفراغ نعمة,فالحياة توشك أن تبتلع الفرد بأنماط مختلفة,العمر..,والتنشئة المهنية..., والوظيفة.الشاب يطالع لأنه في عمر أزمات الشخصية والصدام مع الجماعة ,كما أن العوامل التي تؤثر على الهروب:نوع النشاط المهني...,المسكن...,الظروف المناخية..., والوضع العائلي.تعددت المطالعات والهروب واحد, ولعل أوقات المطالعة هي نفسها فترات المحبة لأدب يسمى أدب الهروب,أوقات السفر الطويل المخصصة للروايات ومطالعة السهرة والمطالعة الليلية حيث تكشف الكتاب الناجح,والكتاب المحبب للقارئ ,ذاك أن المحرمات تفقد فعاليتها وتمحي الواجبات الإجتماعية في وحدة الليل,ومطالعة المرضى على سرير المرض ومطالعة العطل الأسبوعية والفصلية والإستراحات مجملة .أخيرا أدب الهروب هو المحبب للقارئ في جميع الأحوال ,بحيث تكون :دقيقة واحدة قراءة تساوي30ثانية عمل,ما يربحه القارئ في أدب الهروب يخسره بالجهد المبذول في العمل,هذا من جهة ومن جهة أخرى يطرح نفسه هذا النوع من الأدب على القارئ وفي الأونة الأخيرة,لضنك وصعوبة الحياة ولما يجري بالعالم من تأثيرات وتحولات في الغالب ما تجابه بالمقاومة السياسية والإجتماعية والعسكرية والإقتصادية ليتولد عنها في الأخير إنسحابا معينا وأثرا فنيا يسمى أدب الهروب,إذن متى نقبل على الكتب كعوض عن شيئ مكتسب بدلا عن شيئ مفقود في وعينا والا وعينا,عن أي شيئ ربحناه في الماضي والحاضر والمستقبل عوضا عن أي شيئ خسرناه أو في طريق الخسارة؟ وإذا كانت الثقافة إنقاذ,والكتاب والأدب ظاهرة ثقافية أساسا,فهل أدب الهروب إنقاذ ....؟أنقاذا للأديب والكاتب وللقارئ وللبيئة على حد سواء,بعد أن تبثت المطالعة بالمستشفيات الى نوع من أنواع العلاج,ونوعا من أنواع أدب الهروب ,الهروب من التفكير في المرض وأثاره النفسية الجسمانية على المريض,إلى تعويض بيئة المرض الى بيئة أكثر صحيا ولو لبعض الوقت,أن يعوض نفسه على العلاج المرجو حتى يتحقق الشفاء المطلق عضويا ونفسيا وإجتماعيا وبيئيا. ويمكن أن ينسحب هذا التداعي والتأويل على بقية الأزمات والأمراض,الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والبيئية,وقد يتحقق هذا إلا إذا أعتبرنا الثقافة إنقاذ نسعى لها عن طريق المطالعة بكل أنواعها سواء كانت هروب او إقدام أو أي شيئ أخر,فالأدب هو الأدب في مكان هو كل مكان ,وزمان هو كل زمان, وحدث هو كل حدث ,وجمهور هو كل جمهور.الأدب ليس برنامجا سياسيا ولاصكوك غفران, لكن,بإمكانه :أن يعلم وأن يمتع وأن يهز,يهز المجتمع من جذوره.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق