]]>
خواطر :
خيبة أمل ، عندما يكتشف الإنسان أنه في محيط تحت خط الصفر ، لا يستطيع الغوص أو السباحة فيه...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . فلا تكتُمُنَّ اللهَ ما في نُفوسكم ليَخفَى ومهما يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ يُؤخَّرْ فيُوضَعْ في كتابٍ فيدَّخَرْ ليوم الحسابِ أو يُعَجَّلْ فيُنقَمِ (زهير بن أبي سلمى   (طيف امرأه) . 

استحمار الشعوب ... ‬إلى متى؟

بواسطة: جمال الظاهري  |  بتاريخ: 2012-11-23 ، الوقت: 18:39:02
  • تقييم المقالة:

استحمار الشعوب ... ‬إلى متى؟

جمال أحمد الظاهري

‮{ ‬الانتقاص من قدرة الآخرين على الفهم والإدراك لما قد‮ ‬يعرض عليهم أو‮ ‬يطلب منهم تحكمه بعض العوامل والمميزات التي‮ ‬قد تتوفر لدى البعض ويفتقر إليها البعض الآخر،‮ ‬ما‮ ‬يجعل من السهل على مَن امتلك حاجات‮ ‬يفتقر إليها‮ ‬غيره أن‮ ‬يسخرهم لخدمته وتلبية أوامره مقابل تلبية بعض حاجاتهم‮.‬
إلى هنا والأمر فيه من المعقولية ما‮ ‬يمكن فهمه وتبريره على اعتبار أن هناك منفعة متبادلة بين الطرفين،‮ ‬وأن هذا‮ ‬يندرج ضمن سنن الحياة التي‮ ‬اتفق وتعارف الناس عليها،‮ ‬وكانت وما زالت سبباً‮ ‬في‮ ‬استمرار التعاطي‮ ‬بين الناس وعاملاً‮ ‬مهماً‮ ‬في‮ ‬تعمير الأرض وقيام وازدهار الحضارات‮.‬
الشيء‮ ‬غير المفهوم هو تلك الصورة الأخرى التي‮ ‬تعيشها مجتمعاتنا العربية،‮ ‬ومنها مجتمعنا اليمني،‮ ‬الذي‮ ‬يتعرض للكثير من الاستخفاف والابتذال في‮ ‬تقدير واحترام ذاته وآدميته التي‮ ‬يأتي‮ ‬في‮ ‬مقدمتها الانتقاص من قدرته على الإدراك والفهم والتحقير لعقله،‮ ‬ويظهر هذا واضحاً‮ ‬في‮ ‬بعض الأمور التي‮ ‬تمارس عليه من قبل القادة والساسة والأحزاب ورجال الدين وبعض المشائخ وبعض رجال المال،‮ ‬هذا التحقير والاستهانة بالعقل اليمني‮ ‬بلغا في‮ ‬الفترات الأخيرة حداً‮ ‬لم نألفه ولم‮ ‬يمر به المجتمع من قبل،‮ ‬ولا أجد له ما‮ ‬يبرره في‮ ‬سلوك أولئك الذين قبلوا أن‮ ‬يعاملوا الناس على هذا النحو من الاستحمار‮ ‬غير المبرر،‮ ‬والذي‮ ‬لا تبرره منفعة أو قضاء مصلحة أو عائد مادي‮ ‬أو معنوي‮ ‬للوطن لا على المدى القريب ولا البعيد‮.‬
أن‮ ‬يقبل رموز المجتمع على أنفسهم أن‮ ‬يعاملوا شعوبهم على أنهم‮ »‬حمير‮« ‬لا‮ ‬يفهمون ولا‮ ‬يحسنون استخدام عقولهم ولا‮ ‬يميزون بين ما هو صائب وما هو خاطئ وما فيه تحقير لهم،‮ ‬فذلك وربّي‮ ‬قمة الاستحمار والجهل الذي‮ ‬تغذّى على صمت وتسامح الشعوب مع جلاديها الذين لن‮ ‬يتوقفوا عن جلدهم ومصادرة آدميتهم وحقوقهم في‮ ‬العيش بكرامة وبما‮ ‬يحفظ لهم الخصوصية ويصان فيها العرض والشرف‮.‬
هذا الانتقاص الممارس من قبل مَنْ‮ ‬يسوقون أنفسهم بأنهم دعاة للحياة الإنسانية المتساوية التي‮ ‬ليس فيها انتقاص أو تحقير لأحد،‮ ‬دعاة لدولة مدنية عصرية لا‮ ‬يستخف فيها بالبشر ويستهزئ فيها بعقل أحد أو بقدراته أو بأصله أو بمنطقته،‮ ‬ذروة‮ »‬الاستحمار‮« ‬لهؤلاء البسطاء الذين وقعوا تحت تأثير الشعارات وبريق الإطلالات التلفزيونية وسجع الكلمات المايكرفونية الحماسية التي‮ ‬تدغدغ‮ ‬أوجاعهم‮.‬
وحتى لا‮ ‬يتهمني‮ ‬أحد بأنني‮ ‬لا أعيش الواقع،‮ ‬وأن ما قلته من نسج خيالي‮ ‬أجدني‮ ‬مضطراً‮ ‬لذكر بعض النماذج لهذا‮ »‬الاستحمار‮« ‬الممارس على الشعب اليمني،‮ ‬أكان قديماً‮ »‬قبل الأزمة السياسية‮« ‬أو حديثاً‮ ‬بعد توقيع اتفاق الرياض،‮ ‬فمثلاً‮ ‬أبدأ من  عُمر ‬الإنسان اليمني‮ ‬الذي‮ ‬تقول عنه الدراسات العالمية أنه من أدنى الإعمار على مستوى العالم،‮ ‬فالإنسان اليمني‮ ‬يقضي‮ ‬أتعس أنواع الطفولة على مستوى المحيط الإقليمي،‮ ‬فيما ساسة البلاد‮ ‬يتغنون بقوانين الطفولة التي‮ ‬ليس لها وجود على الواقع،‮ ‬تلي‮ ‬هذه المرحلة مرحلة التعليم الأساسي‮ ‬والثانوي،‮ ‬وليس بخافٍ‮ ‬على أحد ما‮ ‬يعانيه الطالب اليمني‮ ‬من ركاكة في‮ ‬المناهج وتدنٍّ‮ ‬في‮ ‬مستوى المعلم وتغييب للجانب التنموي‮ ‬في‮ ‬المناهج الدراسية وانعدام للوسائل التعليمية،‮ ‬فيما الدساتير والقوانين المعنية‮ ‬يلوكها المشرع والمسؤول والقائد والرمز كلما طاب له الحديث عن النشء وعن المستقبل الزاهر لليمن أرضاً‮ ‬وإنساناً،‮ ‬أما التعليم الجامعي‮ ‬فالحديث عنه قد‮ ‬يطول،‮ ‬وسأكتفي‮ ‬بالطلب منكم بأن تستحضروا الصورة المخزية له في‮ ‬أذهانكم،‮ ‬وقبل التعليم الجامعي‮ ‬أعود بكم إلى قانون لا أعرف ما المغزى منه،‮ ‬هذا القانون الذي‮ ‬يستقطع من عمر الطالب اليمني‮ ‬عاماً‮ ‬كاملاً‮ ‬يتجمد فيه في‮ ‬منزله أو‮ ‬يضيع فيه في‮ ‬الشوارع قبل أن‮ ‬يقدم أوراقه لإحدى الجامعات أو المعاهد المتوسطة‮.‬
المرحلة الثانية لضياع العمر أو بمعنى أدق سرقة سنينه بعد إكمال الدراسة الجامعية أو الثانوية إذا ما أراد أحد شباب هذا اليمن التعيس ببعض أهله أن‮ ‬يلتحق بالعمل فعليه أن‮ ‬يدفع ضريبة هذا النشاط الذي‮ ‬تحفى قدماه وهو‮ ‬يبحث عن فرصة عمل في‮ ‬أي‮ ‬جهة حكومية أياً‮ ‬كان هذا العمل،‮ ‬وإن وفق ووجد فرصته في‮ ‬العمل،‮ ‬فإنه‮ ‬يبدأ مرحلة معاناة جديدة تستلزم منه القبول بالتنازل عن عدد من سنوات عمره المهدورة أصلاً‮ ‬تحت مسمى التعاقد،‮ ‬هذا إذا لم‮ ‬يسبق التعاقد إهدار عدد من السنوات بالأجر اليومي‮ ‬قد تبلغ‮ ‬هذه السنوات عقداً‮ ‬كاملاً‮ »‬عشر سنوات‮«‬،‮ ‬فيما الدستور والقوانين تحرم التعاقد مع اليمني‮ ‬وتلزم الجهات في‮ ‬حال التوظيف بأن تقبله موظفاً‮ ‬رسمياً‮ ‬له كل الحقوق‮.‬
لن أزيد من الاستشهادات المعلومة للجميع في‮ ‬المجالات المختلفة،‮ ‬وسأعود إلى المحور الرئيسي‮ »‬الاستحمار‮«‬،‮ ‬ولو أنني‮ ‬أجد أن الحمار قد ظلم بهذا التوظيف الذي‮ ‬اعتاد الناس استخدامه للاستدلال به على الغباء والتحقير،‮ ‬لأن هذا المظلوم‮ »‬الحمار‮« ‬قدم ويقدم على مر العصور خدمات جليلة ومنافع عديدة لبني‮ ‬البشر‮.‬
هذا الاستحمار في‮ ‬هذه الأيام تعدى تلك الكذبات المدونة في‮ ‬القوانين وتلك الخطابات السمجة التي‮ ‬قرفنا منها على الشاشات وفي‮ ‬صدر الصفحات للعديد من الإصدارات الصحفية،‮ ‬فها هو اليوم‮ ‬يدخل الحركات والأفعال الثورية بنفس الشخوص وبنفس النغمة وبنفس الأدوات التي‮ ‬طبعاً‮ ‬زادت في‮ ‬أيامنا هذه،‮ ‬التي‮ ‬أعادت الروح لهذا‮ »‬الاستحمار‮« ‬وغذّته بطابع جماهيري‮ ‬ميداني‮ ‬ثوري،‮ ‬حيث انتقلت ردة الفعل على خطابات الاستحمار التي‮ ‬كان الناس قد ألغوها وأسقطوها من اهتماماتهم ولا‮ ‬يعيرونها الانتباه،‮ ‬إلى قصائد وأناشيد وخطابات ثورية تلاقي‮ ‬التصفيق والتهليل من مجاميع أغلبها شبابية،‮ ‬ما إن‮ ‬يعتلي‮ ‬المنصة أو‮ ‬يظهر على إحدى القنوات التلفزيونية أحد هذه الرموز المولعة باستحمار الآخر إلاَّ‮ ‬ويصم آذانك الصفير والتكبير لحظة‮ ‬يظهر فيها أحدهم ليلقي‮ ‬بعض المفردات التي‮ ‬لها مدلول إنساني‮ ‬أو ثوري،‮ ‬وعينك ما تشوف إلاَّ‮ ‬النور،‮ ‬صراخ،‮ ‬تهليل،‮ ‬تكبير،‮ ‬شتم وسب لمن‮ ‬يختلف معهم تعقبها مسيرات راقصة وأناشيد‮ ‬يهيّأ لك حينها،‮ ‬أن‮ »‬البراق‮« ‬قد حط على إحدى روابي‮ ‬اليمن حاملاً‮ ‬صحفاً‮ ‬وقراطيس فيها القول الفصل والحلول المبتكرة لكل مشاكل الشعب اليمني‮ ‬التي‮ ‬استعصت على كل مَنْ‮ ‬استحمرنا أو‮ ‬يستحمرنا اليوم ليتجلى واقعاً‮ ‬المثل ذائع الصيت‮ »‬وافق شن طبقة‮«.‬
وللتدليل على ذلك وحتى لا أتهم بأنني‮ ‬من زبانية النظام السابق ومعادٍ‮ ‬للثورة،‮ ‬سأورد بعض الأمثلة لهذا النوع من الاستحمار المكشوف للشعب اليمني‮ :‬
 ‬التزمت الحكومة الحالية بدفع فوارق العلاوات عن الأعوام من‮ ‬2005‮ ‬وحتى‮ ‬2012م،‮ ‬ثم تختزل ذلك إلى شهر من كل سنة،‮ ‬تمنح للموظف ليستقر أخيراً‮ ‬قرارها على‮ (‬8‮) ‬أشهر فوارق من العام‮ ‬2012م،‮ ‬هل هناك أكثر من هكذا استحمار؟ ولمَن؟ لفئة العاملين في‮ ‬الجهاز الحكومي‮.‬
المثال الذي‮ ‬أختم به‮ : ‬وعدت الحكومة باستعادة الأوضاع إلى ما قبل الأزمة،‮ ‬وحتى الآن لم‮ ‬يتغير شيء،‮ ‬أسعار الخدمات مرتفعة،‮ ‬وأسعار السلع مولّعة،‮ ‬والساحات قائمة،‮ ‬والخطاب التهديدي‮ ‬كما هو‮... ‬إلخ،‮ ‬حتى المحروقات التي‮ ‬ارتفعت بسبب الأحداث الأمنية وكان الثوار‮ ‬يتهمون النظام السابق بأنه السبب فيها،‮ ‬وأنها مفتعلة وغير قانونية وليس لها مبرر،‮ ‬أخذت مع الحكومة الأخيرة شرعية قانونية بعد أن كانت جرماً‮ ‬يجب أن‮ ‬يحاسب عليه المتسبب‮.‬
وعدت الحكومة بالاعتماد على التمويل المحلي‮ ‬ووقف التسول من الخارج،‮ ‬الذي‮ ‬يجعل من قرار اليمن رهناً‮ ‬لإملاءاتهم ودشنت بداياتها بالبكاء وطلب المساعدة ممن كانت تعتبرهم سبباً‮ ‬في‮ ‬عدم استقرار الوضع في‮ ‬البلاد،‮ ‬فكيف سيحفظ هؤلاء الساسة سيادة البلاد التي‮ ‬زاد انتهاكها في‮ ‬فترتهم بصورة لم تعد خافية على أحد؟‮! ‬وأين ذهب ما كانوا‮ ‬يرددونه ويطرحونه قبل تربعهم على كراسي‮ ‬السلطة؟ اللَّه أعلم‮.‬
وهنا أختم منبّهاً‮ ‬الأحزاب والساسة بأن الشعب اليمني‮ ‬وإن تغاضى عن أمور كثيرة فإنه لن‮ ‬يسكت كثيراً‮ ‬عن التمادي‮ ‬في‮ ‬تحقيره واستحماره من قبل أي‮ ‬طرف،‮ ‬وأن ساعة الحساب لا بد وأن تأتي‮.‬
aldahry1@hotmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق