]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الغباء السياسى . . . سمة الحكام العرب وقت الأزمات ! !

بواسطة: د. وحيد الفخرانى  |  بتاريخ: 2012-11-20 ، الوقت: 00:27:17
  • تقييم المقالة:

الغباء السياسى . . . سمة الحكام العرب وقت الأزمات  ! !

------------------------------------------------------

قال الله تعالى فى كتابه العزيز: " . . . . . وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحَرث . . . . . ففهمناها سليمان . . . . . . " صدق الله العظيم . . . فقد أنعم الله سبحانه على سليمان عليه السلام رغم صغر سنه ،  بنعمة الفهم والذكاء التى لم ينعم بها على أبيه داود عليه السلام ، وكلاهما كان نبياً ورسولاً من عند الله .

إن الفهم والذكاء هما نعمة من الله سبحانه وتعالى ، أنعم بها على البعض من عباده ، الذين رضى عنهم وإختصهم وحدهم بعقول نابهة ومُستنيرة ، تقدر على التمييز والتحليل والإستنتاج والتوقع وإستشراف المستقبل ، القريب كان أم البعيد .

والذكاء ( ذكاء العقل ) . . ليس نوعاً واحداً فقط ، وإنما هو أنواع متعددة ، حسب مجال إعمال العقل وإحسان الفهم والذكاء ، فهناك الذكاء العلمى الذى يحتاج إليه طالب العلم ، كى يُحسن تلقى العلم والإستفادة منه . . وهناك الذكاء الإجتماعى الذى يُمّكن المرء من التعامل بلباقة مع غيره من الناس ، والتعايش الحسن وسط مجتمعه المكون من الكبير والصغير ، والرجال والنساء ، ومن صنوف شتى من البشر . . وهناك الذكاء الفنى الإبداعى  ، والذكاء التجارى الإقتصادى ، وغير ذلك من ألوان الذكاء المتعددة .

وما يهمنا فى هذا المقام ، هو الذكاء السياسى وحده ، ذلك النوع من الذكاء الذى يتمتع به قليلون ممن يعملون فى حقل السياسة ، التى هى فن الممكن وليست فن المستحيل ، أولئك الذين يختلطون بالناس من أجل حل مشكلاتهم المصيرية ، ويتقدمون الصفوف لحمل راية العمل السياسى العام ، وكلما إعتلى أحدهم درجة فى سُلم السياسة ، وبرزت صورته فى المشهد السياسى ، كلما أصبح ذكاؤه السياسى أمراً ضرورياً وهاماً ، لتسيير شئون البلاد والعباد .

والتاريخ الإنسانى ملئ بالعديد والعديد من الزعماء والقادة ، الذين شهد لهم العالم بأسره بالفطنة والذكاء ، وحُسن التصرف وسرعته ، فى تدبير الأمور والخروج من الأزمات والشدائد التى واجهت الأمم والشعوب . . أما عن مصر ، فإن التاريخ المصرى الحديث ، شهد بذلك النوع من الذكاء – الذكاء السياسى – للعديد من زعماء مصر وقادتها ، ويأتى على رأسهم محمد على باشا ، باعث نهضة مصر الحديثة ، والزعيم سعد باشا زغلول ، زعيم الأمة المصرية إبان الإحتلال البريطانى لمصر ، والزعيم مصطفى كامل ، الذى كان شاباً وطنياً نابهاً  ، مشهوداً له بالذكاء والفطنة ، وهو مؤسس الحزب الوطنى الديمقراطى القديم . . ثم كانت ثورة يوليو 1952التى برز من بين قادتها وضباطها ، إثنان شهد لهما جميع المصريين ، بالذكاء السياسى والفطنة والدهاء ، فى إدارة شئون مصر وقضاياها . . إنهما الزعيمان الخالدان / جمال عبد الناصر وأنورالسادات رحمهما الله ، بقدر عطائهما لمصر وشعبها ، فقد سجل التاريخ لكليهما العديد من المواقف والآراء ، والفطنة والذكاء فى الخروج من الأزمات .

إن جميع المصريين . . يعلمون جيداً كيف تصرف الزعيم الخالد / جمال عبد الناصر ، وقت أن وقع العدوان الثلاثى الغاشم على مصر عام 1956 ، بإتفاق ثلاث دول إستعمارية ، هى إنجلترا وفرنسا ومعهما إسرائيل ، وكيف إستطاع عبد الناصر بذكائه السياسى الحاد وفطنته اللامعة ، أن يحول الهزيمة العسكرية إلى نصر سياسى كبير ، وما كان لأحد غيره أن يفعل مثلما فعل هو . . . أما السادات – رحمه الله – فقد كان زعيماً وقائداً مُحنكاً ، ذو بصيرة نافذة وذكاء فطرى ، يُغلفه مكر ودهاء وخداع ، وإستطاع السادات بذكائه ودهائه ، أن يخدع اليهود الصهاينة قتلة الأنبياء ، ومُراوغى سيدنا موسى عليه السلام ، وأن يُرسخ فى يقينهم أن مصر قد إنتهى أمرها ، وأنها صارت جثة هامدة لا تقوى على محاربتهم ، أو الدخول معهم فى مواجهة عسكرية ، بعد الهزيمة النكراء والشنعاء ، والنكسة الحقيقية فى 5 يونيو 1967 . . وقد ساهم هذا الذكاء وذاك المكر والدهاء ، فى إحداث نصر عسكرى مفاجئ ومروع ، على العدو الصهيونى فى أكتوبر 1973 ، رغم تفوق الجيش الإسرائيلى فى العتاد والسلاح ، والقدرات والإمكانيات ، ولكن السادات بذكائه السياسى الحاد ، أدرك أن شجاعة وبسالة الجندى المصرى ، سوف تعوض فارق التسليح والعتاد ، وراهن السادات على ذلك ، وكان له ما أراد ، وتحقق على يديه نصر أكتوبر العظيم . . . وبعد النصر العسكرى المحدود  ، أيقن السادات ببصيرته النافذة ورؤيته المستقبلية للأمور ، أن السير فى طريق السلام هو الطريق الأصوب لإسترداد باقى سيناء الحبيبة ، وتحريرها من يد الغاصب والمستعمر الإسرائيلى ، وكان له أيضاً ما أراد .

ثم كانت أحداث 18 ، 19 يناير 1977 ، التى ثار فيها بعض من جماهير الشعب المصرى ، بتحريض من القوى الشيوعية آنذاك ، ضد قرار الحكومة بزيادة أسعار بعض السلع الضرورية ، وإنطلقت أحداث الشغب والفوضى ، فى عدة أماكن فى القاهرة وحدها ، وعلى الفور أيقن الرجل بحسه السياسى المشهود له به ، وبذكائه الفطرى المعروف عنه ، وبحنكته وخبرته وحُسن تصرفه ، أيقن حقيقة الأمور ، ولم يترك للزمام الفرصة كى يفلت من بين يديه ، فقرر سريعاً التراجع عن قرارته فى هذا الشأن ، ليحمى البلاد من الفتنة ويسكب الماء على النار ، فكان له ما أراد ، وهدات الأمور ، وعادت الحياة إلى طبيعتها .

أما اليوم . . . فإننا نرى حفنة من الحكام العرب ، لم يهبهم الله نعمة الذكاء السياسى ، ولا الفطنة ولا الحنكة ، وإنما إبتلاهم بنقمة الغباء السياسى ، وقصر النظر ومحدودية الرؤية المستقبلية للأمور ، فثارت ضدهم الجماهير فى البلدان المختلفة ، من أجل إصلاحات جذرية وضرورية فى أحوالهم المعيشية ، وفى حرياتهم العامة والخاصة . . رأينا هتافات الجماهير ومطالبها فى بلدان الثورات العربية كلها ، تدور فى فلك واحد ، وحول محور واحد ، وترمى إلى أهداف ثلاثة ثابتة ( عيش – حرية – عدالة إجتماعية ) . . إنها الحدود الدنيا من حقوق الشعوب تجاه حكامهم الأغبياء ، عديمى الفطنة والذكاء ، من سكنوا قصور الرئاسة ، وإحتلوا كراسى الحكم والسلطان ، ثم داسوا على الشعوب بنعالهم ، إكتنزوا لأنفسهم ولذويهم ولبلاطهم وحاشياتهم كل الثروات ، وما تركوا لشعوبهم إلا الفتات .

إنهم حكام أغبياء . . ذات الأحداث وقعت فى تونس ، ثم تكررت فى مصر ، ثم تكررت فى اليمن ، ثم تكررت فى ليبيا ، ثم هى الآن فى سوريا . . ذات الشعوب المقهورة المنهوبة والمسروقة ، ونفس المطالب بالإصلاح ، التى بدأت بمظاهرات سلمية ، وإنتهت بثورات شعبية ، أطاحت بحكام أغبياء ، لا يعرفون إلا الحلول القمعية الأمنية ، ولا يفقهون شيئاً فى سياسة الشعوب وكيفية مواجهة غضباتها العارمة . . واجه الحكام الأغبياء ، المظاهرات السلمية بالقمع والضرب والقتل ، والزج فى السجون والمعتقلات ، وكانوا جميعاً يتصرفون بأسلوب واحد قمعى ، وبفكر واحد ديكتاتورى ، وعقل واحد فى منتهى الغباء .

فى تونس الشقيقة . . خرجت المظاهرات ترفع مطالب إصلاحية ، واجههم بن على ، الحاكم التونسى الطاغية ، بعساكره وجنوده ، قتل منهم من قتل وجرح من جرح ، وما إستجاب لمطالبهم ، حتى عمت المظاهرات كل شوارع تونس ، وأفلت الزمام ، وتحولت المظاهرات إلى ثورة شعبية عارمة . . حينئذ فقط ، وقف بن على ، ليخاطب التونسيين بعد فوات الأوان ، قائلاً لهم : " لقد فهمتكم وفهمت مطالبكم المشروعة ، وسوف أعمل . . . .وسوف أعمل . . . وسوف أعمل . . . ، ولكن كان الأوان قد فات ، وهرب بن على مثل الفأر خارج البلاد ، حاملاً معه المليارات من أموال الشعب التونسى ، بعد 23 يوماً فقط من المظاهرات ، ونجحت الثورة التونسية ، ونجح الثوار .

وفى مصر . . تكرر ذات الغباء السياسى ، وشاهدنا مرة أخرى ذات التبلد ، وعدم الإكتراث وعدم الإهتمام ، فمع بداية المظاهرات فى ميدان التحرير ، يوم الخامس والعشرين من يناير ، أعلن المتظاهرون أن مسيرتهم سلمية سلمية ، وأن مطالبهم إصلاحية ( عيش – حرية – عدالة إجتماعية ) ، فخرج عليهم الطاغوت والطاغية حسنى مبارك – مثلما فعل بن على تماماً – بوزير داخليته المجرم السفاح وعساكره وجنوده ، وأشبعوهم ضرباً وتنكيلاً فى المساء ، ولم يلق مبارك الطاغية لطلباتهم بالاً ، وظن أنه قادر عليهم بطغيانه وقمعه ، وخيل له غباؤه السياسى وقصر نظره وإنعدام رؤيته المستقبلية ، أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد مؤامرة أجنبية من أطراف لها أجندة خارجية .

إزدات أعداد المتظاهرين المصريين ، وزاد إصرارهم على تلبية مطالبهم الإصلاحية ، فى اليوم الثانى ثم الثالث ، حتى بلغت ذروتها فى اليوم الرابع ( جمعة الغضب 28 يناير ) . . تحولت خلالها المظاهرات إلى ثورة شعبية ، عمت كل ميادين وشوارع البلاد ، وشارك فيها المصريون من كل الفئات ، وسقطت الشرطة المصرية ، ونزل الجيش المصرى إلى الميادين للحفاظ على المنشآت العامة ، وإلتحم الجيش بالشعب ، وأفلت الزمام من يد مبارك الطاغية ، بعد أن تخلى عنه أبناء الجيش المصرى المصريون ، فإضطر إلى ترك حكم مصر مُجبراً ومُكرهاً ، بعد ثمانية عشر يوماً فقط من المظاهرات المستمرة ، وها هو اليوم سجين خلف القضبان يلقى بعضاً – وليس كل – من جزاء ما إقترفته يداه .

ذات الأحداث ، وذات السيناريو والحوار ، وذات المظاهرات ، خرجت بعد ذلك فى اليمن ضد بن صالح ، وفى ليبيا ضد القذافى راعى الإرهابي ، وأخيراً فى سوريا ضد ذلك البشار السفاح . . . وللعجب العُجاب ، أننا نرى ذات الحكام ، يواجهون ذات المظاهرات السلمية ، بذات الأساليب القمعية الأمنية ، وبذات الغباء السياسى ، الذى يؤجج المظاهرات ، ويحيلها إلى ثورات شعبية عارمة ، تطيح بأولئك الحكام الأغبياء .

إن الذكاء السياسى . . لهو نعمة كبرى من الله – سبحانه وتعالى – ينعم بها على من أحب من عباده ، من القادة والزعماء . . أما الغباء السياسى ، فهو لا شك نقمة ، إبتلى الله بها حكامنا العرب ، الطغاه البلهاء الأغبياء . . كان فى مقدور كل منهم ، أن يسكب الماء على النار، كى يقى البلاد شر الحريق والدمار ، مثلما فعل السادات رحمه الله ، ومثلما فعل عاهل المملكة العربية السعودية الملك عبد الله . . ولكنهم ما فعلوا ذلك ، لأن الله حرمهم من نعمة الذكاء ، وإبتلاهم بدلاً منها بنعمة الغباء . . . ولكن فى هذه المرة ، كان غباؤهم سياسياً . . رحم الله عبد الناصر والسادات . . أما مبارك . . . . . . . . . . . . . . . ! ! ! !                 وإلى مقال آخر إن شاء الله .        


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق