]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مستقبل الهيكلية الدولية

بواسطة: علي بشار بكر اغوان  |  بتاريخ: 2011-08-19 ، الوقت: 08:15:54
  • تقييم المقالة:

 

مستقبل الهيكلية الدولية

 

علي بشار بكر اغوان
طالب  ماجستير
جامعة النهرين
كلية العلوم السياسية
قسم  الاستراتيجية

مرحلة الكتابة

كما هو معروف ان طبيعة الهيكلية الدولية تحولت وانتقلت من حالة التعددية القطبية إلى حالة القطبية الثنائية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، ودخل العالم في فترة ما يقارب 45 عام من حالة القطبية الثنائية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية ، وبذلك دخل القطبين حالة من حالات الصراع المستدام الذي كان يطلق عليه في تلك الفترة  " بالحرب الباردة " ومن ثم حدث تطور هام جدا في طبيعة الهيكلة الدولية بحلول العقد  الأخير من القرن المنصرم وهو تفكك الاتحاد السوفيتي وانتقال الهيكلية الدولية الى نظام أحادي القطبية .

 

هيمنت الولايات المتحدة الأمريكية منذ تلك الفترة حتى الآن (رسمياً) على هرم القطبية الأحادية ، على الرغم من ان معالم الهيكلية الدولية الحالية مشوهة وغير واضحة بحيث يمكنا ان نتلمس ذلك من خلال القطاع أهم القطاعات التي ترتكز عليها الدول وهي القطاع العسكري والاقتصادي ، وقدر تعلق الأمر بالقطاع العسكري فأن الولايات المتحدة الأمريكية تعد عسكرياً ذات هيمنة على العالم بحيث ان اقرب منافسيها وهي الصين و روسيا مجتمعين لا يمكن الوقوف في وجه الترسانة العسكرية الهائلة للولايات المتحدة ونستنتج هذا من إحصائيات تاريخية للإنفاق العسكري ففي عام 1945 شكل الإنفاق على الدفاع حوالي 90% من إجمالي الإنفاق العام الأمريكي ومن ثم تعرض هذا الرقم الى تراجع وتقدم في فترة الحرب الباردة والحرب الكورية وحرب فيتنام وما بعدها وذلك بحسب طبيعة احتدام الصراع والتنافس الدولية مع جميع المنافسين وليس الاتحاد السوفيتي فقط ، و يلاحظ أن نسبة الإنفاق العسكري إلى إجمالي الإنفاق العام ظلت في تراجع مستمر حتى بلغت 16.1% فقط من إجمالي الإنفاق العام في عام 1999.

 

غير ان إعلان الحرب على أفغانستان والعراق دفع بهذه النسبة إلى التصاعد مرة أخرى إلى 20.1% في عام 2011 ، وكل ذلك لديمومة هذا التفوق الكبير والانتشار الشامل للقواعد والجيش الأمريكي على اليابسة حول العالم إضافتاً إلى الأساطيل البحرية المنتشرة في المياه الدولية ، وهذه المستويات الخرافية للإنفاق تضمن للولايات المتحدة السيطرة على بحار وأجواء العالم ، بل وفضاء الكرة الأرضية ، فالولايات المتحدة تملك اليوم أقوى سلاح بحرية في العالم اجمع، حيث يمكن للولايات المتحدة ان تحتفظ بطائرات عسكرية على حاملات طائراتها تساوي ضعف ما يملكه العالم أجمع من طائرات عسكرية ، كذلك تقدر قوة سلاح البحرية الأمريكي بأنها أعظم من أقوى 13 سلاح بحرية في العالم اجمع ، ولا يقتصر التفوق العسكري الأمريكي على سلاح البحرية ، وإنما في كافة فروع الأسلحة ، وبذلك فأن الولايات المتحدة الأمريكية لديها اكبر نسبة انفقا عسكري حول العالم بحيث لو جمعنا المجموع العالمي للإنفاق العسكري عدا الولايات المتحدة ، لوجدنا ان الولايات المتحدة تتفوق على العالم بأسره وبنسبة كبيرة  وحتى بعد انتهاء الحرب الباردة .(*)بهذا فأن القطبية الأحادية والهيمنة العالمية هي للولايات المتحدة الأمريكية عسكرياً وهذا لا يختلف عليه احد .

 

اما فيما يخص القطاع الاقتصادي المترهل حالياً والذي يصاب دوماً بنوبات من الصداع منذ إحداث 11/ايلول 2001 الأمر الذي يجل الولايات المتحدة تفقد قدرتها في لعب دور التوازن الاقتصادي العالمي مع باقي الشركاء العالميين ، وكما ذكرنا أعلاه ان جزء كبير جداً من الموازنة الأمريكية تذهب للإنفاق العسكري وإدامة حالة القطبية الأحادية العسكرية على العالم ، وهذا الأمر يتطلب انفاقاً اضافياً مما يسبب زيادة العجز في الخزانة الأمريكية ولجوء الولايات المتحدة الاحتياطي الفدرالي لتسوية هذا الخلل والشرخ الذي حدث في الاقتصاد العالمي ، لذلك تقوم بإجراءات لكي تساير الايقاع العالمي السريع فيما يخص النمو المتسارع لباقي الاقتصاديات العالمية ، حيث انشغلت الولايات المتحدة في فترة ما بعد احداث 11/ايلول بالحرب على الإرهاب وتأمين أمنها القومي العالمي ، هذا الأمر جعل من باقي الاقتصاديات كالصين والاتحاد الاوربي الى الانتعاش الكبير وذلك لانشغال الولايات المتحدة الامريكية في حروبها العالمية ، بحيث ان الولايات المتحدة استنزفت نفسها كثيراً خصوصاً بعد إحداث 11/أيلول حتى الآن ، الأمر الذي أدى الى ما وصلت عليه من عجز هائل وكبير في الاقتصاد ، وكل ذلك سببه هو الإنفاق الكبير على الترسانة العسكرية والحروب الكونية .

 

خلاصة القول فيما يخص القطاع الاقتصادي فأن الولايات المتحدة حالياً تعاني من تراجع حاد وكبير في قوها الاقتصادية ، وذلك لسبب واضح وهو الإنفاق الهائل على الحروب والنزاعات وديمومة الهيمنة العسكرية العالمية ، بالتالي فأن هذا الإنفاق يتناسب طردياً مع التراجع الاقتصادي في ضل أزمة دولية جديدة تعصف في العالم ، فكلما زادت المتطلبات العسكرية زاد العجز في الاقتصاد الأمريكي ، بحيث أصيبت الولايات المتحدة الأمريكية حالياً بنصف شلل في القدرات و وضعت امام خيارين أحلهما مر هما الدخول في حروب جديدة تبقي الهيمنة الأمريكية لوقت قصير قادم ولكن تسارع في انهيارها اقتصادياً وبالتالي انهيارها كليا ، أو إيقاف هذه الحروب وإشراك الآخرين معها لكي تشيل عبئ كبير من النفقات العسكرية الهائلة وبذلك تأجل هذا الانهيار الى إشعار أخر ، ونستطيع ان نتلمس ذلك من خلال العمليات العسكرية التي يقوم بها الناتو حالياً على ليبيا ، مما يثبت العجز الأمريكي الواضع على القيام بعمليات فردية جديدة في المنطقة تكلفها أموالاً طائلة ينفقها دافعي الضرائب الأمريكان .

 

مستقبل القطبية الأحادية

ان الحديث الآن عن معالم القطبية الجديدة يقترن دائماً مع اسم و دور الصين الجديد و المتنامي نحو القيادة الكونية للعالم من خلال النمو المتسارع والكبير في كافة القطاعات الاقتصادية والعسكرية والسياسية ولكن هذا الأمر لن يحدث قبل حدوث مرحلة انتقالية بين التسليم والتسلم ، اي ان الولايات المتحدة في طريقها لتخلي عن عرش القطبية الأحادية لا محال ، ولكن هناك فترة من الفراغ (الانتقالية) التي سوف تسود العالم ما بين سقوط الولايات المتحدة وما بين تسلم القطب الجديد لزمام الأمور ، لأن الوضع يختلف كثيراً عن ما كان عليه في فترة تفكك الاتحاد السوفيتي و التسلم السريع للقيادة العالمية الأمريكية ، وذلك لان الولايات المتحدة كانت جاهزة في تلك الفترة لتسلم زمام القيادة لان المبارة كانت محصور بين لاعبين أساسيين ينتصر الأول بخسارة الثاني ولا يبقى احد في الساحة غيره ، أما فيما يخص الوضع  الحالي ، فأن الوضع مغاير تماماً و يختلف كثيراً عن ما كان عليه في فترة الحرب الباردة والصراع الثنائي بين القطبين الأساسيين ، وذلك بسبب عدم وجود مبارة واحدة تجري على الساحة الدولية ، الأمر الذي يعني ان زوال الولايات المتحدة لن يكون بتسلم لاعب أخر لزمام القيادة العالمية وإنما حدوث حالة من اللا قطبية .

 

وهذا يعني ولادة نظام مؤقت  جديد - اللا قطبية -  يهيئ الأجواء للنظام القطبي الجديد الذي لا يعلم احد الى الآن كيف ستكون معالمه الجديدة  ، وبالعودة الى التاريخ نلاحظان القرن الماضي بدأ متعدّد الأقطاب ، ولكن بعد حربين عالميتين وعدد من النزاعات الدولية والاقليمية ، أصبح ثنائي القطبية ، ومع انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي ، دخل النظام العالمي مرحلة الأحادية القطبية (الأمريكية) ، أما الآن  فالنفوذ العالمي موزّع ومشتت ، الأمر الذي يشكـل بداية للمرحلة الانتقالية وهي مرحلة اللاقطبيةوذلكبسبب إن السمة الرئيسية الغالبة على طبيعة العلاقات السائدة حتى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ترنو كما يبدو نحو اللاقطبية ، أي نحو عالم لاتهيمن عليه قوة واحدة منفردة ولا دولة غالبة أو دولتان عظميان متنافستان ولا حتى بضعة دول عظمى قليلة متقاربة في القوة والحجم ، وإنما عشرات الفاعلين على المسرح الدولي ممن يمتلكون أنواعاً مختلفة من القوة ، وهذا بحد ذاته يشكل تحولاً بنيوياً عن مرحلة الماضي الذي وسم القرنين التاسع عشر والعشرين المنصرمين .

 

يقول" رتشارد هاس " المفكر الاستراتيجي الأمريكي المعروف و رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية" ان العالم يتجه الآن إلى نظام اللا قطبية " ومن خلال هذا الكلام أرى ان شكل الهيكلية الحالية غير واضحة المعالم والتي هي طور التكوين والتي سوف تولد نظام تعددي إقليمي جديد لم يؤلف مسبقاً وهو القطبية الإقليمية الجديدة التي تعني ان العالم سوف يتقسم الى عدة أقاليم ، وهذه الأقاليم سوف تكون متعددة الأقطاب تدار من قبل مجموعة إطراف تشترك في تكوين معالم الأقاليم ، وان بروز عدد مـتزايد من اللاعبين المؤثِّـرين ، إقليميا ودولياً ، مثل الصّين والهند واليابان وروسيا والإتحاد الأوروبي والبرازيل وجنوب إفريقيا ، و وراءهم مباشرة قِـوى إقليمية من الدرجة الثانية ، كتركيا وإيران وباكستان وإسرائيل والأرجنتين.. الخ.وعلى سبيل المثال نذكر منطقة الشرق الأوسط المحصورة بـ عدة أقطاب إقليمية وهي تركيا وإسرائيل والسعودية وإيران والتي سوف تقود الإقليم بعد الانفلات والفراغ العالمي الذي سوف يحدث ما بين فترة تخلي الولايات المتحدة عن القطبية الأحادية وما بين تشكيل الهيكلية الدولية الجديدة ، ولكن مع الالتزام بالتوازن النووي لكل دولة من الدول ، بحيث ان هذه البوتقة الإقليمية الجديدة تشترك جميعها في وضع معالم الإقليم وخلق نوع من التوازن فيه .

 

وإذا ما تطرقنا الى باقي الأقاليم كإقليم شبه القارة الهندية التي سوف يكون فيها نفس التوازن الحالي ولكن مع اشتراك الصين في هذا التوازن الباكستاني الهندي بحيث سوف يكون للصين دور محوري في كثير من المناطق ، الى جانب دورها في منطقة شرق أسيا والتوازن مع الإقليم الأخر والذي يظم كل من النمور الأسيوية الى جاني الدور الجيواستراتيجي الصيني الذي سوف تلعبه في محيطها المكاني ودورها في خلق التوازن مع كل من اليابان وروسيا والكوريتين ، هذا يعني ان الصين سوف يكون لها دور حامل الميزان في جزء كبير من القارة الأسيوية الى حين التهيؤ الكامل والانتقال من وضعها الإقليمي الأسيوي الى القيادة العالمية .

 

وانتقالاً الى القارة الأوربية فأن معالم القطبية الإقليمية الجديدة قد تشكلت منذ تشكل الاتحاد الأوربي ، رغم القيادة الألمانية والفرنسية للاتحاد ، إلا ان هذا الأمر لا يعني الانفراد في القيادة ولكن مكانتهما الاقتصادية والسياسية تأهلها الى لعب دور اكبر بقليل من باقي الدول الأوربية وبالتالي فأن الانتقالة التي سوف تحدث ما بين تنحي الولايات المتحدة الأمريكية والتغيير في الهيكلية الدولية  لن تحدث إي تغيير في معالم هذا الإقليم لا نحو الاسوء ولا نحو الأحسن ، لان الاتحاد الأوربي حالياً يعاني من جمود في النمو بسبب الاستهلاك الكبير الذي تشهده القارة من موارد تجعل من أمر زيادة الأعضاء صعبا للغاية وذلك لان إشراك دول أخرى في الاتحاد الأوربي تعني زيادة المشاكل التي تعاني منها دول الاتحاد كالبطالة والهجرة الغير شرعية والمديونية المتزايدة لأعضاء الاتحاد وان زيادة حدود الاتحاد تعني زيادة المشاكل خصوصا اذا ما اقتربت من حدود ملتهبة مثخنة بالصراعات ، الأمر الذي سوف يؤدي الى زيادة التحديات ، هذا نهيك عن أن أوروبا ما زالت تفتقر إلى سياسة خارجية موحدة وأدوات عسكرية وأمنية موحدة لدعم سياستها والمساهمة في تطبيقها.

 

واخيراً أقول ان كل الذي سبق من حديث حول اللا قطبية يمثل المرحلة الانتقالية التي سوف تمر بها الهيكلية الدولية انتقالياً لمرحلة أخرى جديدة ، وذلك يعزى كما ذكرت في سياق الطرح السابق الى عدم وجود قوى فاعلة تستطيع تسلم زمام الأمور الدولية وتشكل بذلك هيكلة دولية قائمة على أحادية جديدة او ثنائية جديدة او جماعية جديدة ، أي ان نظام اللا قطبية في رأي المتواضع هو نظام انتقالي يهيئ الأجواء  نحو هيكلية دولية اخرى ، وما مرحلة اللا قطبية الا هي مرحلة تمهيدية للمرحلة الأخرى التي سوف تكون معالم الهيكلية الجديدة ، ان الفجوة العالمية ما بين الدول التي تشكل الهيكلية الدولية الحالية كالولايات المتحدة الأمريكية روسيا الاتحادية الاتحاد الأوروبي الصين الهند اليابان قد تقلصت كثيراً مع باقي الدول التي أصبح لها دور فاعل في النظام الدولي كالبرازيل والأرجنتين والتشيلي والمكسيك وفنزويلا وكوبا في أمريكا اللاتينية، وكذلك نيجيريا وجنوب أفريقيا في أفريقيا ، بالإضافة بالطبع إلى  وإيران وإسرائيل وتركيا والسعودية في الشرق الأوسط ، إلى جانب الباكستان في جنوب آسيا وأستراليا وكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية في شرق آسيا. كما أن هناك منظمات راسخة يمكن إدراجها على قائمة مراكز القوى الدولية منها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والأمم المتحدة ، وكل هذه التطورات حدثت بفعل المفعول القوي للعولمة التي اجتاحت كل شبر من هذا العالم .

 

 

الهوامش :

(*) ان الأرقام والإحصائيات حول الانفاق العسكري الأمريكي التي وردت في سياق الطرح السابق كانت نقلا عن الرابط التالي :

http://www.alarabiya.net/views/2011/07/29/159904.html

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق