]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اللغة العربية بين مكائد أعدائها وانهزام أبنائها (الحلقة الخامسة)

بواسطة: المرابط ولد محمد لخديم  |  بتاريخ: 2012-11-26 ، الوقت: 20:27:03
  • تقييم المقالة:

ويرى الدكتور عبد العزيز التو يجري أن المقارنة بين قول ابن منظور في القرن السابع السابق(223)، وقول الدكتور شوقي ضيف، في القرن الخامس عشر، عن حال اللغة العربية فتح أفقا واسعا للتأمل.

مضيفا أن هذا من شأنه أن يحفز إلى تدبُر المستوى الذي وصلت إليه اللغة العربية في هذا العصر..(224). غير أن استحضارنا لواقع اللغة العربية وتأويلنا له لا يستند إلى المقارنة السابقة فقط.ورأي التويجري فيها بل يستند أيضا إلى قول العلامة محمد عنبر في كتابه المميز(جدلية الحرف العربي). حيث يجزم أن عودة لغة الضاد بسيرتها الأولى ممكنة حين يقسم لهذه اللغة أن تحرر أصولها بكشف الجدل الذي يحكمها، وبيان مسيرته الديالكتكية عن طريق مدارس تقيمها الأمة لهذه الغاية بل أكثر من ذالك سيصبح في مقدور أهلها مجتمعين أن يأتوا بما لم يأت به الأول. لأن هذا الحرف العربي في نظره من أقرب الحروف إلى الأصل الأم لأنه مطابق ومساوق لحركة الوجود في سيرها.(225)

ومحمد عنبر في معالجته هذه يكشف عن نظرية تختلف شكلا ومضمونا عن كل ما كتب سابقا ويكتب الآن عن اللغة العربية, وهي النظرية التي اعتمدناها في بحثنا هذا..

ويرجع عجز اللغة التقليدية ـ كما يعبر عنها الآن ـ إلى أشياء لا تمت بصلة إلى اللغة نفسها وإنما النظر إليها على أنها لغة اصطلاحية تواضع عليها أهلها كوسيلة للتفاهم فيما بينهم دون النظر إلى اللغة ـ أي لغة ـ على أنها في أصل صدورها ليست إلا مجرد أصوات صدرت عن صائت فطرة وسليقة وطبعا كردة فعل على الواقع الذي فعل بهم فصانوا، وهم حينما .صاتوا لم يريدوا إفهام الآخرين بمرادهم(226) " ومن هنا كانت الأصوات الفطرية القليلة جدا ـ إذا اعتبرت بما آلت إليه اللغة فيما بعد ـ في إعرابها عن ذاتها بذاتها عما هي عليه في ذاتها، إنما هي أصوات يمكن أن تقرأ فيها أسرار هذا الوجود. وواضح أن قراءة كهذه لا بد أن تكون على قدر استيعابنا وليس على قدر ما هي عليه في ذاتها، ومن هنا قام التفاوت في هذا الاستيعاب بين قارئ وآخر.

ولما كانت أٌقدار هذا الاستيعاب في نمو بين كل خطوة حضارية وأخرى، فإن استيعاب ما تعرب به اللغة الفطرية من ذاتها بذاتها عما هي عليه في ذاته يزداد يوما بعد يوم"(227)

وبالرجوع إلى اللغة الهجينة السالفة الذكر وهي لغة الإعلام المعتمدة وبحكم التوسع في وسائل الإعلام وتعدد قنواته ومنابره ووسائطه، ونظرا إلى التأثير العميق والبالغ الذي يمارسه الإعلام في اللغة، وفي الحياة والمجتمع بصورة عامة، فإن العلاقة بين اللغة العربية والإعلام أضحت تشكل ظاهرة لغوية جديرة بالتأمل.وهي ذات مظهرين اثنين:

ـ أولهما: أن اللغة العربية انتشرت وتوسع نطاق امتدادها وإشعاعها إلى أبعد المدى، بحيث يمكن القول إن العربية لم تعرف هذا الانتشار والنبوغ في أي مرحلة من التاريخ.. وهذا مظهر إيجابي باعتبار أن مكانة اللغة العربية قد تعززت كما لم يسبق من قبل، وأن الإقبال عليها زاد بدرجات فائقة وأنها أصبحت لغة عالمية بالمعنى الواسع للكلمة.

ـ ثانيها: ويتمثل في شيوع الخطأ في اللغة، وفشوا اللحن على ألسنة الناطقين بها، والتداول الواسع للأقسية والتراكيب والصيغ والأساليب التي لا تمت بصلة إلى الفصحى، والتي تفرض نفسها على الحياة الثقافية والأدبية والإعلامية، فيقتدي بها وينسج على منوالها، على حساب الفصحى التي تتوارى وتنعزل إلا في حالات استثنائية.

وبذالك تصبح اللغة الهجينة هي القاعدة، واللغة الفصحى هي الاستثناء. وهذا مظهر سلبي للظاهرة"(228) وإذا قمنا بالتكيف اللغوي ـ على غرار التكييف القانوني ـ لهذه الظاهرة، لا نعدو الحق إذا قلنا إن اللغة العربية تعاني في هذه المرحلة مما أسماه التويجرى (التلوث) الذي يلحق أقدح الأضرار بالبيئة اللغوية ، ويفسد الفكر، ويشيع ضروبا من الاضطراب والإرباك والقلق في العقول,  علاوة على ما يسببه هذا الوضع اللغوي غير المستقر ، من فساد في الحياة العقلية للأمة, تنتقل عدواه إلى فساد في معظم المجالات، فتختلط المعاني والدلالات والمفاهيم والرموز في لغة الحوار بين الطبقات المثقفة، وبين قيادات المجتمع ، فيؤدي ذالك إلى الغموض والالتباس والتداخل في مدلولات الكلمات، مما  ينتج عنه حالة من (الفوضى اللغوية) التي إن عمت وانتشرت، أفضت إلى فوضى عارمة في الحياة الفكرية والثقافية، وإلى ما هو أعظم خطرا من ذالك كله. (229)

إن هذا التشخيص للعلاقة بين اللغة والإعلام يمكننا من أن نقف على حقيقة الحالة الراهنة للغة العربية، وهي حالة خطيرة بكل المقاييس في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية وما دام التشخيص السابق وصف هذه المرحلة ب:(التلوث) فإننا نتوقع معالجة الخلل وتطهير البيئة اللغوية من هذا التلوث، وإفساح المجال أماما تنمية لغوية يعاد فيها الاعتبار إلى الفصحى، وتستقيم فيها حال اللغة، بحيث تقوم العلاقة بينها وبين الإعلام على أساس سليم، فيتبادلان التأثير في اعتدال وفي حدود معقولة ، فلا يطغى طرف على آخر، بحيث تبقى اللغة محتفظة بشخصيتها، ويظل الإعلام يؤدي وظيفته في التنوير والتثقيف والترفيه النظيف، فيتكامل الطرفان وينسجمان، فتصبح اللغة في خدمة الإعلام، ويصبح الإعلام داعما لمركز اللغة.  فمتى يتحقق هذا التكامل الذي هو أساسا لتنمية لغوية يعاد فيها الاعتبار إلى الفصحى؟!....يتواصل


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق