]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كُنْ أبا ذَرٍّ ..

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-11-22 ، الوقت: 10:05:22
  • تقييم المقالة:

 

حين تقترن خَصْلَةُ الشجاعة بفضيلة الصدق ، وتتسلَّحُ بِنَزْعَةِ إيثار الحق ، فإن الله عز وجلَّ يجعل لصاحب هذه الصفات الحسنة نوراً يسعى به بين خلقه ؛ يُبَدِّدُ بها ظلمات الباطل ، والظلم ، والخوف ... ويُعْلي بها كلمة الله ، ويذودُ بها عن شرف الإنسانية ، ومكارم الأخلاق ...

وقد كان أبو ذرٍّ ، رضي الله عنه ، يَتَحَلَّى بهذه الخصال المحمودة ، ويمشي بهذا النور الإلهي ، الذي بقي مضيئاً إلى ما بعد مماته ؛ فقد كان طِرازاً فريداً من الرَّعيل الأول من الصحابة ، ورجلاً فذّاً في قول الحق ، لا يخاف لومة لائمٍ ، ومُعارضاً مُسْتبسِلاً في قَصْمِ ظهر الباطل ، ولو اعتلاه سَيِّدٌ وجيهٌ ، أو سلطان غالبٌ !!    

وكيف لا ، والحق حين يختلط بأمشاج الرجل المؤمن ، ويجري في عروقه مجرى الدم ، فإن أُمَّةً كلها تجتمع في شخصه ، ويُبْعَثُ وحده ؟!

ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال عن أبي ذر ، في أحسن ثناءٍ : « ما أقلَّتِ الغبراء ، ولا أظلَّتِ الخضراء ، رجلاً أصدق لهجة من أبي ذرٍّ » . وقال عنه أيضا : « يُبْعَثُ أبو ذَرٍّ أُمَّةً وَحْدَهُ » .

وأبو ذر ، رضي الله عنه ، كان غزيرَ العِلْمِ والمعرفة ، وكان يوازي ابن مسعود في العلم ، كما جاء في (الإصابة في تمييز الصحابة ، لابن حجر العسقلاني) ، وابن مسعود من الصحابة المبرزين والمقدمين في ميدان العلم . وقد شهد بذلك الإمام علي بن أبي طالب ، إذ قال عنه : « كان أبو ذر وعاءً مليئاً عِلْماً ، ثم أوكئ عليه » .

وقصة إسلامه تَدُلُّ على رجلِ له ميزات خاصة يتفرد بها عن غيره من الصحابة ، الذين دخلوا في دين الله ، سابقين ، أو مبطئين ؛ فقد كان من الحنفاء « الذين اهتدوا ـ ذاتياً وبالتأمل والتعمق في التفكير ـ إلى عقيدة التوحيد ، فدعا الله وعبده ، بل ودعا إليه ، قبل أن يبعث الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، بثلاث سنوات » . فوصوله إلى الإيمان بعقيدة التوحيد قبل البعثة المحمدية ، وقبل سماعه بالقرآن والرسول ، إنما يضعه بين أصحاب النظر العقلي ، والتحليل النظري ، والفكر الفلسفي ، ومن ثَمَّ يعطي الرجل مكاناً متميزاً في هذا الميدان ـ كما قال عنه المفكر الإسلامي محمد عمارة ـ ...

وهو أول من حيَّا الرسول بتحية الإسلام ، ورابع أو خامس من آمن بدعوة النبي محمد ، صلى الله عليه وسلم ، وتحدَّى أهل مكة ، وصرخ بإسلامه بين ظهرانيهم ، وهتف بأعلى صوته : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، فتألب عليه القوم وضربوه ضرباً مبرحاً ، فأنقذه العباس عم الرسول . ومع ذلك لم يتراجع عن التحدي ، والجهر بإسلامه مرة ثانية ، فضربوه مثل الأولى ، وأنقذه العباس ثانية . وعندما عاد إلى قبيلته (غفار) ظل يدعو قومه إلى الدين الجديد ، ودخل منها أعداد كبيرة في الإسلام ، ودعا لهم الرسول ، فقال : « غفار غفر الله لها » .

وفي حياته وَعَى أحاديث كثيرةً عن رسول الله ، والتزم بعضاً منها ، أشد ما يكون الالتزام ، وهي من عيون الخلق الإسلامي ، ومنها هذه الأحاديث التي رواها بلسانه :

« أوصاني خليلي بسبعٍ :

أمرني بحب المساكين ، والدنو منهم .

وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني .

وأَلاَّ أسأل أحداً شيئاً .

وأن أَصِلَ الرَّحِمَ وإن أَدْبَرَتْ .

وأن أقول الحق وإن كان مُـرّاً .

وألاَّ أخاف في الله لومة لائم .

وأن أُكْثِرَ من لا حول ولا قوة إلا بالله ؛ فإنهن من كَنْزٍ تحت العرش » .

ومن عادة ابن آدم حين يكون حاكماً أَنْ ينزع إلى السيطرة الكاملة ، والسلطة المطلقة ، ويحلو له أن يصعد إلى مقام رَبِّ الأرباب ، يقول للمحكومين : ما آتيكم به فخذوه ، وما أنهاكم عنه فانتهوا ، ولا رأي لكم إلا ما أرى ، ومن قال غير ما أقول ، فلا يَعْتَبَنَّ إلا نفسه ، إن بقيت له نفسٌ !!

وأقوى آثار عَدْلِ الحاكم ، أو جَوْرِهِ ، تتجلى في سياسة المال بين الرعية ؛ فقد يغفل الناس عن كل سياسة يتخذها الحاكم ، ويتجاهلون كل أمر من أمور الدولة والمجتمع ، ولا يحفلون بأكثر من قضية ومسألة ، إلا قضية المال ، ومسألة أسباب المعاش ، فإنها تمُسُّهُمْ مَسّاً مُباشراً ، وترتبط بِصَميمِ حياتهم ، ومستقبل أبنائهم ارتباطا وثيقاً ، فلا يسوغ فيها الحَيْفُ ، والغش ، والظلم ، ولا يرضى فيها الأكثرية بالتفاوت الشاسع ، والفارق الطبقي الواسع ، فحين يكون فَضْلُ المال في قبضة ثُلَّةٍ من الملأ القليلين ، يستأثرون به وحدهم ، ويكنزونه ، ويَدَّخِرونه ، ثم يُحْرَمُ منه المستضعفون الكثيرون ، فإنَّ شراراتٍ مُسْتَصْغَرَةً من الفتنة والتمرد تنبعث هنا وهناك ، بين الفينة والأخرى ، قد تَضْرِمُ ناراً عظيمةً وَقودُها الناس والحجارة !!

والحكم والمال هما عَصَبُ الحياة للأفراد ، والجماعات ، والأمم ، فإذا اعْتَراهُما الفساد والغبن ؛ تعرضت مصائر الناس للخطر الأكيد .

ومعارضة أبي ذر جاءت من هذه الناحية ؛ ناحية المال ، وبسبب سياسة الخليفة الثالث في توزيعه .. ونِقْمَتُهُ على عثمان بن عفان ارتبطت بالنظام الاجتماعي الذي طرأ على الخليفة ، وولاته ، وعماله ، في الأمصار ، والأقاليم ، فهو كَرِهَ أن يزداد الأغنياء غِنًى ، حتى يكنزوا الذهب والفضة ، وأن يزداد الفقراء فقراً حتى يوشكوا أن لا يجدوا ما ينفقون ، وعابَ على عثمان أن يعطي لذوي قُرْباه أموالاً بغير حقٍّ ، وأن لا يصرفها في مصالح المسلمين كلهم ...

فأبو ذر قد سار في طريق المعارضة المملوءة بالأذى والمحن ، وانتهى به المطاف إلى النفي ، يوم نظر فوجد عثمان بن عفان أعطى مروان بن الحكم مالاً كثيراً ، وأعطى أخاه الحارث بن الحكم ثلاثمائة ألف درهم ، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم ، وهو مالٌ كثيرٌ بالقياس إلى ذلك الزمن ، فأنكر ذلك ، ودعاهم إلى القصد والقناعة ، وذَكَّرَهُم جميعا بقول الله عز وجل : « والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم » .

ومن هنا بدأت محنة أبي ذر ...

كان ، رضي الله عنه ، يخرجُ إلى الأمراء والأغنياء ، ويصيح فيهم بهذه الكلمات : « بَشِّرِ الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بِمَكاوٍ من نارٍ تُكْوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة » .. !!

وقد شكا مروان بن الحكم إلى عثمان مقالته هذه ، فأرسل عثمان إليه يَنْهاهُ ، فلم يَنْتَهِ ، وأَصَرَّ على دعوته ، مُعْتَذِراً أنه لن يُرْضِيَ عثمان بِسُخْطِ الله ... فأمره أن يغادر إلى الشام ، فانطلق إلى الشام ، حيث مَقَرُّ معاوية بن أبي سفيان ، وحين رأى سيرته أنكر عليه أموراً ، منها أنه كان يغدق الأموال على خاصة الناس ، الذين لهم وجاهة ومكانة ؛ لِيَتَأَلَّفَ بهم ، ولِيُرَتِّبَ للأيام القادمة التي يطمح فيها إلى غاية عظيمة ... !!

وشعر معاوية بالخطر ، وكتب إلى عثمان في المدينة ، يخبره أن أبا ذر قد أفسد الناس بالشام ، وأَوْغَرَ صدورهم ، فكتب عثمان إلى أبي ذر أن يرجع إلى المدينة مرة أخرى ؛ لكي يحتفظ به إلى جواره ، وبذلك يُحَدِّدُ إقامته .. ثم أغراه بعرض جميل ، يضعف أمامه أهل الدنيا ، وعشاق المتاع والمتع ، وقال له : « ابق هنا بجانبي ، تغدو عليك اللِّقاحُ وتروح » ، فأجابه بجواب القديسين : « لا حاجة لي في دنياكم » !! .. 

وعُرِضَتْ عليه إمارةٌ بالعراق ، فقال : « لا ، والله ... لن تميلوا عليَّ بدنياكم أبداً » .. !!

وحاولوا أن يمنعوه من الفتوى ، فقال لمانعيه : « والذي نفسي بيده ، لو وضعتم السيف فوق عنقي ، ثم ظننت أني مُنْفِذٌ كلمة سمعتها من رسول الله قبل أن تَحْتَزُّوا لأَنْفَذْتُها » .. !!

وفرغ للمعارضة ، وأخلص لمبدئه وغايته ، في تقويض معاقل السلطة والثروة ، وحمل على كل الذين ركنوا إلى الدنيا ، وفُتِنوا بزينتها وحلاوتها ، وأرادوا أن يَسْتَعْلوا ، ويَسْتَقْوا ، ويمتازوا عن غيرهم ، بالثروات ، والقصور ، والضياع .. « ولقد بلغ الأمر بأبي ذر إلى تَجَنُّبِ إخوانه ، إن لم يكن مقاطعتهم ؛ لأنهم وَلوا الإمارات ، وصار لهم بطبيعة الحال ثراء ووفْرَةٌ » (1)

ومضى في جهاده السِّلْمِي ، بتفانٍ وإخلاص ، وهو يردد نفس الكلمات ، ويطعن على عثمان ؛ لأنه أطلق يده في مال المسلمين ، واستعمل الأحداث ، ووَلَّى أَبْناءَ الطلقاء . فضاق بع عثمان ضيقاً شديداً ، وسَيَّرَهُ إلى { الرَّبْذَةِ } مَـنْـفِـيّـاً ، وهي فَلاةٌ بعيدة في الصحراء ، أقام فيها حتى مات وحيداً .. وصدق رسول الله إذ قال له ذات يوم : « تمشي وحدك .. وتموت وحدك .. وتبعث وحدك » !!

وهذه النبوءة أطلقها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في غزوة تبوك ؛ فعن ابن مسعود قال :

« لما سار رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى تبوك ، جعل لا يزال يتخلف الرجل ، فيقولون : يا رسول الله ، تَخَلَّفَ فلان ، فيقول : دَعوهُ ، إِنْ يَكُنْ فيه خيْرٌ فَسَيلْحَقُكُم ، وإن يكن غير ذلك فقد أَرَاحَكُم الله منه ، حتى قيل ، يا رسول الله تخلف أبو ذر ، وأبطأ بعيرُه ، فقال ما كان يقوله ، وتلوم (أبطأ) بعير أبي ذر ، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه ، فجعله على ظهره ، وخرج يتبع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ونظر ناظرٌ فقال : إن هذا الرجل يمشي على الطريق ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : كُـنْ أبا ذر .. فلما تأمله القوم قالوا : هو والله أبو ذر .. فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : رحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده » .

وهكذا خرج أبو ذر ، رحمه الله ، من الدنيا فقيراً ، كحاله يوم وَدَّعَ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عندما مات ، راجِياً أن يكون أقرب الصحابة مجلساً من الرسول يوم القيامة ، فقد حَفِظَ تماماً قوله ، صلى الله عليه وسلم : « إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته فيها » .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خالد محمد خالد .


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق