]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بين عامين

بواسطة: عبد الله المؤدب البدروشي  |  بتاريخ: 2012-11-18 ، الوقت: 15:44:24
  • تقييم المقالة:

على مشارف عام مقبل جديد..وعام ماض شهيد....يقف المؤمن وقفة المتأمل.. يتبادر إليه قول الله جل جلاله..يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا [الأعراف : 54] .. هذا التعاقب السريع.. بين الليل و النهار ..دليل على قصر بقاء الإنسان على وجه الأرض.. هذه الشهور التي تجري.. وهذه الأعوام التي تمضي.. إنما هي تسري بأعمارنا..و تقربنا من لحظة انتقالنا..                       

 نسير إلى الآجال في كل لحظة                                                                                                               وأعمارنا تطوى وهــن مراحل                                                                                                                    تذخـّر من الدنيا بـزاد من التقى                                                                                                                  فـعـمـرك  أيــام  وهـن قـلائــل                                                                                                                    يروي الحارث بن مالك الأنصاري رضي الله عنه، وحديثه عند الإمام الطبراني.. أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟.. قال: أصبحتُ مؤمناً حقاً، فقال له :  فما حقيقة إيمانك؟ ، فقال: عزفت نفسي عن الدنيا و شهواتها، فأسهرت ليلي بالقيام، وأظمأت نهاري بالصيام، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة، يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار، يتضاغون فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حارث..عرفت فالزم.. إنها الحقيقة..التي يغفل عنها أكثر أهل الدنيا.. و كل ما حولهم.. يذكـّرهم بها..كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ .. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ[الرحمن : 26،27]..الشمس التي تخرج في الصباح مشرقة.. وتبدو في الضحى مبهجة..تترنح في آخر النهار مصفرة..ثم تغيب .. الهلال الذي يظهر أول الشهر في عنفوان.. يزيد كل ليلة بهجة ..وعند انتصاف الشهر .. يكتمل نوره .. ثم يفقد كل ليلة شيئا من بهائه.. وصدق من خلقه.. فقال جل جلاله..وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ  [يس : 39]..و في آخر الشهر..يأتي الليل بلا قمر..لينتبه المؤمن.. أن رحلة الحياة الدنيا قصيرة.. أورد الإمام مسلم في صحيحه.. قول حبيبنا صلى الله عليه وسلم.. وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ.. إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ.. فَلْيَنْظُرْ بِمَا يَرْجعُ..هذه الدنيا..التي يطول فيه أمل الإنسان .. و يكثر فيها حرصه.. و يجدّ في طلبها.. والسعي لها بكل وسيلة.. و يتساهل فيها عن أمور آخرته..فلا بأس إنشغلته الأعمال عن الصلاة.. و أخر الحج عاما بعد عام.. و لا بأس إن نسي تفقد الوالدين ..و تجاهل تربية الأبناء.. وقد فاته ..أن الذي يغفل عن الآخرة.. يخسر الدنيا..فيعيش فيها تعبا ..و يخسر الآخرة..فلا يجد ما يبلـّغه سعادتها.. يقول الله جل جلاله.. مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ..وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا..وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى : 20]..أيرضى المسلم..أن يكون في الآخرة من غير نصيب.. أترضى يا مؤمن..أن يكون للناس مواكب من نور..و بهجة و فرحة .. و تضيع أنت في أرض المحشر ..أترضى أن تهان و تشقى.. إن كنت في غفلة من هذا.. فقل لعامك هذا لا ترحل .. تمسك بما بقي منه من سويعات.. وقل لشمسك لا تغيب .. فإن لم تستطع..فاعلم أن  وجودك في هذه الدنيا..ليس للدنيا.. الدنيا متاع..يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ  [غافر : 39]الدنيا فانية .. وجودك في هذه الدنيا يا بن آدم.. لتعبد الله.. لتعمل صالحا .. وجودك للطاعة..أن تكون عبدا تقيا.. أن تكون من أهل المساجد..أن تحمل الخير..و تقدم الخير.. وتحب الغير.. والمرجع إلى الله.. و العودة المحتومة إلى الله.. الفاروق عمر.. رضي الله عنه.. كان كثيرا ما يردد.. كل يوم يقولون مات فلان ، ومات فلان ، وسيأتي يوم وسيقولون مات عمر .. ومات عمر .. و الرجوع إلى الله..يقول جل جلاله..إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا.. وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا.. إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ .. وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ[يونس :4]..فيا أيها المؤمن التقي..و يا أيها المسلم الغافل ..و يا أيها المحكوم و يا أيها الحاكم..ويا كل فقير و يا كل غني..و الله الذي لا إله إلا هو.. كل باك سيُبكى، وكل ناعٍ سيُنعى، وكل مذكور سيُنسى، وكل موجود سيَفنى، ليس غيرُ الله يبقى، من علا فالله أعلى..

ولدتـك أمـك يا ابن آدم باكــــــياً                                                                                                                      والناس حولك يضحكون سروراً                                                                                                                 فاعمل لـنفسك أن تكون إذا بـكوا                                                                                                                   في   يوم موتـك ضاحكاً مـسرورا                                                                                                                   هذه الحقيقة .. تتوضح جلية أمام الإنسان .. حين يباغته الموت .. حين تتنزل عليه الملائكة ..حينها يعلم أن الذي جاء به محمد حق.. وأن الجنة حق.. وأن النار حق.. حينها يتمنى لو قضى العمر ساجدا لله.. حينها يتمنى لو لم يعرف الظلم ولم يظلم ..وحينها تكون الحسرة و الندامة..التي لا تفوقها حسرة و لا ندامة..أو تكون البشارة.. التي تستمر بهجتها إلى أن يستقر المؤمن في الجنة.. أهل العبادة و الطاعة ..أهل الإستقامة وفعل الخيرات..  بشرهم رب العزة تبارك و تعالى ببشارة الملائكة.. فقال جل وعلا ..إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ .. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ .. وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ .. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ  [فصلت : 30- 32 ].. ويحمل الإنسان إلى قبره.. لا يحمل من متاع هذه الدنيا شيئا..إلا ما قدمت يداه.. إلا عمله.. فهل من مدكر .. وهل من متذكر..وهل من متأمل.. أورد الإمام أحمد.. في كتابه المسند.. أن الصحابي البراءَ بن عَازِبٍ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذْ بَصُرَ بِجَمَاعَةٍ فَقَالَ « عَلاَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ هَؤُلاَءِ ».قِيلَ عَلَى قَبْرٍ يَحْفِرُونَهُ. قَالَ فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَبَدَرَ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ مُسْرِعاً حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْقَبْرِ فَجَثَا عَلَيْهِ - قَالَ - فَاسْتَقْبَلْتُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ لأَنْظُرَ مَا يصْنَعُ فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى مِنْ دُمُوعِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا قَالَ .. أَيْ إِخْوَانِيلِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ فَأَعِدُّوا...ونحن نشيع موتانا إلى المقابر.. وفي المقابر تلحق بنا الدنيا..و مشاغل الدنيا.. وفي المقابر نمزح.. ونحن الذين دخلناها نمشي على الأقدام.. وننسى أننا يوما سندخلها على الأكتاف..ونحن الذين خرجنا بعد الدفن مسرعين..ونغفل أننا يوما سنكون فيه الباقين.. فلينظر الإنسان إلى عامه الذي قارب على الانقضاء ..هل أعد فيه العدة لذلك اليوم ..وما بعد ذلك اليوم.. هل عاد فيه إلى الله..فعمل بشرع الله.. جل في علاه..واتبع سنة رسول الله.. صلى الله عليه وسلم.. وخشي الله واتقاه.. فإن وجد ذلك..حمد الله.. وعزم على المزيد في عامه القادم ..وإن وجد غير ذلك.. وجد غفلة مع الغافلين..وجد اتباعا لاهيا مع المقلدين ..فليتب إلى الله..وليعلم..أن العام الذي انقضى في طرفة عين.. يقربه من غمضة العين.. والتفاف الساقين.. فأيامنا هذه  ..أيام العبرة.. وأيام اليقظة بعد الغفلة..                  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق