]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

قضية اللفظ والمعنى

بواسطة: Steel Princess FarahAlfadly  |  بتاريخ: 2011-08-17 ، الوقت: 21:48:23
  • تقييم المقالة:

قضية اللفظ والمعنى

اعتمد النقاد على مبدأ الملاءمة بين اللفظ والمعنى , أو صياغتها من أجل الحصول على الصنعة الشعرية المتقنة فقد كان هذا المبدأ أساساً من الأسس التي اُعتمدت في تنقيح الشعر وتهذيبه حيث كان النقاد يلتفتون إلى ما يوجد في النص الشعري من خلل من جهة المعنى أو اللفظ مؤكدين على ما بينهما من تناسب وتلاؤم , لذلك يجب أن يكون اللفظ مناسباً للمعنى .

وقد أشار بشر بن المعتمر (ت210هـ) إلى منزلة اللفظ والمعنى ، و أكد  على انه " من أراد معنى كريماً فليلتمس له لفظا كريماً ,  فان من حق المعنى الشريف اللفظ الشريف , ومن حقهما أن تصونهما , مما يفسدهما  ويهجنهما  ".

و قد أولى الأصمعي (ت216هـ) عناية خاصة بالمعاني الشعرية فالبلاغة عنده ليست " بخفة اللسان ولا كثرة الهذيان ولكن بإصابة المعنى والقصد إلى الحاجة, وان ابلغ الكلام : ما لم يكن بالقروي المجدوع ولا البدوي المعرب "  .

ويعد الجاحظ (ت255هـ) من النقاد الأوائل الذين اهتموا   بقضية اللفظ والمعنى ,  ولعل  من أشهر النصوص النقدية التي جاء بها الجاحظ  التي تخص قضية اللفظ والمعنى قوله : " والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجميُّ ... وإنَّما الشأنُ  في إقامة الوزن وتخيُّر اللفظ , ..., فإنما الشعر صناعةٌ وضَرْب من النَّسج وجنسٌ من التصوير"  .

إن المعنى الذي يريده الجاحظ هنا هو المعنى العام المشترك بين الناس , وهو لفظة تدل على معنى وكل الناس يعرفونها ... , أما معاني الشعر فهي ما يتوفر فيه ما ذكره الجاحظ في بقية النص فالجاحظ فهم أخر لأنه من أوائل من تنبهوا إلى أن الأسلوب الأمثل يبدأ من الحرف وصولا إلى البناء المتكامل للعمل الأدبي . واهتمام الجاحظ بالأسلوب جعله  ينكر على الأدباء شغفهم بالغريب وبالتعابير المتكلفة ,  أما معيار التعبير الفني عنده , فهي في أن " تجتنب السوقيّ والوحشي, ولا تجعل همك في تهذيب الألفاظ وشغلك في التخلّص إلى غرائب المعاني , وفي الاقتصاد بلاغ , وفي التوسط مجانبة للوعورة , وخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه ".

ويذهب الجاحظ إلى أن العلاقة بين اللفظ والمعنى قائمة على أسس اجتماعية ومحكومة بفكرة الإبداع وان إيلاء احد الطرفين الأولوية في التعبير دون الأخر يُعد مساً وتشويهاً لعملية التعبير نفسها " فشر البلغاء من هيأ رسم المعنى قبل أن يهيئ المعنى عشقاً لذلك اللفظ وشغفاً بذلك الاسم ... " 

فالألفاظ وهي محايدة واحدة عند البشر كافة , ولكن في الاستعمال كل يستعملها بحسب إحساسه ولذلك يحتاج هذا الإحساس إلى : البناء , الرصف , التعليق , النسج , التصوير, النظم .

أما ابن قتيبة (ت276هـ) فقد وقف عند جودة اللفظ والمعنى وذلك في تقسيمه الشعر إلى أربعة أضرب : ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه , وضرب حسن لفظه دون معناه , وضرب جاد معناه وقصرت ألفاظه , وضرب تأخر معناه وتأخر لفظه  .

إن هذا التقسيم نابع من حرص ابن قتيبة على القيم الاجتماعية التي يدعو إليها وموازنتها بالجانب الفني . فإذا كان الشعر جيد من الناحية الفنية ولا يحمل قيمة اجتماعية قال عنه جيد اللفظ ولا معنى وراءه كشعر الغزل وهكذا يقال عن بقية تقسيمه,  

وتأكيد ابن قتيبة على جودة اللفظ والمعنى يدل على أن البلاغة لا تقتصر على اللفظ فقط , ولا تقتصر على المعنى وحده , وإنما تكون في اللفظ وقد تكون في المعنى , وقد تكون فيهما جميعا وقد تنقصهما جميعا . فابن قتيبة يجمع بين اللفظ والمعنى , وهما يتعرضان معاً للجودة والقبح , ولا مزية لأحدهما على الآخر, ولا استئثار بالأولوية لأحد القسمين  .

فضلا عن أنه يعرض لقضية اللفظ والمعنى في كتابه "عيون الأخبار" وينقل كلاماً حول البلاغة لعمرو بن عبيد مفاده أن البلاغة هي : "تخيّر اللفظ في حسن إفهام" أي في استعمال المفردات وتخيرها , ويدعو إلى أن يؤتى بالألفاظ المستحسنة في الأذان المقبولة عند الأذهان رغبة في سرعة استجابة المتلقين .

أما المبرّد (ت286هـ) فقد أفاد من جهود السابقين الذين تناولوا بالدرس والتحليل قضية اللفظ والمعنى, فهو يتحدث عن البلاغة بين اللفظ والمعنى ، قال : " إن حق البلاغة إحاطة القول بالمعنى واختيار الكلام وحسن النظم , حتى تكون الكلمة مقاربة أختها ومعاضدة شكلها, وان يقرب بها البعيد, ويحذف منها الفضول " .

فالمبرد هنا يريد :  توخي العلاقات بين الكلمات وإلا فان الكلمة في الشعر هي نفسها في النثر  والمعنى فيهما واحد ولكن طرق أداء الفن تختلف وتجعل من السياق بليغا هنا وبليغا هنا , إلا إن المبرد يحاول تحديد المسألة لغرض الإحاطة بجزئياتها ، فضلا عن هذا كشفت تعليقات المبرد على الاختيارات الشعرية التي ضمها كتابه (الكامل)  , عن موازنة بين اللفظ والمعنى إذ وضع أوصافا للألفاظ وأخرى للمعاني فهدف المبرد : دعوة الشاعر إلى إيصال الصورة المؤثرة في المتلقي , لأنه يعرف جيدا خصوصية التركيب الشعري , هذه الخصوصية التي تساهم في اختلافه عن الخطاب العادي , الذي يهتم أول ما يهتم بالهدف الإبلاغي عكس الخطاب الإبداعي الذي تتعانق فيه الوظيفة الجمالية الشعرية مع الوظيفة الإبداعية ؛ وذلك " بوساطة الخلق التصويري الذي يكون معادلا لانفعال الشاعر, هذا الانفعال الذي يحث الخيال على إعادة تحليل وتركيب البناء اللغوي"  .

أما ابن المعتز (ت296هـ) فقد ركز الحديث عن الارتباط بين اللفظ والمعنى من خلال الحديث عن أثر بعضهما ببعض , ومن ثم يمتلك ابن المعتز رؤية خاصة في الشعر  يكشف عنها قوله :

 

إنَّ ذا الشعر فيه ضيقُ نطاق
 

 

ليس مثل الكلام من شاء قالا
 

 

 

إذ يجعل للشعر ماهية خاصة وطبيعة تختلف عن غيره من القول , بسبب خصوصية الاستعمال الشعري للمفردة , أي قيود على استعمال المفردة لان مجال الشعر مجال ضرورة وقيود  . وقد أشاد ابن المعتز بالشعراء المحدثين الذين يذهبون في شعرهم إلى نمط الإعراب ، فضلا عن الأخذ بطريقة الشعراء المحدثين جاء ذلك في تعليقه على أبيات ابن ميادة التي أولها :

 

كأنّ فؤادي في يدٍ علقت به
 

 

محاذرةً أن يقضب الحبل قاضبهُ
 

 

 

إذ قال عنها: " فهذه معان وألفاظ يعجز عنها أكثر الشعراء, فانه قد جمع إلى اقتدار الإعراب وفصاحتهم محاسن المحدثين وملحهم ". فضلا عن عرضه لعيوب المعنى وأثرها في النص الشعري , ويرى بعض الدارسين أن ابن المعتز من النقاد الذين يجمعون بين مذهبي أبي تمام والبحتري في الشعر, فهو مع المعاني العميقة في الشعر,  فضلا عن حفاظه على عذوبة الأسلوب وجماله , وتوشيته بآثار الصنعة والترف , وألوان البديع .

أما ابن طباطبا العلوي (ت322هـ) فقد بينت النصوص النقدية الواردة عنه انه يفصل بين اللفظ والمعنى إذ يقول : " وللمعاني ألفاظ تشاكلها فتحسن فيها وتقبح في غيرها , فهي كلها كالمعرض للجارية الحسناء التي تزداد حسنا في بعض المعارض دون بعض , وكم من معنى حسن قد شين بمعرضه الذي ابرز فيه وكم معرض حسن قد ابتذل على معنى قبيح البسه... وكم حكمة غريبة قد ازدريت لرثاثة كسوتها , ولو جليت في غير لباسها ذلك لكثر المشيرون إليها "    .

  إن قراءة كتاب ابن طباطبا بتمعنٍ تظهر انه من النقاد الذين أكدوا على الصياغة وطريقة النظم , ودقائق الصنعة في ربط أجزائه بعضها ببعض , وما ينبغي إن يتوفر للفظ ومعانيه من ملاءمة قال :"... وإيفاء كل معنى حظه من العبارة , وإلباسه ما يشاكله من الألفاظ حتى يبرز في أحسن زيّ وأبهى صورة.. بل يكون كالسبيكة المفرغة , والوشي المنمنم , والعقد المنظم والرّياض الزاهرة... وتكون قوافيه قوالب لمعانيه..."  .

فضلا عن تأكيده على أهمية المعنى عادًّ صحة المعنى الشعري إحدى الأسس المهمة التي يقوم عليها الشعر الجيد إذ قال : فإذا اجتمع للفهم مع صحة وزن الشعر صحة المعنى وعذوبة اللفظ وصفا مسموعه ومعقوله من الكدر تم قبوله له واشتماله عليه ، ويبدو أن ابن طباطبا لم يوضح مراده بلطف المعنى أو جماله أو حسنه , إنما مدار الأمر عنده اللفظ , فهو الذي يكسو المعنى الجمال ,  ويبدو أن تأثير الشعر عنده يكمن في تكامل أطرافه واستوائها وهذا يعني اعتزاز ابن طباطبا بالأسلوب اعتزازا كبيرا , ومن وراء هذا الاهتمام بالأسلوب بدأ الاهتمام الشديد بالنظر فيه وتقويمه ونقده , وقد تناول هذا النقد بالطبيعة الكلمات والألفاظ باعتبارها مفردات تتكون منها العبارات, ولبنات يقوم بها البناء الفني .

أما قدامة بن جعفر (ت337هـ) فقد تناول قضية اللفظ والمعنى من خلال تعريفه لحد الشعر: على انه " قول موزون مقفى يدل على معنى "  . فالمعنى هنا هو المعنى الشعري وإلاّ فكل كلام العرب المفيد يدل على معنى . وأول ما يبدو من عمل قدامة : إنه نظر إلى الشعر حسب مكوناته الأربعة وهى : العروض والوزن ،  القوافي والمقاطع ، الغريب واللغة (اللفظ) ، المعاني والمقاصد  .

فالمعنى عند قدامة يتنوع بتنوع مناشط الحياة وقابلية المتفنن , وفي ذلك يقول : إن أتكلم فيه أن المعاني كلها معرّضة للشاعر, وله أن يتكلم منها في ما أحب وآثر, من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة , والشعر فيها كالصورة. والناقد في مقولته هذه يتفق مع الجاحظ في الاعتماد على التصوير والصياغة لبيان الجودة أو الرداءة فهو من أنصار الصياغة . ثم يركز على الجوانب الشكلية في العملية النقدية والإبداعية إذ يفصل بين المبدع وإنتاجه الأدبي أولا، ويفصل بين النص الأدبي والواقع الاجتماعي وما يشتمل عليه من قيم وأفكار ثانيا .

ويبدو أن قدامة بن جعفر تمثل التراث النقدي السابق له وأفاد منه  إفادة  الناقد المتخصص . الذي يهمَّه جمال النص الشعري لذاته ، وليس بمقدار علاقته بغيره  .

أما الآمدي (ت370هـ) فقد اهتم في موازنته بين الشاعرين بألفاظهما , وما تؤديه تلك الألفاظ من معان لغرض الوصول إلى فكرة الشاعر وما يقصد إليه , فكان يحكم بالجودة والرداءة على الطائيين من خلال تتبعه للألفاظ وموافقتها للمعاني التي عبر بها عنها , لذلك فالآمدي يريد أن تكون المعاني مألوفة عند العرب قديما ,  و استند إلى خصائص الشعر العربي القديم لأنها المقياس الرئيس في قراءته  لشعر الشاعرين , واستحضار الشعر القديم أو ما يماثله (شعر البحتري) أمام الشعر المحدث بهدف تنقيته (أي الشعر المحدث) وإبعاده عما لحق به من خروقات للقديم على يد أبي تمام  . فضلا عن أنه لا يكتفي بإيراد المعاني خالية من البلاغة أو السبك الفني الجيد إنما يريد من الشاعر أن تكون معانيه على درجة عالية من الدقة والتأثير ولهذا رأى أن لطيف المعاني إذا جاء في غير بلاغة ولا سبك جيد ولا لفظ حسن , كان ذلك " مثل الطراز الجيد على الثوب الخلق , أو نقش العبير على خد الجارية القبيحة الوجه ".

ويولي اللفظ عنايته فيجعل أكثر صفات البلاغة  تقوم على جودته , وسلامته , وحسن إيقاعه , فهي عنده " إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة , عذبة , مستعملة  سليمة  من التكلف لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة ولا تنقص نقصانا يقف دون الغاية ".  وهذا يخضع النص الفني لنوع من المراقبة العقلية والمنطقية , ويجعله مقيدا بالقياس وإصابة المقدار, إنَّ مفهوم الآمدى هنا يعتمد على مقولة عربية خالصة مفادها : إن البلاغة الإيجاز مع إصابة المراد . 

إما القاضي الجرجاني (ت392هـ) فانه يربط بين اللفظ والمعنى ربطا وثيقا جاعلا الصلة بينهما صلة نسب رافضا أن يعود الجمال لأحدهما دون الآخر ، فكان من أوائل النقاد الذين فطنوا إلى أهمية  الملاءمة بين الألفاظ والمعاني , فليس هناك أفضلية للفظ على المعنى , أو المعنى على اللفظ فكلاهما يشتركان في تحقيق الهدف المنشود , وذلك لان الألفاظ أداة تصل من خلالها إلى المعنى المراد , فهي تعمل في تحسين معارض المعاني لأنّ " اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر أعلى منه فلابد أن يتضمن من المعنى أكثر ما تضمنه أولا , لان الألفاظ أدل على المعاني فإذا أزيد في الألفاظ وجب زيادة المعنى ضرورة ", ويحدث هذا في المبنى الصرفي  الذي اقرَّ أنَّ زيادة المبنى زيادة في المعنى , فالعلاقة وطيدة بينهما لذلك أن أي تغير في احدهما حتما يؤدي إلى تغير الثاني ، وأي عدم توازن أو خلل بين العناصر اللغوية والتصويرية والإيقاعية سيضعف من شعرية الخطاب وتفرده , إذ شعريته تنبع من تعانق التراكيب المميزة مع العناصر الأخرى , والمبدع الحاذق هو الذي يُسخّر إمكانات اللغة ويغيّر في تراكيبها مما يمنح نصَّه خصوصية شعرية تجعله يتميز عن غيره من النصوص .

أما أبو هلال العسكري (ت395هـ) فقد امتاز موقفه من قضية اللفظ والمعنى وأثرها في النص الأدبي بأنه كان يحاول تحديد مفهوم اللفظ والمعنى في حدود اصطلاحية , فجعل الفصاحة للفظ والبلاغة مقصورة على المعنى , على أن العسكري يوافق الجاحظ في قوله :

" وليس الشأن في إيراد المعاني, لان المعاني يعرفها العربي والعجمي و... وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه , وحسنه وبهائه... مع صحة السبك والتركيب والخلو من أود النظم والتأليف "  . ويحاول أن يبرهن على قيمة الألفاظ في العمل الأدبي , وأن سر الجمال يكمن فيها , فيذكر أن الألفاظ هي التي يقوم عليها أساس التفاضل , فالكتّاب يزينون خطبهم ورسائلهم ليتفاضلوا بمقدار الصفة من الخطبة والرسالة  . فالعسكري يرى أن الألفاظ الرديئة والجيدة تقود إلى إفهام المعنى . وهو لا يعبأ بهذا إنما يعبأ بالجمال الفني الذي لا يهدف إلى الإفهام فقط وإنما الإفهام مع المتعة , ووضع أبو هلال شروطا للبلاغة كي تحقق هدفها وميّز بين الفصاحة والبلاغة , فالفصاحة عنده مقصورة على اللفظ دون المعنى , وكأن البلاغة مقصورة على المعنى لان مهمتها إنهاء المعنى إلى القلب لأن البلاغة عنده " إيضاح المعنى وتحسين اللفظ "  .

أما ابن رشيق القيرواني (ت454هـ) فقد اهتم بهذه القضية وخصص لها باباً سمّاه , "باب في اللفظ والمعنى" وقد عرض فيه لجملة من الآراء المختلفة والمتعددة التي تخص هذا الموضوع قائلا : فمنهم من يؤثر اللفظ على المعنى ، ومنهم من يؤثر المعنى على اللفظ . ويذكر أن الذين يؤثرون اللفظ هم فرق مختلفة باختلاف نظرتهم للفظ وقد ذكر منها ثلاثا : أولاها : " قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته على مذهب العرب من غير تصنع " أما الفرقة الثانية : فهي التي جعلت اللفظ غايتها وجعلته " جلبة وقعقعة بلا طائل معنى إلا القليل النادر". والفرقة الثالثة : هي التي اختارت سهولة اللفظ وقبلت منها الركاكة واللين المفرط ". ويبدو أن  الأفضل : الطائفة الأولى التي سارت على سنن العرب في كلامها , وكأنّه يميل هنا إلى الذوق القديم , فمال إلى تفضيل الطائفة الأولى... وهو لم يكتف بوصفهم بالسير على مذهب العرب , بل أضاف إليها (من غير تصنع) , فالشعر إذا هو الشعر القديم , ومن سار على  هديه فهو المقبول المفضل عند ابن رشيق , لأنه لا ينظر إلى الرؤى الشعرية وإنما ينظر إلى دلالات الألفاظ ضمن علاقات نحوية محددة , فتكون هذه الفرق الثلاث متفاوتة بحسب هذا المعيار الذي قرره.

أما عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) فقد ذهب إلى أن الجمال في العبارة إنما يعود إلى حسن أداء الكلمات لمعانيها, ومابين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب ، فهو يرى أن الكلمة المفردة لا قيمة لها قبل دخولها في التأليف , وقبل إن تصير إلى الصورة التي يفيد بها الكلام غرضا من أغراضه  . فلم يرضَ عن رأي من نصر المعنى في عمومه ليحكم على الجودة والرداءة في العمل الأدبي بحسب معناه مغفلين أمر الصياغة . فهو لم يقف عند الألفاظ وحدها أو المعاني وحدها , وإنما ربط بينهما ربطا وثيقا وبذلك ادخل عنصرا ثالثا في النقد الأدبي وهو مراعاة الصورة الأدبية التي تحدث من اجتماع اللفظ والمعنى , فقضى على ثنائية اللفظ والمعنى . مدركا   بفكره الثاقب , ما أدركه النقاد في عصرنا الحاضر من صعوبة تقسيم العمل الأدبي إلى لفظ ومعنى , أو صورة وفكرة , لأنهما " في الأسلوب كل لا يتجزأ ووحدة لا تتعدد, وليس أدل على ذلك من انك إذا غيرت في الصورة تغيرت الفكرة وإذا غيرت في الفكرة تغيرت الصورة "  .

ويعتمد عبد القاهر على الذوق الأدبي الخالص في ما قرره من أحكام ، مؤكداً أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعاً من السامع ولا يجد لديه قبولاً، حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة  .ويظهر ذوقه العربي السليم في تطبيقاته لهذه النظرية ، الذي لا يمكن أن يغني في الأدب عنه شيء ، ونظرية عبد القاهر في رمزية اللغة ورد المعاني إلى النظم ومنهجه في نقد النصوص نقداً موضعياً ، مراحل تنتهي به إلى الذوق الذي يدرك الدقائق ويحس بالعزوق ووجوه الكلام وأسراره  .

أما أسامة بن منقذ (ت584هـ) فقد وازن بين اللفظ والمعنى ولم يؤثر احدهما على الآخر, وإنما جعل اللفظ مكملاً للمعنى ، فمدار الأمر عند أسامة هو أن اللفظ الجميل ينبغي أن يكون على قدر المعنى ولهذا اختلفت رؤيته لأبيات الشاعر:

 

ولما قضينا من منى  كلّ حاجة
     

 

ومسّح بالأركان من هو ماسحُ
 

 

 

عن رؤية ابن قتيبة فقد أحسّ أسامة إن في الأبيات " طلاوة وحلاوة " وقد عقب عليها بقوله:" ولا خلاف في أن المعنى ضائع في اللفظ , لأنه بمعنى لما حججنا رجعنا وتحدثنا في الطريق لكن عليه حلاوة وطلاوة ".

 فابن قتيبة لم يلتفت إلى التجاوز الذي حدث في هذه الأبيات : ولما قضينا من منى كل حاجة.... لأنها لم تقدم المعنى الذي يريده ، ولكن ابن منقذ أعجب بها من خلال السياق الشعري الذي ورد فيه المعنى , إذ أنتج هذا السياق علاقات جديدة - في نظر ابن قتيبة لا معنى لها - وهذه هي الحلاوة والطلاوة التي استشعر بها ولم يشعر بها ابن قتيبة .

أما حازم القرطاجني (ت684هـ) فقد اشترط إيراد اللفظ المستعذب في الشعر, وما لم يكن حوشياً ولا عاميا  , على الرغم من اضطرار الشاعر إلى ذلك أحيانا , ويوصي باجتناب الألفاظ القبيحة في الشعر, وبخاصة إذا لم تكن في موضعها من المعنى والغرض.

ولهذا فان حازما لا ينظر إلى الألفاظ منفصلة عن المعاني والأغراض بل هو يدعو إلى:

" التوافق بين الألفاظ والمعاني والأغراض من جهة ما يكون بعضها في موضعه من الكلام متعلقا ومقترنا بما يجانسه ويناسبه ويلائمه من ذلك " لأن المعنى الذي يقصده الشاعر قد يتعذر فهمه إذا كان اللفظ حوشيا أو غريبا أو مشتركا. فحازم لم ينظر إلى اللفظ منفصلا عن المعنى ولا إلى المعنى منفصلا عن اللفظ , بل كانت نظرته المزج بينهما في تركيب واحد , وجعل تذوق الأدب مرهونا بهذا التركيب ، أي أن حازما القرطاجني يعرف جيدا أن العلاقة بين اللفظ والمعنى وثيقة والأديب يتأثر بروح اللغة التي يكتب فيها وتراثها على مدى الأجيال , ولا سبيل له إلى الإنشاء والنظم فيها حتى يختلط بروحها, أو تمتزج أفكاره بالمفردات والأساليب التي تهيئها له اللغة , والأديب الماهر هو الذي يختار من المفردات تلك التي تنهض بأفكاره ومشاعره في أوجز لفظ , واحكمه وأوضحه بيانا, بما تمتاز به تلك المفردات من أجواء من المعاني رحيبة تجمعت حولها , على مرور الأجيال وتوالي الاستعمال .

لقد كان هذا المقياس من أهم المقاييس التي بنى عليها نقادنا القدامى قسما كبيرا من نقدهم, وهو نابع من إدراكهم تفاوت الألفاظ في التعبير عن المعاني وان تقاربت في الحيّز الدلالي, فالكلام عندهم يوصف بالبلاغة إذا بني على ملائمة لفظه معناه حتى يدل بعضه على بعض فهو بذلك يحقق الغاية التي يهدف إليها الأديب من التأثير والاستمتاع.

مراجع المقالة 

 - الأداء البياني في السر القصار ، عقيل الخاقاني ، 7- 14

- تطور البحث الدلالي : الصغير ، 35 -50

- المعنى في النقد العري القديم ، حسين لفتة ، 7 - 30

 

فرح الفاضلي 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق