]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التبعيض في الدين

بواسطة: عبد الله المؤدب البدروشي  |  بتاريخ: 2012-11-19 ، الوقت: 07:49:32
  • تقييم المقالة:

                                                     التبعيض في الدين

المسلم في الإسلام ..هو من أسلم وجهه لله.. فرضي بالله ربا ..واتخذ الإسلام ديناً، وجعل القرآن إماماً، واقتدى بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.

 فأطاع خالقه في كل أمر.. لأن الإسلام عند المسلم عقيدة.. والعقيدة  هي عقد الإيمان  مع  الله.. وهو عقد قدسي..يلتزم فيه المؤمن بتنفيذ حكم الله.. فإذا هو في عبادة صافية ..موصولة بالله.. و شاملة لكل مناهج الحياة .. هذا هو ديننا.. وهكذا يكون إسلامنا.. وهكذا يريدنا ربنا..يقول خالقنا جل جلاله.. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.. آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء : 136] أبرموا عقد الإيمان مع الله.. كونوا عبادا لله .. اعتصموا بحبل الله وبدين الله .. فما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالحق .. وهو الدين القيم ..  ونحن شئنا أم أبينا مأمورون بالإتباع.. يقول ربنا عز وجل.. وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ.. وَاتَّقُوا.. لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام : 155]

 في حجة الوداع ..وفي عشية الجمعة ..و رسول الله ص..عند جبل عرفات .. في يوم الوقفة..نزل أمين وحي السماء..جبريل عليه السلام.. بقول ربنا و خالقنا..جل جلاله.. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.. فديننا كامل.. والذي أكمله هو الله.. والذي أتم علينا النعمة هو الله .. و تمام النعمة في اعتماد الدين حكما في عباداتنا و معاملاتنا..والذي ارتضى لنا الإسلام دينا قيما هو الله.. و هو  اللطيف بعباده ..العليم بما ينفعنا ..أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير.. فالواجب على كل مسلم.. أن يكون في طاعة مطلقة لله .. ولا يجو ز له التبعيض في الدين..وهو الأخذ ببعض الدين و ترك بعضه الآخر....فيتنازل الإنسان عن أمر من أوامر الله ..ويعمل بأمر آخر.. كأن يطبق أمر الله في الصوم  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ..و لا يطبق أمره في قوله تعالى.. وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ.. فتراه يصوم و لا يصلي..والله جل جلاله جعل لنا دينا يؤثر في الزمان..ولا يؤثر فيه الزمان.. دينا يهدي للتي هي أحسن..وأمرنا بقوله تبارك و تعالىيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً..أي ادخلوا في الإِسلام  كله..والتزموا بكل تعاليمه ،ونفذوا جميع أحكامه وآدابه ، واعملوا بكل أوامره ونواهيه ، فالإسلام كل لا يتجزأ..والأخذ ببعض الدين..يقود صاحبه إلى الوقوع في المعاصي..وينتج عن ذلك استصغار المعصية.. و الاستهانة بها ..والغفلة عن عقاب الله..

وفي زماننا.. من الناس من يعيش على التبعيض.. فهو يصلي و يصوم.. ويؤدي الفرائض.. ومع ذلك.. لا يحفظ لسانه..يحلو له الحديث في كل شيء.. حتى يقع في الإشاعة .. ونقل الأخبار الغير متأكد منها.. ليصل إلى  الغيبة.. وحكم الغيبة  معلوم و معروف من الجميع ..فالله جل جلاله..أمرنا بقوله.. وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا .. ثم أضاف للغيبة.. ما يزداد  به المؤمن بعدا عنها.. و نفورا منها.. فقال تبارك و تعالى أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ.. وجاء في صحيح الإمام مسلم..تفسير رسول الله ص.للغيبة ..فسأل صحابته يوما قائلا.. أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ .. قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.. قَالَذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ .. قال  أحدهم ..أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ.. إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ.. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ.. هذا الحكم في الإسلام لا يخفى عن الناس ..  لكن ..لماذا لا تحلو الكثير من المجالس إلا بالحديث عن الناس.. و الجواب.. لأن المجالس خلت من التذكير بالله .. ولأن القلوب غفلت .. لما غاب عنها وازع الدين.. فانطلقت الألسن بما تشتهيه الأنفس.. من قيل و قال .. و بحث في الأحوال.. والله جل جلاله.. أمرنا بالقول السديد.. فقال تبارك و تعالى.. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا  [الأحزاب : 70] قولا نافعا.. قولا أخويا..قولا جامعا لا منفرا..

      وأمر آخر من حياة المسلمين .. هو خلاص الدين.. ترى المسلم..يصلي و يصوم.. ويخشع..و يلزم المسجد في رمضان.. بين صلاة و تلاوة قرآن.. و لا يهتم كثيرا بخلاص دينه..والوفاء  بالدين في الإسلام ..أمر رباني..  وواجب حتمي ..تتوقف عليه سعادة الإنسان في الدنيا و الآخرة.. و الناس يعلمون عاقبة المتهاون في إرجاع الدين إلى أهله.. و الله جل جلاله  شدد أمره في القرآن المبين..فقال عز و جل..وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.. و رسول الله ص ينادي فينا.. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه.. وهو الذي حذرنا..و حدثنا بشتى الأحاديث عن خطورة الدين..حتى قال يوما..و قوله في صحيح الإمام مسلم..يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلاَّ الدَّيْنَ.. وعند الإمام أحمد.. تشديد في الدين ..فاقسم رسول الله ص.. لَوْ أَنَّ رَجُلاً قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ ثُمَّ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَقْضِىَ دَيْنَهُ.. وكان ص لا يصلي على المدين.. إن علم على الميت دينا قال صلوا على صاحبكم ..والمسلم يعلم أن الدين حق يجب عليه خلاصه..ومع ذلك..يشتكي الدائنون من تعامل المدينين.. ويتهرب من عليه دين..و يتناسى.. ويحسب الأمر هينا.. وهو عند الله عظيم.. فليبادر من عليه دين بتقسيط دينه.. وبمرور الأيام يقضيه.. و له من رسول الله صلى الله عليه وسلم البشارة.. فقد صح عنه قوله.. ما من عبد ..كانت له نية في أداء دينه .. إلا كان له من الله عون..

وأمر آخر خطير.. أمر الشركة بين المسلمين.. فالشراكة في الإسلام ..عهد مقدس .. وعقد أمر الله بالوفاء به..فقال جل جلاله.. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .. و حث عباده المؤمنين على حسن التعامل فيما اشتركوا فيه..فجعل ذاته العلية حاضرة بين الشريكين.. جاء في المستدرك على الصحيحين.. قول الله في حديثه القدسي..  أنا ثالث الشريكين ما لم يَخُنْ أحدهما صاحبه .. فإذا خَانَهُ خرجت من بينهما .. فتكون الشركة في بركة من الله.. يأتيها ربحها من كل صوب .. حتى إذا غدر أحدهما بصاحبه.. غاب عنها  الحلال و حل  فيها الحرام .. وفقدت بركة الله.. قد يتساهل المسلم..في أمر الشركة..فيكون حد أرضه مشتركا مع أرض جاره .. فيضيف إليه شيئا من تراب جاره.. و لا يرى في ذلك بأسا .. يراه هينا.. بل يراه أمرا تعود عليه.. وهو عند الله عظيم.. وهو عند الله اعتداء..وهو الغلول .. جاء في المسند للإمام أحمد ..قول حبيبنا ص أَعْظَمُ الْغُلُولُ عِنْدَ اللَّهِ.. ذِرَاعٌ مِنَ الأَرْضِ .. تَجِدُونَ الرَّجُلَيْنِ جَارَيْنِ فِي الأَرْضِ أَوْ فِي الدَّارِ.. فَيَقْتَطِعُ أَحَدُهُمَا مِنْ حَظِّ صَاحِبِهِ ذِرَاعاً .. فَإِذَا اقْتَطَعَهُ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ..يجده أمامه في القبر..يتعذب به..فإذا قامت القيامة حمله على ظهره وزرا على وزر.. ومن الغلول أيضا.. الاستحواذ على ما تنتج الأرض .. قد يشترك المسلم مع المسلم..فيسلم صاحب الأرض أرضه لشريكه.. لخدمتها ..فيستخرج منها خيراتها.. ولا يعطي صاحب الأرض إلا الفتات.. و قد لا يعطيه شيئا.. و ربما سلمه أغناما..فلا يرى منها شيئا.. يأكلها ذئب البشر  ويتهم  بها الذئاب.. أين عهد الله.. أين المروءة ..وأين الإلتزام بما شرع الله.. و بما أمر الله .. أين الأمانة في كل حالاتها.. و على جميع مستوياتها.. و كل ما فينا أمانة..و كل ما حولنا أمانة.. فبدنك أيها المؤمن أمانة.. له حق عليك.. أن تحفظه و ترعاه.. و أسرتك عندك أمانة.. لها حق عليك.. أن  ترتبها على المنهج..وأن تعودها على الحلال.. ما أعظم المرأة في إشراقة الإسلام ..حين كانت تودع زوجها كل صباح قائلة .. اتق الله فينا ولا تطعمنا إلا حلالا؛ فإنا نصبر على الجوع، و لكننا لا نصبر على نار جهنم .. وكل تعامل لك مع الغير أمانة.. تستلزم الصدق والجد.. و أخلاقا عالية..  تحتاج   مودة للغير في القلوب.. وكلاما طيبا على الشفاه..ثم ماذا؟..كل ذلك لتعيش سعيدا بين الناس.. و لا تكون سعيدا.. إلا بطاعة الله.. أن تعبد الله كأنك تراه.. أن يكون الله حاضرا.. تناجيه ..تتوسل إليه.. تستعين بهديه.. تتضرع إليه.. تبكي بحضرته .. سبحان الله.. كم بكي الصالحون و ما بكينا.. رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وهو حبيب الله.. و رضيه و مصطفاه.. يقوم الليل باكيا حتى يبل الثرى من تحت قدميه.. يجلس على شفير قبر يبكي..ويبكي و يبكي.. ثم يلتفت إلى أصحابه و يقول لهم .. يا إخواني، لمثل هذا فأعدوا.. رسول الله ص يبكي خوفا من القبر..و ما بعد القبر.. و ضاع الخوف عندنا في زحمة الحياة..وما بكينا..  الفاروق عمر..رضي الله عنه حمل خطين أسودين على خديه من أثر الدموع .. أين البكاؤون من خشية الله.. أين الناظرون الى الغد.. لظلمة القبر.. للقاء الله ..للمرور فوق النار أين الخاشعون الطائعون.. إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ .. وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ.. وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ  .. وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ .. أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ..لا بد أيها المؤمن أن تكون طاعتك مطلقة لله.. أن تصلي صلاتك أمام الله.. أن تؤثر فيك عبادتك لله..   إن الذي نحتاج إليه اليوم .. هو أن نصل ذواتنا بذات الله.. أن نرى رقابة الله ..أن نشعر بقرب الله.. أن نكون مع الله.. لنكون في حياتنا الدنيا أعزاء.. و نكون في الآخرة من السعداء.. يأمرنا الله بعبادته..فيقول جل جلاله.. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ..فالعبادة  هي انقيادٌ كامل لمنهج الله.. هذا المنهج الذي يحتوي على كل ما يحب الله ويرضاه من الأقوال، والأفعال الظاهرة والباطنة.. فيه جانب تعبدي..يشمل الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج.. وفيه جانب أخلاقي..وهو أن نحب الله ، أن نخشع له ، أن نصبر على حكمه، أن نشكر نعمته، أن نرضي بقضائه، أن نرجو رحمته، و نخشى عذابه، وفي منهج الله أيضا جانب سلوكي.. أن نبث الطمأنينة بنا بين الناس ..أن تطمئن إلينا القلوب..أن كون للخير فاعلين.. وللغير محبين..وأن نكون بين الناس مصلحين.. فإذا اجتمعت العبادة مع تقوى الله..مع عمل الصالحات.. استقمنا على منهج الله.. واستجبنا لأمر ربنا تبارك و تعالى .. اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق