]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عبد الكريم الخطابي بطل القرن العشرين .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-11-19 ، الوقت: 15:15:09
  • تقييم المقالة:

 

 

 

لَعلَّها ميزةٌ لنا وامتيازٌ ، نحن أبناء المغرب العربي ، أننا اطلعنا على كل قضية كانت في القرن العشرين ، وعرفنا أكثر من عَلَمٍ شارك في صُنْعِ الأحداث الكبرى والصغرى ، وقرأنا التواريخ والسِّيَرَ والمسيرات ، ولم نقتصر في فصول المعرفة ، وأبواب البحث والدرس على شؤوننا المحلية ، وقضايانا الوطنية ، ومشاكلنا الداخلية فقط .. ولم نَسْتَهِنْ في ميزان التقييم والتقدير بأيِّ زعيم ، أو ثائر ، أو حاكمٍ ، أو مصلحٍ ، أو داعية ، أو مفكر ، أو إمامٍ ... ظهر في ساحات العالم العربي ، سواء في المشرق أو المغرب ، بل انتبهنا ، وأَلْمَمْنا ببعضٍ أو كُلٍّ من مسارهم ومصيرهم ، وربما كُنَّا عَوْناً وسنداً لهم ، وشاركنا إنجازاتهم بقليل أو كثير ، وكنا جنوداً متطوعين في بعض المناطق ، أو كنا محسنين متبرعين لبعض الجهات ، أو كنا تلاميذ مقتدين لبعض الرموز ... في حين أن إخوتنا الشرقيين لا يعرفون أعلامنا كثيراً ، ولا يشيرون إلى مشاهيرنا في كتبهم ودراساتهم ، ولا يُلْفِتون أجيالهم إلى وجودهم وذكراهم ، ولا يستحضرونهم للحقيقة والتاريخ ، وفي أغلب الميادين والحقول ... بينما نحن نحفظ أسماءً عديدة لرجالهم ونسائهم ، ونُحيطُ عِلْماً بتواريخهم وسيرهم ، فنذكر مثلا : جمال الدين الأفغاني ، محمد عبده ، عبد الرحمن الكواكبي ، شكيب أرسلان ، أحمد عرابي ، سعد زغلول ، حسن البنا ، جمال عبد الناصر ، وغيرهم .

ولا أدلَّ على ذلك من شخصية عبد الكريم الخطابي ، الذي يعتبر من أبرز الشخصيات السياسية في القرن العشرين ، والذي فَجَّرَ ثورةً من أهم الثورات في العالم الإسلامي ، حيث كانت ناراً موقدة على الاستعمار الغربي في إفريقيا وآسيا ، ولعب دَوْراً مَثَّلَ تحولاً كبيراً في طريق التحرير العربي من الاستعمار والإمبريالية العالمية ... ومع ذلك لا يجري الحديث عنه ، والتطرق إلى حياته وجهاده ، ولا يُشارُ إليه عند دراسة أحداث القرن ، والوقوف إلى ثورته التي كانت حديث العالم بأسره يومئذ !!

لذا ارتأيتُ أن أكتب عنه هذه السطور ، وأهديها أولاً إلى إخوتنا الشرقيين في الحاضر ، وإلى أبنائهم في المستقبل ، وثانياً كنوعٍ من الذكرى لكل الأجيال العربية .

في عام 1921 ، ظهر في منطقة الريف ، الأمير محمد عبد الكريم الخطابي ، المشهور بزعيم ثورة الريف ، ومؤسس جمهورية الريف في المغرب .

والريف لِمَنْ لا يَعْلَمُ هي سلسلة جبال توجد في شمال المغرب الأقصى ، وهي تتكون من السكان الأصليين للمغرب ، الذين يحتفظون بلهجاتهم ، التي يتواصلون بها فيما بينهم منذ القدم ، وقبل انتشار الإسلام في شمال إفريقيا ، وهم شُقْرُ ولهم عيون زرقاء ، وبشرتهم بيضاء ، أصحاب ذكاء ورقَّةٍ ، اشتغلوا قديماً بالزراعة والصيد ، ويعتبرون مقاتلين مُسْتَبْسِلين ، يضيقون بالسلطة عموماً ، غير سلطة من انتخبوه ، ووافقوا على أن يمثلهم . حتى الإسلام لم يعتنقوه بالقوة ، بل بالرضا والإقناع .

ومنذ هذا العام ظل عبد الكريم الخطابي يقاتل الإسبانيين والفرنسيين ، حتى سقط في الأَسْرِ عام 1926 ، ونفي إلى خارج المغرب ، حيث استقر في القاهرة ، ليواصل نضاله ، فَشكَّلَ بها لجنة المغرب العربي ، للمطالبة باستقلال بلاد المغرب العربي ، ومتابعة كفاحها .

وعبد الكريم الخطابي (1963/1882) ، هو عالِمُ دينٍ إسلامي ، خريج جامعة القرويين الإسلامية في المغرب ، تشَبَّعَ بالفقه الإسلامي والحديث النبوي ، عمل مُعلِّماً ، وقاضياً ، ثم قاضي القضاة في مدينة مليلية المحتلة  . ولقد فجر الثورة بمنطقة الريف على الإسبانيين ، وحقق العديد من الانتصارات عليهم ، وخاصة في موقعة ( أنوال ) ؛ حيث أبادت قوات الأمير الحملة الإسبانية بأسرها ، بما فيها قائدها الإسباني ( سلفستري ) ، الذي كان مغتراً بالقوة والعتاد ، وبانتصاراته السابقة في جبهات أخرى .

ولم يقف تأثير حرب التحرير الريفية عند المغرب وحده ؛ بل إنه تجاوزه إلى جميع العالم الإسلامي ، بل وجميع البلاد المستعمرة (1) .

ولا غَرْوَ فإن الأمير انطلق من دوافع جهادية إسلامية ، بعد أن آمن بأسلوب الكفاح المسلح ، ومُشارَكةٍ أَوْسعَ للجماهير في الثورة ؛ وقد شاركته جماهير الريف في القتال ، وانخرطت معه في الجهاد ضد الإسبانيين ، وحاصرت جميع المراكز الإسبانية في المنطقة .

كما استخدم جمهورية الريف ، التي شَكَّلَها للضغط على القوات الفرنسية ، وتحريض القبائل على التمرد والعصيان ، في منطقة النفوذ الفرنسي .. « ومع ذلك فقد تحدث عبد الكريم الخطابي في كتابات وتصريحات كثيرة له ، وخاصة في الرسائل التي كان يبعث بها إلى قادة المقاومة الشعبية ، في المناطق المغربية الأخرى ، عن الأمة المغربية ، وعن الشعب المغربي ، ولم يكن حَصْرُ مطامحه ، على الصعيد الرسمي ، في إنشاء دولة تقتصر على المنطقة الشمالية ، إلا تعبيراً عن إستراتيجية حكيمة ، وواقعية ، ومتوسطة المدى ، كانت تفرضها مقتضيات توازن القوى » (2) .

وقد أوقع بالفرنسيين خسائر فادحة ...

وكان الأمير يؤمن بالشورى ، وإقامة نظام جمهورية الريف ، على النظام الرئاسي الجمهوري ؛ فقد كان الخطابي مقتدياً بنظام الخلافة على عهد الخلفاء الراشدين ومبدأ الشورى (3) .

وأسس إدارة منظمة للمناطق المحررة ، وأَلَّفَ مجلساً من رؤساء القبائل ، التي سلمت له بالزعامة ، وجعل الوزراء مسئولين أمام هذا المجلس . « ولم يكن يتسنى لعبد الكريم أن يتكلم باسم السلطان ، أو أن يتخذ القرارات ، لذلك فَضَّلَ ، نظرا للظروف ، أن يؤسس جمهورية ، ويتخذ على عاتقه ما يصدر عنه من أفعال ، حتى يأتي ذلك اليوم ، حيث يصبح المغرب حُرّاً ، فيعيد السلطة لأصحابها الشرعيين . فهناك إذن مزيج دقيق بين كلمة جمهورية بمفهومها الإداري الحديث ، والمفهوم التقليدي الشائع الذي تحمله الإمارة » (4) .

وهو بهذا قدم اجتهادا إسلامياً متقدماً ، في هذا الصدد ، في ذلك الوقت . وقد أعلن الخطابي أن أهداف حكومته هي طرد الإسبانيين والفرنسيين من المغرب ، وتحرير باقي بلاد المغرب العربي ، وشمال إفريقيا بأسره ؛ إذ كان يتطلع إلى حركة تحرر إسلامية شاملة ، في كل أنحاء العالم الإسلامي ، ضد السيطرة الأوروبية . فقد كتب ليوطي إلى دولته في شهر أكتوبر سنة 1924 ، يذكر أن العالم الإسلامي بأكمله يرقب الحرب الدائرة رحاها ، في منطقة الحماية الإسبانية ، بكل اهتمام . وأن الثورة الريفية تهدد نفوذ كل الدول الأوروبية ذات المصالح الاستعمارية ، في البلاد الإسلامية ، وهي تهدد فرنسا في شمال إفريقيا بأكملها ، وتهدد بريطانيا في ممتلكاتها الإسلامية ، وحتى في الهند (5) .

ولأن جمهورية الريف توافر لها قائد كفؤ ، يمتلك الشجاعة ، والذكاء ، وسعة الأفق السياسي والعسكري ، ومقاتلين شجعان ، آمنوا بضرورة الجهاد والنضال ، وحتمية الكفاح والقتال ، فقد صمدت سنة كاملة (1926/1925) ، أمام دولتين أوروبيتين ، لهما وزنهما السياسي ، وثقلهما العسكري ، في التاريخ . ويكفي فخراً وافتخاراً أن الأمير واجه ثلاثة من كبار الماريشالات ، وأربعين جنرالا ، ومئات الألوف من القوات الإسبانية والفرنسية ، وبل مرتزقة أميركية ، وكذلك واجه القوات البرية والبحرية والطيران ... ولقد ابتكر عبد الكريم الخطابي العديد من التكتيكات الحربية ، التي استفاد منها كل من الجنرال جياب في حرب فيتنام ، ضد القوات الأميركية ، وكذا الثائر جيفارا في أميركا الجنوبية .

فقد نجحت ثورة التحرير الريفية في القضاء على روح اليأس لدى بقية الأمم المستعمرة ، وإقناعها بأن في إمكانها أن تتحرر بوسائلها الخاصة ، عن طريق التضحية والمقاومة والاعتماد على حرب العصابات ، وقد استحدث المجاهدون الريفيون ، في هذا الميدان ، بفطرتهم السليمة ، وذكائهم الحاد ، أساليب ما تزال موضع عناية المختصين في هذا الموضوع (6) .

« ولئن كان العدو قد بالغ في الاستعداد ، وحشد الأجناد ، وتزويدهم بالعتاد الحربي الحديث ، فإن هؤلاء المعتدى عليهم ليس معهم إلا بعض البنادق ، والذخيرة القليلة ، والمفرقعات البدائية المصنوعة بأيديهم ، إلا أن إيمانهم أقوى من الحديد والنار ، وأرسخ من الجبال ، وأثبت من الحصون الشاهقة ، وسيظهر الواقع أي الجانبين ستكون له الغلبة ؛ المادة المتعجرفة أم الإيمان المتأجج ؟ » (7) .

مما يدل على أن عبد الكريم الخطابي كان نموذجاً فريداً في وجه الإمبريالية العالمية ، وصفحة مُشْرِقَةً من مقاومة أهل الريف ، وصورة مُشَرِّفَةً للأمة المغربية ، التي ضحى من أجلها بكل شيء ، ووهبها من الأمجاد ما لم تطمح في مثيله أمة من الأمم .

و « إذا نظر الناس بعين الإنصاف يجدونه بطل العصر الحاضر بين جميع الأمم ، لا بين المسلمين وحدهم » (8) .

ـــــــــــــــــ  

(1) محمد إبراهيم الكتاني .

(2) عبد الرحمن اليوسفي .

(3) عبد الرحمن اليوسفي .

(4) عبد الله العروي .

(5) محمد إبراهيم الكتاني .

(6) محمد إبراهيم الكتاني .

(7) عبد الله كنون .

(8) شكيب أرسلان .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق