]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التلوث البيئي:

بواسطة: مهري شفيقة"كاتبة في شؤون البيئة"  |  بتاريخ: 2012-11-21 ، الوقت: 08:09:46
  • تقييم المقالة:
1-    البعد المفاهيمي للتلوث البيئي

1-1 مفهوم التلوث البيئي:

التلوث لغة:

 يعرف التلوث لغة على أنه التلطيخ والتكدير، بمعنى تغيير الحالة الطبيعية للأشياء بخلطها بما ليس من ماهيتها -أي بعناصر غريبة عنها - ، وهي من الفعل لوث يعني لوث الشيء أي دنسه.

ويستخدم مصطلح pollutionفي اللغتين الفرنسية والانجليزية ويراد به الاسم من التلوث أوحدوث التلوث.([1])

 وتجدر الإشارة إلى أن القرآن الكريم قد استعمل لفظا أقوى دلالة وأوضح بيانا لمفهوم التلوث وذلك من خلال الآية الكريمة في سورة الروم الآية 41:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.." و التي تقطع بوجود التلوث بمختلف أشكاله، قبل أن يرهق رجال القانون الوضعي أذهانهم للكشف عنها .[2]

أما اصطلاحا:

 فقد قدمت العديد من التعاريف ومن جملة ما قدم نذكر ما يلي:

" التلوث وجود أي مادة أو طاقة في البيئة الطبيعية يغير كيفيتها أو كميتها، أوفى غير مكانها أو زمانها،من شأنه الإضرار بالكائنات الحية أو الإنسان في أمنه أو صحته أو راحته".

 إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن من التعريفات الشائعة التي تلقى قبولا ، التعريف الذي أقرته منظمة الأمن والتنمية الاقتصادية والذي يقرر بأن: "التلوث هو قيام الإنسان مباشرة أو بطريق غير مباشر بإضافة مواد أو طاقة إلى البيئة ، تترتب عليها آثارا ضارة يمكن أن تعرض صحة الإنسان للخطر، أو تمس بالموارد البيولوجية ، أو الأنظمة البيئية على نحو يؤدى إلى التأثير على أوجه الاستخدام المشروع للبيئة." [3]

§        أما المشرع الجزائري فعرفه على أنه كل تغير مباشر أوغير مباشر للبيئة، يتسبب فيه كل فعل يحدث أوقد يحدث وضعية مضرة بصحة وسلامة الإنسان، والنبات والحيوان والهواء والجو والماء والأرض والممتلكات الجماعية والفردية.[4]

 

 

 

ومن خلال التعاريف السابقة نستنتج أن التلوث البيئي يعد أهم مشكلة نواجهنا في الوقت الحاضرحيث يشير كل من سوزان وبيتر كالفرت ، إلى أن البشرية تواجه في الوقت الحاضر ، مشكلتين حادتين ، تتمثل الأولى في أن كثيرا من الموارد التي نعتبر وجودها الآن من المسلمات معرضة للنفاذ في المستقبل القريب ، أما الثانية فتتعلق بالتلوث المتزايد الذي تعاني منه بيئتنا[5] ، ويعتبر التلوث  مصدرا خطيرا يهدد حاضرنا ومستقبلنا ومستقبل العالم كله ، وإن اختلفت مستوياته فهو أهم مشكلة تسبب المشاكل البيئية العالمية، فيقول "باري كومونر"في كتابه "الدوامة": ...أنقذوا الإنسان من الموت المؤكد ساهموا في مكافحة التلوث، حيث يفضل بيئة قبائل البوشمن في إفريقيا الوسطى الجافة على البيئة الأمريكية المرهقة...[6] .

ذكر الكاتب هذه المقولة في سياق بيئة الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر من أكبر الدول المصنعة وبالتالي ، من أكبر المساهمين في  حدوث التلوث البيئي ، الذي يدمر كل شيء، خصوصا الإنسان الذي دعي الكاتب لإنقاضه من الموت ، فهو غير راضي عن بيئة الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث يفضل العيش بأسلوب بدائي مع قبائل البوشمن في إفريقيا الوسطى ، التي تتميزبيئتها بالجفاف لكن لم يطلها التلوث الذي يعتبره مصدر قاتل يهدد وجود الإنسان .

-1-2- أنواع التلوث البيئي:

 هناك العديد من التصنيفات لأنواع التلوث لذا سوف نختار أهم التصنيفات:

للتلوث أنواع عديدة مصنفة وفق معايير محددة إما بحسب درجة تأثيره أو بحسب الوسط الذي يتواجد فيه أو بحسب طبيعته أو مصدره وهي كالتالي:

1-2-1-حسب مصدره:

أ- التلوث الصناعي:

        يعرف التلوث الصناعي على أنه التأثير العكسي على نوعية البيئة ، والذي تسببه عمليات الإنتاج الصناعي، ومؤسسات المعالجة الصناعية ، والاستخدامات المتزايدة لمظاهر التقنية الحديثة ، فبالرغم من أن النمو والتطور الصناعي يؤدي إلى فوائد عديدة ولكن غالبا ما يؤدي إلى أضرار بيئية  جمة ، تنتج عن المخلفات الصناعية منها استنزاف المواد الطبيعية ، وإحداث  التلوث بمختلف أشكاله  الهوائي المائي الترابي والضوضائي.

ب-التلوث الطبيعي:

 وينتج أساسا من الظواهر الطبيعية ، ولا علاقة له بالإنسان كالزلازل والبراكين التي تقذف الحمم ودخانها المشبع بالغازات السامة ، كما أنه من نتاج الطبيعة ولا يستطيع الإنسان التنبؤ به أو السيطرة عليه .([7])

 

-1-2-2التلوث وفقا لنطاقه الجغرافي :

أ-  التلوث المحلي:

    ويقصد به تلوث البيئة بشكل لا تتعدى آثاره الحيز الإقليمي لمكان مصدره، فيتم إصدار القوانين والعقوبات الرادعة لمحدثيه محليا أي من قبل الدولة المختصة.

ب- التلوث بعيد المدى:

    وهو التلوث الذي يكون مصدره موجودا كليا أو جزئيا في منطقة تخضع للاختصاص الوطني للدولة، وتحدث آثاره الضارة في منطقة تخضع للاختصاص الوطني لدولة أخرى ، ويعتبر هذا النوع من الأضرار بالبيئة عدة أشكال قانونية سواء على مستوى القانون الدولي أو على مستوى القانون المحلي ،إلا أنه تصدت له الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ، وكذلك القانون الدولي باعتباره قد يؤدي إلى منازعات بين الدول، كما تتصدى له أحيانا القوانين المحلية لتحقيق الردع الذاتي لكل دولة ضد مواطنيها .[8]

-1-2-3- بحسب درجة تأثيره:

       ينظر للتلوث وفق ثلاث مستويات أساسية بحسب درجة تأثيره وهي:

أ- التلوث غير الخطير:

وهو التلوث الذي يستطيع الإنسان أن يتعايش معه دون أن يتعرض للضرر أوالمخاطر، كما أنه لا يخل بالتوازن البيئي والحركة التوافقية بين عناصر هذا التوازن.

ب- التلوث الخطير:

         هو التلوث الذي تظهر له آثار سلبية تؤثر على الإنسان والبيئة التي يعيش فيها، ويرتبط بالنشاط الصناعي بكافة أشكالها، وخطورته تكمن في ضرورة اتخاذ الإجراءات الوقائية السريعة التي تحمي الإنسان من التلوث.

ج- التلوث المدمر:

وهو التلوث الذي يحدث فيه انهيار للبيئة والإنسان معا ويقضي على كافة أشكال التوازن البيئي وهو متصل بالتطور التكنولوجي[9] بشكل أساسي، وفيما يلي بعض الأمثلة لأخطر الحوادث البيئية المدمرة في العالم .

 

 

 

 

- فسنوات السبعينيات والثمانينيات شهدت بيئية خطيرة أدت بمئات القتلى وآلاف الجرحى  ككارثة سيفزو SEVESOبإيطاليا 1977 ، التي أدت إلى انفجار مادة الدوكسين بمصنع للكيماويات تسببت في قتل 200 جريح وعدد من القتلى.

 -بازل بسويسرا 1986"BALE" نتيجة تسربمضاداتعشبيةزئبقية فينهرالراينبعدحريقأدت إلى تدمير النسق الإيكولوجي للنهر لسنوات طويلة.

- بوبالبالهند1984" انفجار مصنع للكيماويات" نتج عنه2500 قتيل وآلاف الجرحى([10])

-  كل هذا دون نسيان أكبر كارثة بيئية عرفها  العالم هي حادثة "تشرنوبيل" بأوكرانيا"بتاريخ/4/261986  نتيجة انفجار مفاعلإنتاجالطاقةالكهربائية، حيثاستمرالوقودالنوويمنالمفاعللمدةتزيدعلىعشرةأيام ،باعثاًملايينالعناصر المشعةالتيتعادلكثافتهامالايقلعن200 قنبلةنووية، مثل"قنبلةهيروشيما."

     ومن مخلفات هذه الكارثة تأثرثلاثةأرباع أوروبابالإشعاعالذيأثرفيعشراتالملايينمنالأشخاص،ورغمأنالحصيلةالسوفيتيةقد أشارتإلىإصابة237 شخصاً،ومقتل31 آخريننتيجةالإشعاعالشديد،لكن معطياتأخرىأشارتإلىوفاةحوالي30 ألفشخصوإصابةالملايين،وقدرتالتكلفة الإجماليةلخسائرحادثتشرنوبيلبنحوسبعةملياراتدولارعلىالأقل.[11]

ولازالت أثار هذه الكارثة تمتد إلى اليوم ومن المتوقع استمرارها لمئات السنين ، حيث تسببفيانتشار  التلوثالإشعاعيبتزايد الإصابات بالأمراض المسرطنة نتيجة للإشعاعات النووية 

من خلال التطرق الموجز لأهم حوادث التلوث البيئي المدمر ، نستنتج أنها  تخلف أثار بيئية وصحية جمة بالإضافة إلى خسائر مالية واقتصادية فادحة تتحمل عبئها الدولة*

-1-2-4– وفقا لنوع البيئة التي يحدث فيها :

1- التلوث الهوائي:

المقصود بتلوث الهواء هو أي تغيير في تركيز واحد أوأكثر من المكونات الطبيعية الغازية للهواء الطبيعي ، سواء كان هذا التغيير زيادة أم نقصان أوظهور غازات وأبخرة أوجسيمات عالقة ،  أوغير ذلك هو حالة من حالات التلوث الهوائي.

وعرف تلوث الهواء اتحاد الأطباء الأمريكي بأنه الزيادة في تراكيز المواد الغريبة عن التكوين الأساسي للهواء، التي  تؤثر على الناحية الصحية للفرد وتؤدي إلى أضرار بممتلكاته.([12])

 وهو وجود أي مواد صلبة ، سائلة أو غازية بالهواء بكميات تؤدي إلى أضرار فيزيولوجية ، اقتصادية وحيوية بالإنسان  الحيوان و النباتات ، أو تؤثر في طبيعة الأشياء ، وتقدر خسارة العالم سنويا بحوالي 5000مليون دولار  بسبب تأثير الهواء  على المحاصيل والنباتات الزراعية. 

 

 

        حيث  شهدت مناطق عديدة في العالم أحداثا كارثية بسبب حدوث الضباب الدخاني الناتج عن التلوث الهوائي ، ففي عام 1873 أدى حدوث الظاهرةفوق مدينة لندن إلى وفاة 700 شخص ، وتكررت الظاهرة عام1911وحصدت 1150 حالة وفاة [13] ، كما حدثت أيضا ببلجيكا عندما تراكم الضباب الدخاني بمنطقة وادي الميز وأدى إلى وفاة 63 شخص، كما تكررت الظاهرة بمدينة دونورا بولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1948، حيث أدى إلى وفاة 20 شخصا وإصابة 1000 شخص بأمراض عديدة،  وتتسبب ملوثات الهواء في موت 50.000 شخصا سنويا [14]، وتأخذ الملوثات الهوائية الأشكال الثلاثة غازية، صلبة وسائلة، كما أنها تأتي من مصدرين طبيعي وبشري .

ب- التلوث المائي:

       تلوث الماء هو كل تغيير في الصفات الطبيعية للماء، يجعله مصدرا حقيقيا أو محتملا للمضايقة أو للأضرار بالاستعمالات المشروعة للمياه ، وذلك عن طريق إضافة مواد غريبة تسبب عكارة الماء ، أو تكسبه رائحة أولونا أو طعما، وينشأ التلوث المائي عموما، نتيجة طرح كميات هائلة من فضلات التجمعات الحضرية ونفايات المصانع ومحطات توليد الطاقة.3

  و يهدد تلوث المياه الأشخاص الذين هم على إتصال مباشر مع المياه السطحية  أو البحيرات ،  وكذلك الذين يستعملون المياه الملوثة للشرب ، ويمكن للتلوث أن ينتقل من المياه إلى النباتات  المستعملة كغذاء للإنسان .

ويؤثر تلوث المياه أيضا على الحياة المائية مسببا أضرار للبيئة الطبيعية  ، وتغيير المياه العادمة " المجاري " والمياه الصناعية ، ومياه الصرف، والرشح الزراعي ، ومياه السيول من مصادر تلوث المياه  الجوفية بالمواد العضوية واللاعضوية ، والمعادن  والمعلقات المنحلة حيث تؤثر هذه الملوثات على تركيزها .ويمكن إدراج جدول يوضح مصادر تلوث المياه وخواصها وأثارها كالتالي:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1-عارف صالح مخلف: الإدارة البيئية: الحماية الإدارية للبيئة، دار اليازوري، عمان، الأردن،2007. ، ص 48.

[2]- حمشة نور الدين،الحماية الجنائية للبيئة، دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، رسالة ماجستير في الشريعة والقانون،كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية،جامعة باتنة،2005_2006، ص23. 3-- فتحي دردار : البيئة في مواجهة التلوث، دار الأمل، الجزائر ،2003 ، ص78. 4-الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية ، قانون رقم 03-10الصادر في 20 يوليو 2003 ، المتعلق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة ، ص2 1-عبد الله بن جمعان الغامدي : التنمية المستدامة بين الحق في استغلال الموارد الطبيعية والمسؤولية عن حماية البيئة ، دراسة وصفية تحليلية   قسم العلوم السياسية ، جامعة الملك سعود ، المملكة العربية السعودية ، 2007، ص2 2- عبد الوهاب قاسم تور نجي : التكاليف المالية للتلوث الضوضائي وآثارها الاجتماعية على الوحدات الاقتصادية " مذكرة ماجستير،  كوبنهاغن، 2008، ص 16.

3-برني لطيفة: مرجع سبق ذكره ص12"

- عبد الرزاق العمر مثنى:التلوث البيئي ،ط1، دار وائل للنشر والتوزيع،  الأردن،2000،ص 81 .[8]

2-لعيبي هاتو خلف:،محاسبة التلوث البيئي ،الأكاديمية العربية في الدانمارك، كوبنهاغن، 2009، ص4  . 1- Jacques Salamitou, ''Management environnemental'' , Dunod , Paris ,2004, P.9 - د عديسان إبراهيم أبو عبدون : التصنيع وحماية البيئة ،قسم العلوم الأساسية جامعة الشارقة ،ص4.[11]  *لمزيد من التفصيل في الكوارث البيئية الخطيرة ارجع إلى الجدول رقم()في مبحث التلوث الصناعي   3-نجم العزاوي ، عبد الله حكمت النقار، إدارة البيئة نظم و متطلبات وتطبيقات 14000 iso ، دار المسيرة، عمان، 2007،ص 103 -محمد إبراهيم محمد شرف، '' المشكلات البيئية المعاصرة ''، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2008، ص41[13] [14]- فتحية محمد الحسن، '' مشكلات البيئة ''، مكتبة المجتمع العربي، عمان، ط 1، 2006، ص 130. 3-عارف صالح مخلف، '' الإدارة البيئية: الحماية الإدارية للبيئة''، دار اليازوري، عمان، الأردن ، ص 65.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق