]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

في نصح الملوك

بواسطة: Jamel Soussi  |  بتاريخ: 2012-11-25 ، الوقت: 10:39:01
  • تقييم المقالة:

 

ما كتب به طاهر بن الحسين لأبنه عبد الله، لما ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما، فإنه، قال ابن خلدون من أحسن ما كتب في ذلك و أوعبه وأنه عهد إليه فيه، ووصاه بجميع ما يحتاج إليه في دولته وسلطانه من الآداب الدينية والخلقية والسياسات الشرعية والملوكية، وحثه على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، بما لا يستغني عنه ملك ولا سوقه. قال: ونص الكتاب منقولا من كتاب السير:   " بسم الله الرحمن الرحيم " أما بعد، فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له. وخشيته ومراقبته عز وجل، ومزايلة سخطه وحفظ رعيته بالليل والنهار، والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه، وموقوف عليه، ومسؤول عنه، والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله عز وجل وينجيك يوم القيامة من عاقبة وأليم عذابه. فإن الله سبحانه قد أحسن إليك وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده. وألزمك العدل فيهم، والقيام بحقه وحدوده عليهم، والذب عنهم، والدفع عن حريمهم وبيضتهم، والحقن لدمائهم، والأمن لسلبهم وإدخال الراحة عليهم، ومواخذك بما فرض عليك، وموقفك عليه عنه ومسائلك ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت ففزع لذلك فهمك وعقلك وبصرك، ولا يشغلك عنه شاغل، وإنه رأس أمرك، وملاك شأنك، وأول ما يوفقك الله عز وجل به لرشدك. وليكن أول ما تلزم به نفسك وتنسب إليه فعلك، المواظبة على ما افترضه الله عز وجل عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها بالناس، قبلك وتوقعها على سنتها في إسباغ الوضوء لها، وافتتاح ذكر الله عز وجل فيها وترتل في قراءتك، وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك، ولتصدق فيها لربك نيتك وحض عليها جماعة من معك وتحت يدك، وادأب عليها، لأنها كما قال الله عز وجل: " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " ثم اتبع ذلك بالأخذ بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمثابة على خلائقه واقتفاء أثار السلف الصالح من بعده. وإذا ورد عليك أمر، فأستعن عليه باستخارة الله عز وجل وتقواه، وبلزوم ما أنزل الله عز وجل، في كتابه من أمره ونهيه وحلاله وحرامه، وإتمام ما جاءت الآثار عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قم فيه بما يحق لله عز وجل عليك، ولا تميلنَّ عن العدل فيما أحببت وكرهت لقريب من الناس أو بعيد، وآثر الفقه وأهله، والدين وحملته، وكتاب الله عز وجل والعاملين به، فإن أفضل ما يتزين به المرء الفقه في دين الله، والطلب له والحث عليه، فإن أفضل ما يتزين به المرء الفقه في دين الله، والطلب له والحث عليه، ومعرفة بما يتقرب به منه إلى الله عز وجل، فإن الدليل على الخير كله، والقائد إليه، والآمر به، والناهي عن المعاصي والموبقات كلها، وبه مع توفيق الله عز وجل يزداد العبد معرفة به، وإجلال له، ودرك الدرجات العلى في المعاد، مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك والهيبة لسلطانك والأنس بكِ، والثقة بعد ذلك. وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها.بالبرءاء والظنون السيئة بهم مأثم. فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عنك سوء الظن بهم، وارفضه فيهم يعينك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم ولا يجدن عدو الله الشيطان في أمرك مغمزا، فإنه إنما يكتفي بالقليل من وهنك، فيدخل عليك من الغم بسوء الظن بهم، ما ينغص لذاذة عيشك. وأعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة. وتكفى بها ما أحببت كفايته من أمورك، وتدعوا به الناس إلى محبتك والاستقامة في الأمور كلها. ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك، أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك والمباشرة لأمور الأولياء والحياطة للرعية، والنظر فيما يقيمها ويصلحها، بل لتكون مباشرة لأمور الأولياء والحياطة للرعية بالنظر في حوائجهم، وحمل مسؤوناتهم، آثر عندك مما سوى ذلك، فإنه أقوم للدين وأحيى للسنة. وأخلص نيتك في جميع هذا. وتفرد بتقويم نفسك، تفرٌّد من يعلم أنه مسؤول عما صنع ومجزيء بما أحسن ومأخوذ بما أساء، فإن الله عز وجل جعل الدين حرزاً وعزاً، ورفع من اتَّبعه وعزَّزه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين، وطريق الأهدى، وأقم حدود الله تعالى في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما يستحقوه، ولا تعطل ذلك، ولا تتهاون فيه، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك. واعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانب البدع والشبهات، يسلم لك دينك وتقوم لك مروئتك، وإذا عاهدت عهداً فوف به وإذا وعدت الخير، فإنجزه، واقبل الحسنة، وادفع بها، واغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك. واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وابغض أهل النميمة فإن أول فساد أمورك في عاجلها، وآجلها. تقريب الكذوب، والجرأة على الكذب لأن الكذب رأس المآثم والزور، والنميمة خاتمتها لأن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها، لا يسلم له صاحب ولا يستقيم لطبعه أمر. وأحببت أهل الصلاح والصدق، وأعز الأشراف بالحق وأعن الضعفاء وصل الرحم. وابتغ في ذلك وجه الله تعالى، وإعزاز أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة. واجتنب سوء الأهواء والجور، واصرف عنهما رأيك، وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك، وأقم بالعدل سياستهم، وأقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى. واملك نفسك عند الغضب، وآثر الوقار والحلم، وإياك الحدة والطيش والغرور فيما أنت في سبيله، وإياك تقول أنا مسلط أفعل ما أشاء. فإن ذلك سريع فيك إلى نقص الرأي وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له. وأخلص لله النية فيه واليقين به. واعلم أن الملك لله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء من عباده وينزعه ممن يشاء. ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمة، إلى أحد أسرع منه إلى جهله النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة، إذا كفروا نعم الله عز وجل وإحسانه، واستطالوا بما آتاهم الله عز وجل من فضله، ودع عنك شره نفسك. ولتكن ذخائرك وكنوزك تدخر وتكنز البر والتقوى والعدل وإصلاح الرعية وعمارة بلادهم، والتفقد لأمورهم، والحفظ لدمائهم، والإغاثة لملهوفهم. واعلم أن الأموال إذا كنزت وادخرت في الخزائن لا تنمو وإن كانت في صلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف الأذية عنهم، نمت وزكت، وصلحت بها العامة. وتزينت بها الولاة، وطاب بها الزمان واعتقد فيها العز والمنعة، فليكن كنز ذخائرك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله. ووفر منهم على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم. وأف رعيتك من ذلك حصصهم، وتعهد ما يصلح من أمورهم ومعاشهم، فإنك إذا فعلت ذلك قرت النعمة بملكك واستوجبت المزيد من الله عز وجل، وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيتك و خراجك أقدر، وكان الجميع لما شملهم من عدلك وإحسانك اسكن لطاعتك. أطيب نفساً بكل ما أردت. فاجهد نفسك. فيما حددت لك في هذا الباب. ولتعظيم خشيتك فيه، فإنما يبقى من المال، ما أنفق في سبيل الله وفي سبيل حقه. واعرف للشاكرين شكرهم و أثبهم عليه، وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة، فتتهاون بما يحق عليك، فإن التهاون يورث التفريط، والتفريط يورث البوار. وليكن عملك لله عز وجل وفيه وارج الثواب، فإن الله سبحانه قد أسبغ عليك نعمه في الدنيا، وأظهر لديك فضله، فاعتصم بالشكر. وعليه فأعتمد، يزيدك الله خيراً وإحساناً، فإن الله عز وجل يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين. واقضي بالحق فيما حملت من النعم وألبست من الكرامة، ولا تحقرن ذنبا، ولا تمارين حاسدا، ولا ترحمن فاجراً، ولا تصلن كفوراً، ولا تداهنن عدوا ولا تصدقن نماماً، ولا تأمنن غداراً، ولا توالين فاسقاً، ولا تتبعن غاوياً، ولا تحمدن مرائياً، ولا تحقرن إنساناً، ولا تردن سائلا فقيرا، ولا تحسنن باطلا، ولا تلاحظن مضحكا ولا تخلفن موعداً، ولا تزهون فخراً ولا تظهرن غضباً، ولا تأين بذخاً ولا تمشين مرحاً، ولا تزكين سفيهاً. ولا تفرطن في طلب الآخرة ولا تدفعن الأيام عمايا ولا تغمضن عن ظالم رهبه منه أو محاباه، ولا تطلبن ثواب الآخرة بالدنيا. واكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل والرأي والحكمة، ولا تدخلن في مشورتك أهل الرفه والبخل، ولا تسمعن منهم قولاً، فإن ضررهم أكثر من نفعهم، وليس شيء أسرع فساداً لما استقبلت فيه أمر رعيتك من الشح. واعلم أنك إذا كنت حريصاً، كنت كثير الأخذ قليل العطية. وإذا كنت كذلك، لم يستقيم لله أمرك إلا قليلاً، فإن رعيتك إنما تعتمد على محبتك بالكف عن أموالهم، وترك الجور عليهم. ووال من صفا لك من أوليائك بالافضال عليهم وحسن العطية لهم. واجتنب الشح، واعلم أنه أول ما عصى به الإنسان ربه. وإن العاصي بمنزلة الخزي وهو قوله تعالى " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " فسهل طريق الجود بالحق، واجعل للمسلمين كلهم في فيئك حظاً ونصيباً، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العابد، فأعده لنفسك خلقاً، وارض به عملا ومذهباً. وتفقد الجند دواوينهم وأمكنتهم وإدارر عليهم أرزاقهم، ووسع عليهم في معاشهم. ليذهب الله عز وجل بذلك فاقتهم، فيقوي لك أمرهم، وتزيد به قلوبهم في طاعتك، وأمرك، خلوصاً، وانشراحاً، وحسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته ذا رحمة في عدله وعطيته وإنصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته، فزايل مكروه أحد البابين باستشعار فضيلة الباب الآخر، ولزوم العمل به، تلق إن شاء الله به نجاحاً وصلاحاً وفلاحاً. واعلم أن قضاء من الله تعالى بالمكان الذي ليس فوقه شيء من الأمور، لأنه ميزان الله تعالى الذي تعتدل عليه أحوال الناس في الأرض وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح أحوال الرعية، وتأمين السبل، وينتصف المظلوم من الظالم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدي حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة. ويقوم الدين، وتجري السنن والشرائع على مجاريها لتنجز الحق، والعدل في القضاء. وليتمكن ربحك ويقر جدك. واستوف أمر الله عز وجل وتورع عن الشبهات، وامض لإقامة الحدود، وأقلل العجلة. وابعد عن الضجر والقلق، وانتفع بتجربتك، وانتبه في صمتك واسدد في منطقك، وأنصف الخصم، وقف عند الشبهة، وأبلغ في الحجة. ولا تأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا مجاملة، ولا لومه لأئم، وتثبيت وتأن، وراقب، وانظر، وتفكر، وتدبر، واعتبر، وتواضع لربك، وأرفق بجميع رعيتك، وسلط الحق على نفسك، ولا تسرعن إلى سفك دم، فإن الدماء من الله عز وجل بمكان عظيم فإياك انتهاكاً لها بغير حقها. وانظر حق الخراج الذي استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزاً ورفعة، ولاهله توسعه ومنعته، ولعدوه وعدوهم كبتاً وغيظاً، ولأهل الكفر من بغاتهم ومعاديهم ذلاً وصغاراً، فوزعه بين بين أصحابه بالحق والعدل والسوية والعموم فيه، ولا ترفعن منه شيئاً عن شريف لشرفه، ولا عن غني لغناه، ولا عن كاتب لك، ولا عن أحد من خاصتك ولا حاشيتك. واحمل الناس كلهم على أمن من الخوف، فإن ذلك اجمع لألفتهم، والزم لرضى العامة. واعلم أنك جعلت بولايتك خازناً وحافظا وراعياً، وإنما سمي أهل عملك ورعيتك، لأنك راعيهم وقيمهم، فخذ منهم ما أعطوك من عفوهم،ونفذه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم. واستعمل عليهم ذوي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعفاف. ووسع عليهم الرزق، فان ذلك من حقوق الأزمة لك في ما تقلد وأسند إليك. ولا يشغلك عنه شاغل، ولا يصرفنك عنه صارف فانك متى آثرته وقمت فيه بالواجب، استدعيت به زيادة النعمة من ربك، وحسن الأحدوثة في عملك، وأحرزت به المحبة من رعيتك، واعنت على الصلاح، فدرت الخيرات ببلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخصب في كورك، وكثر خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتياض جندك. أرض العامة بإفاضة العطاء فيعم من نفسك وكن محمود السياسة، مرضى العدل في ذلك عند عدوك، وكن في أمورك كلها ذا عدل وقوة وآلة وعدة. فنافس في هذا، ولا تقدم عليه شيئاً تحمد مغبة أمرك إن شاء الله تعالى. واجعل في كل كورة من عملك أميناً يخبرك بخير عاملك، ويكتب إليك بسيرهم واعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل في عمله معايناً لأموره كلها، وإن أردت أن تأمرهم بأمرٍ، فانظر في عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع، فأمضه وإلا فتوقف عنه، وراجع أهل البصر والعلم به ثم خذ فيه عدته، فأنه ربما نظر الرجل في أمر من أموره، وقد أتاه على ما يهوى، فأغواه ذلك وأعجبه، فإن لم ينظر في عواقبه، أهلكه، ونغص عليه أمره، فاستعمل الحزم في كل ما أردت، وباشره بعد عون الله عز وجل بالقوة. واكثر من استخارة ربك في جميع امورك، وافرغ من عمل يومك، ولا تؤخره لغدك واكثر مباشرته بنفسك، فإن لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت. واعلم أن اليوم إذا مضى، ذهب بما فيه، فإذا أخرت عمله، اجتمع عليك أمر يومين، فشغلك ذلك، حتى تمرض منه، وإذا أمضيت لكل يوم عمله، أرحت بدنك ونفسك، و أحكمت أمور سلطانك. وانظر أحرار الناس وذوي الفضل منهم ممن بلوت صفاء طويتهم وشهرة مودتهم لك. ومظاهرتهم بالنصح والمحافظة على أمرك فاستخلصهم واحسن إليهم، وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، واحتمل مؤونتهم، واصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسا، وافرد نفسك للنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه فسل عنه أخفى مسألة ووكل بأمثاله. أهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك لتنظر فيها، بما يصلح الله به امرهم، وتعاهد ذوي البأساء ويتاماهم وأرملهم، واجعل لهم أرزاقا من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه الله تعالى في العطف عليهم، والصلة لهم، ليصلح الله بذلك عيشهم، يرزقك به بركة وزيادة. وأجر للإرضاء من بيت المال، وقدم حملة القرآن منهم، والحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم وانصب لمرضى المسلمين دوار تؤويهم، وقوماً يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم وأسعفهم بشهواتهم، ما لم يؤد ّلك إلى سرف بيت المال. وأعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم، وأفضل أمانيهم، لم يرضهم ذلك، ولم تطب أنفاسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعاً في نيل الزيادة، وفضل الرفق بهم. وربما تبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه ويشغل ذكره وذهنه وفكره منها ما يناله به مؤونة ومشقة، وليس من يرغب في العدل، ويعرف محاسن أموره في العاجل، وفضل ثواب الآجل، كالذي يستقل ما يقربه من الله تعالى، ويلتمس به رحمته. وأكثر الأذن للناس عليك وابرز لهم وجهك، وسكن لهم حواسك واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولين لهم النطق في المسألة والتصريح والنظر. واعطف عليهم بوجودك وفضلك، وإذا أعطيت فأعط بسماحة، وطيب نفس، والتمس الصنيعة والأجر من غير مكدر ولا منان للصنيعة فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله تعالى. واعتبر بما ترى من أمور الدنيا، ومن مضى من قبلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية والأمم البائدة، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله سبحانه وتعالى، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسنته، وإقامة دينه وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالفه، ودعاً إلى سخط الله عز وجل. واعرف ما يجمع عمالك من أموال وما ينفقون منها ولا تجمع حراماً، ولا تنفق إسرافاً وأكثر مجالس العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم، وليكن هواك إتباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم الأخلاق ومعاليها، وليكن اكرام دخلائك عليك وخاصتك إليك من إذا رأى عيبناً فيك، فلا تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك في ستر وإعلامك بما فيه من النقص. فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك. وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك، فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتاً يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامراته، وما عنده من حوائج عمالك، وأمور كورك، ورعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك. وكرر النظر فيه والتدبر له، فما كان موافقاً للحق والحزم فأمضه، واستخر الله عز وجل فيه، وما كان مخالفاً لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه، والمسألة عنه. ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تؤتيه لهم، ولا تقبل من أحد إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور المسلمين، ولا تصغن المعروف إلا على ذلك. وتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر فيه والعمل به. واستعن بالله على جميع امورك، واستخره فإن الله عز وجل مع الصلاح وأهله. وليكن اعظم شغلك وافضل رغبتك، ما كان فيه لله عز وجل رضى، ولدينه نظاماً ولأهله عزاً وتمكناً، ولذمته عدلاً وصلاحاً: وأنا اسأل الله عز وجل أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك والسلام. قال ابن خلدون، وحدث الأخباريون أن هذا الكتاب، لما ظهر وشاع أمره، واعجب به الناس، واتصل بالمأمون ولما قريء عليه قال: ما أبقى أبو الطيب، يعني طاهراً، شيئاً من أمور الدنيا والدين والتدبير والرأي والسياسة وصلاح الملك والرعية وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه، وأوصى به. ثم أمر المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي، ليقتدوا به ويعملوا بما فيه . انتهى.لعلماء ومشاورتهم ومخالطتهم، وليكن هواك إتباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم الأخلاق ومعاليها، وليكن اكرام دخلائك عليك وخاصتك إليك من إذا رأى عيبناً فيك، فلا تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك في ستر وإعلامك بما فيه من النقص. فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك. وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك، فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتاً يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامراته، وما عنده من حوائج عمالك، وأمور كورك، ورعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك. وكرر النظر فيه والتدبر له، فما كان موافقاً للحق والحزم فأمضه، واستخر الله عز وجل فيه، وما كان مخالفاً لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه، والمسألة عنه. ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تؤتيه لهم، ولا تقبل من أحد إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور المسلمين، ولا تصغن المعروف إلا على ذلك. وتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر فيه والعمل به. واستعن بالله على جميع امورك، واستخره فإن الله عز وجل مع الصلاح وأهله. وليكن اعظم شغلك وافضل رغبتك، ما كان فيه لله عز وجل رضى، ولدينه نظاماً ولأهله عزاً وتمكناً، ولذمته عدلاً وصلاحاً: وأنا اسأل الله عز وجل أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك والسلام. قال ابن خلدون، وحدث الأخباريون أن هذا الكتاب، لما ظهر وشاع أمره، واعجب به الناس، واتصل بالمأمون ولما قريء عليه قال: ما أبقى أبو الطيب، يعني طاهراً، شيئاً من أمور الدنيا والدين والتدبير والرأي والسياسة وصلاح الملك والرعية وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه، وأوصى به. ثم أمر المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي، ليقتدوا به ويعملوا بما فيه . انتهى.   **************من كتاب بدائع السلك في طبائع الملك لابن الأزرق***     موسوعة  " الجواهر و الدرر من الوصايا و المواعظ و العبر"   أ. جمال السّوسي - تونس 2012
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • أحمد عكاش | 2012-11-27
    الزميل: (جمال السوسي)  المحترم

    تحية وبعد:

    لقد تقدّم السيد: (عبد الرؤف حجر) بطلب انتساب إلى  عضوية

     (صالون  مقالاتي الأدبيّ)، فهل توافقون على انتسابه أم لا ؟.

    نرجو موافاتنا برأيكم في موقع الزميل (أحمد عكاش)،حتّى نبلّغه بذلك ولكم الشكر.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق