]]>
خواطر :
ظللتنى تحت ظل السيف ترهبنى...حتى استغثتُ بأهل اللهِ والمَدَدِ... ( مقطع من انستنا يا أنيس الروح والجسدِ)...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الدراسات المستقبلية " ضرورة ملحة ام ترف فكري " ؟؟

بواسطة: علي بشار بكر اغوان  |  بتاريخ: 2011-08-17 ، الوقت: 05:16:59
  • تقييم المقالة:

 

الدراسات المستقبلية " ضرورة ملحة ام ترف فكري " ؟؟

 

 

علي بشار بكر اغوان
طالب  ماجستير
جامعة النهرين
كلية العلوم السياسية
قسم  الاستراتيجية

مرحلة الكتابة

 

 

مقدمة :

 

يقول البيرت انشتاين إنني اهتم بالمستقبل لأنني ببساطة سوف اذهب إليه ، على هذا الأساس فأن المستقبل بصورته العامة والمجردة هو من اهتمام الإفراد العاديين ، من خلال سعيهم لتحسين وضعهم دائما نحو الأفضل ، هذا من جانب أما من جانب أخر فأن الدراسات المستقبلية بصورتها العلمية تحظى باهتمام كبير جدا من قبل المختصين و الاكاديمين والمعنيين  خصوصا في عصر التكنولوجيا والمعلوماتية والتطور الهائل الذي يشهده العالم بأسره ، لهذا فقد أعدت هذه الرؤية التحليلية للمستقبل والدراسات المستقبلية ولا اعني إني أتيت بشئ جديد بقدر ما أضفت صوتي الى أصوات الكثيرين من الذين سبقوني في الكتابة لهذا الحقل الأكاديمي ، والغرض من ذلك هو لفت الأذهان لصناع القرار والمسئولين والقائمين على الحكم بضرورة ايلاء اهتمام اكثر بفحوى المستقبل والدراسات المستقبلية والتي من شأنها ان ترتقي بالأداء المجتمعي للدول كافة ، وعلى هذا الأساس فقد تناولت في طرحي هذا النقاط التالية :

 

اولاً : تاريخ الاهتمام بالمستقبل والدراسات المستقبلية

ثانياً : ما هي الدراسات المستقبلية

ثالثاً : اهمية الدراسات المستقبلية

رابعاً : معوقات الدراسات المستقبلية

خامساً : اسهامات الدراسات المستقبلية

سادساً : الدراسات المستقبلية ما بين الضرورة الملحة والترف الفكري

 

 

أولا : تاريخ الاهتمام بالمستقبل والدراسات المستقبلية

 

منذ ان نشأ الإنسان عرف الخوف وعرف التحدي لهذا الخوف ، فقد استطاع الإنسان القديم ان يستخدم عقله وراح يعمل جاهدا على الانتصار على قوى الطبيعة وجميع مؤثراتها البيئة وذلك من خلال ملاحظته للحيوانات التي كانت تعمل طوال فترة الصيف لغرض خزن غذائها في فترة الشتاء  ، مما يعني ان الإنسان قد بدء يفكر بالمستقبل منذ نشأته وذلك لتأمين بقائه وتأمين غذائه ومأواه ، وبعد ذلك انتقل الإنسان القديم إلى مرحلة أخرى من مراحل ترقب المستقبل وهي مرحلة الزراعة وانتظار الإمطار ، حيث كان الإنسان القديم سابقاً يمارس بعض التقوس التي تعتمد على مراقبة مواقع النجوم والضرب في الرمال والسحر والشعوذة وقراءة الطالع  لكي يستطيع ان يسخر المستقبل لصالحه عبر قيامه ببعض النشاطات الدينية التي تأمن له الراحة النفسية والتطلع لمعرفة المستقبل .

 

ومن ثم تطورت كثيرا هذه الأنواع من الممارسات وتحولت إلى أساليب أخرى غير الأساليب القديمة من خلال ما حدث من تطورات وثورة صناعية كبيرة أدت إلى قيام نهضة فكرية واسعة النطاق ، وحقيقة الأمر أن إقبال المفكرين والمؤرخين على دراسة التاريخ كان يحمل دوما الرغبة الخفية فى محاولة استشفاف المستقبل ، ولم ينفرد العلماء أو الفلاسفة والمؤرخون بالعمل على الاقتراب من خفايا المستقبل بهدف الكشف عن إرهاصاتها وتكوين رؤية معينة لهذا المستقبل ، بل كان للشعراء والأدباء دور خاص فى هذا المضمار، ويكفى للتدليل على ذلك أن نشير إلى مؤلفي اليوتوبيات كأفلاطون وتوماس مور ، وكان للأديان رؤيتها للمستقبل كحقيقة حتمية يتحرك إليها (المؤمن) دون أن يملك إمكانية تعديلها أو تحويل مسارها، وليس للمؤمن إلا التسليم بها كما أنزلت ، ورغم أن الفكر البشرى قد عمد منذ القدم إلى دراسة وتأمل البعدين المعروفين للزمن والمقصود بهما الماضى والحاضر، إلا أن الاهتمام باستطلاع المستقبل لم يغب مطلقا عن ذهن قدماء الفلاسفة والمؤرخين والمصلحين، فظواهر العرافة والكهانة والتنجيم التى تميزت بها الحضارات القديمة فى مصر وبابل واليونان والهند تدل على الاهتمام المبكر الذى أولته البشرية لمحاولة استطلاع المستقبل وفهم مساراته.

 

وتختلف الآراء حول تحديد البداية العلمية للدراسات المستقبلية ، إذ يرى البعض أنها ترجع إلى نهاية القرن الخامس عشر الذى شهد ظهور كتاب توماس مور المعروف باسم (اليوتوبيا) الذى يطرح فيه تصورا مستقبليا للمجتمع المثالي الذى يخلو من كافة أشكال الاضطهاد والظلم والأنانية ، و ثم تلاه فى نهاية القرن السادس عشر حتى الربع الأول من القرن السابع عشر كتاب الفيلسوف الإنجليزى فرانسيس بيكون باسم (أطلنطا الجديدة)  وهو يطرح رؤية مستقبلية للعالم من خلال تصوره لمجتمع جديد يعتمد على العلم كوسيلة أساسية لتغيير العالم والسيطرة على الطبيعة وتحقيق مستويات حياتية أفضل للبشرية ، بينما يعزو البعض الآخر أول محاولة لاستطلاع مستقبل الجنس البشرى على أسس علمية إلى القرن التاسع عشر الذى شهد النبوءة الذائعة الصيت الخاصة بالسكان للاقتصادي الإنجليزى توماس مالتوس، الذى عرض فى دراسته عن (نمو السكان) رؤية مستقبلية تتسم بالتشاؤم لحل التناقض الاجتماعي الناتج عن الثورة الصناعية، الذى تمثل فى تزايد أعداد الفقراء وتصاعد احتمالات الصرع الطبقى فى ظل سيطرة الطبقة الرأسمالية فى المجتمع البريطاني آنذاك. وتوقع مالتوس أن يتم التغلب على هذا التنافس من خلال الأوبئة والمجاعات والحروب التى تتولى تصفية الفقراء وإيقاف تزايدهم الذى يهدد مصالح الفئات التى تتحكم فى مصادر الإنتاج والثروة والنفوذ السياسى. ولكن لم تتحقق توقعات مالتوس، وتم حل هذا التناقض عن طريق آخر هو الاستعمار، إذ بدأت بريطانيا تتوسع فى انتزاع مناطق شاسعة من قارتى آسيا وأفريقيا. وقد ترتب على استغلال الموارد الطبيعية والبشرية لهذه المستعمرات تحسنا ملحوظا فى أحوال الطبقة العاملة خصوصا فقراءها فى بريطانيا، مما ساعد على حل الصراع بصورة سلمية على حساب شعوب المستعمرات فى العالم الثالث.

 

ومن أبرز إضافات القرن التاسع عشر لعلم المستقبل ظهور عدد من الأعمال الروائية لجول فيرن (1828-1903) والذى استطاع من خلالها أن ينفذ ببصيرة حادة إلى مجاهل المستقبل، ويطرح العديد من التوقعات المثيرة للعقل والوجدان فى روايات كان أشهرها (حول العالم فى ثمانين يوما)و(عشرون ألف فرسخ تحت سطح البحر) ، وهناك إجماع بين مؤرخى علم المستقبل على أن الكاتب البريطانى إتش. چى. ولز قد قدم إضافات بارزة فى تأصيل الاهتمام العلمى بالدراسات المستقبلية، وذلك من خلال العديد من دراساته ذات الطابع المستقبلى مثل التوقعات (1901)، واليوتوبيا الجديدة (1905)، وشكل الأشياء المستقبلية (1933)، وجميعها تدور حول استكشاف حياة وهموم الأجيال المقبلة. كما أن له أيضا كتاب صغير مشهور عنوانه اكتشاف المستقبلThe Discovery of The Future ظهر فى بداية القرن الماضى ولا يزال يطبع حتى الآن ويتناوله الكثيرون بالدراسة والتحليل. وقد جسدت أعمال ويلز روح التشاؤم التى طغت على أوروبا فى أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتصاعدت بفعل الأزمات الاقتصادية والسياسية خلال العشرينيات والثلاثينيات، وانتهت بالحرب العالمية الثانية .(*)

 

 

ثانيا : ما هي الدراسات المستقبلية

 

يمكننا ان نقول ان الدراسات المستقبلية حالها حال جميع العلوم الاجتماعية الأخرى التي لا تحظى بمفهوم شامل وجامع يتفق عليه جمهور المختصين والمعنيين ، وذلك لأسباب كثيرة أهمها ان الدراسات المستقبلية القائمة على أسس علمية هي من الحقول الحديثة نسبياً اذا ما قارناها بباقي الحقول الأخرى ، ولكن على الرغم من اختلاف الباحثين في مفهوم وماهية الدراسات المستقبلية عدم وجود تعريف شامل وجامع لها يمكن تعميمه واعتماده من قبل جميع المختصين والمهتمين بهذا النوع من الدراسة ، الا ان جميع من كتب وقدم طروحاته البحثية و الأكاديمية من مختصين و معنيين ومهتمين قد اقروا ان هذا الحقل بشكل عام يهتم بكافة الأمور التي لم تحدث بعد والتي هي حادثة لا محال ، وان جميع الذين تطرقوا للدراسات المستقبلية ، أكدوا على الحلقة الزمنية المفقودة والتي هي حلقة المستقبل بحيث ان جميع الطروحات التي قدمت كان يوجد فيها استهدافاً لمعرفة وتوقع شئ مجهول لم يقع بعد وفقاً لمعطيات وعمليات حسابية ورياضية معينة تعطي احتمالات للمستقبل المجهول ، وبذلك فقد عرفها  وليد عبد الحي على انها  " العلم الذي يرصد التغير في ظاهرة معينة ويسعى لتحديد الاحتمالات المختلفة لتطورها في المستقبل، وتوصيف ما يساعد على ترجيح احتمال على غيره ".(**) ويذهب فاروق عبده واخرون الى تعرف الدراسات المستقبلية على انها " مجموعة من البحوث والدراسات التي تهدف إلى الكشف عن المشكلات ذات الطبيعة المستقبلية، والعمل على إيجاد حلول عملية لها، كما تهدف إلى تحديد اتجاهات الأحداث وتحليل المتغيرات المتعددة للموقف المستقبلي، والتي يمكن أن يكون لها تأثير على مسار الأحداث في المستقبل" .(***)

 

وعلى هذا الأساس أرى ان الدراسات المستقبلية بأنها " العلم الذي يحاول ان يوظف ويسخر المستقبل عن طريق استخدام أساليب علمية وإحصائية وكمية من خلال إجراء حسابات و معادلات رياضية في دراسة حالة معينة وتقديم احتمالات مشروطة تستهدف الفترة الزمنية القادمة لغرض مواجهة البيئة الغير واضحة والغير مستقرة .وبهذا فأن الدراسات المستقبلية الحديثة هي التي تقوم على توظيف العلم والتكنولوجيا لغرض إضافة الرصانة البحثية وحصولها اكبر قدر ممكن من المقبولية لدى البيئة العلمية و مجمع المختصين وذلك لأن مثل هذا النوع من الدراسات أثارت جدلاً كبيربين جمهور علماء السياسة والاقتصاد والاجتماع ، واعتبر البعض ان مثل دراسات لا يرقى إلى مستوى البحوث العلمية الرصينة ، لأسباب عدة أهمها هو عدم اعتمادها على مبادئ وثوابت ومرتكزات علمية تجعلها ذات صفة أكاديمية يمكن تقديمها لصناع القرار ، بحيث رفض الكثير من المعنيين والمختصين بالعلوم السياسية والاقتصاد والاجتماع بالاعتراف بعلمية هذه الدراسة و وصفوها بأنها لا تمتاز بالشروط العلمية المعتمدة في أساليب البث والتطوير العلمي ، ومن جهة أخرى فأن الدراسات المستقبلية حضت باهتمام واسع وكبير من قبل مجموعة من العلماء في الكثير من الاختصاصات ، بحيث صار هناك عدد كبير من المختصين في العلوم السياسية وعلم الاقتصاد والاجتماع يؤمنون بضرورة جعل هذا الحقل يأخذ حيزاً جيداً للدراسة والتطوير وعدم اعتبار هذا الحقل نوع من أنواع التنجيم والضرب في الرمال كما كان هذا الاعتقاد سائداً في الفترات الأولى لدخول الدراسات المستقبلية بصفتها العلمية إلى الحقل الأكاديمي .

 

 

ثالثا : أهمية الدراسات المستقبلية

 

ان كل هذا العناء والتعب الذي يبذله المختصين في علم السياسة والاقتصاد والاجتماع لا يمكن ان يكون بلا أهمية تذكر ، لهذا يمكننا ان نستشف ونستنتج هذه الأهمية الكبيرة للدراسات المستقبلية من خلال أهم النتاجات والطروحات التي قدمها لنا المختصين في الدراسات المستقبلة للبشرية جمعاء  والتي ساعدت في اختصار الكثير من الأشواط المعرفية عبر تطوير المجتمعات والارتقاء بالشعوب وتطوير طرق التفكير الاستراتيجي و بذلك قننت الكثير من الهدر الحاصل في الموارد الموجودة للدول عبر رسم الطريق والخطط المستقبلية التي يجب على الدول ان تسلكها وتسير عليها لكي توظف مستقبلها بأفضل صورة ممكنة واقل إمكانية متوفرة ، لهذا فان من المهم في محل ان تقوم الدول كافة بإعطاء المساحة الواسعة لهذه الدراسات و دعمها عبر فتح مراكز الدراسات المتخصصة في هذا المجال وتكثيف المشاريع التي تستند على اسس علمية معرفية نابعة من عقول ناضجة تتعامل مع الماضي والحاضر للسعي الى تسخير المستقبل بكافة مراحله .

 

وعلى هذا النحو تبرز أهمية الدراسات المستقبلية لأنها تعطي للدول والمجتمعات والشعوب قدرة على التطور والنهوض والتقدم من خلال الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة لها عبر استشراف المستقبل بطرق علمية ومن خلال إحصائيات ومعادلات رياضية تبدأ بدراسة الماضي ( التاريخ ) وربطه بالحاضر مروراً بالمستقبل الذي يكون هدفاً للإنسان لكي يكون وضعاً أفضل مما كان عليه في حاضره وماضيه  ، ويمكننا القول أيضاً ان الدراسات المستقبلية كان لها الدور البارز في النقلة النوعية الكبيرة للثورة الصناعية ، حيث بزغت الأهمية الكبيرة لاستشراف المستقبل من خلال علماء الاقتصاد و الإحصاء الرياضي  في تلك الفترة ، من خلال هذه الدراسات التي قدمت عبر تنظيم عمليات الإنتاج  و تصدير الموارد الى مناطق كثيرة من العالم من خلال القيام بحساب كمية الإنتاج وكمية الاستهلاك ومقارنتها بمقدار التصدير وإعداد مدونات وجداول بكل هذه البيانات لفترات معينة وبعدها إجراء مقارنات ما بين فترة وأخرى ومن ثم معرفة أسباب التقدم والعمل على تطويرها ومعرفة أسباب التراجع والعمل على تجاوزها ، وكل هذا يسير عبر بوتقة استشراف المستقبل ومن أهم الأمور التي عززت أهمية الدراسات المستقبلية حديثاً في القرن العشرين وما بعده هو ظهور عدد من الدول الناشئة الجديدة التي تبحث عن وسيلة للتغلب على التخلف الاقتصادي والاجتماعي لديها ، والتي وجدت في دراسة المستقبل وسيلة للتنبيه على السلبيات المعتمدة حالياً ، وكيفية اختيار سياسات بديلة لدرء تلك السلبيات في المستقبل .

 

فعن طريق الدراسات المستقبلية يتم وضع عدة بدائل معينة للمستقبل ، توضح عدة مسارات مستقبلية ، قد تتخذها النظم الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع. وبالتالي فإن هذه الدول الناشئة يمكنها، بما توفره لها الدراسات المستقبلية من صور عديدة للمستقبل، أن تعمل من خلال سياسات معينة على الاقتراب من البديل الأفضل الذي يحقق لها غاياتها في تحقيق التنمية والقضاء على عوامل التخلف لديها . هذا فضلاً عن تطور أدوات المعرفة، وخاصــة أدوات التنبؤ وقياس الظواهر (الكمية والكيفية) التي ساعدت على ارتقاء العلوم الاجتماعية إلى مصاف العلوم الدقيقة ، أن الطابع المستقبلي الذي تضفيه الدراسات المستقبلية على أنماط تفكيرنا في مختلف القضايا التي تشكل محوراً لاهتمامنا ، إنما هو علامة مهمة من علامات النضج العقلي والمعرفي. ذلك أن ما نتخذه من قرارات متتابعة ، وما نقوم به من تصرفات متزامنة فى الحاضر سوف يؤثر بصورة أو بأخرى علي مستقبل أوضاعنا الحياتية، وكذا أوضاع الأجيال اللاحقة علينا. وهنا تساعدنا الدراسات المستقبلية فى استطلاع هذه النتائج والتداعيات على المسارات المستقبلية ، مع إمكانية التفكير في المسارات البديلة المحتملة. ومن ثم فإن الهدف الرئيس للدراسات المستقبلية لا يتعلق بعملية الإنباء بالمستقبل كهدف محوري في حد ذاته؛ فكل ما تقدمه الدراسات المستقبلية من مقولات حول المستقبل إنما هي مقولات شرطية واحتمالية ؛ وكونها كذلك يجعلها غير قطعية الحدوث، وإنما هي تصورات معينة، يُنتظر أن تتحقق في ضوء توافر شواهد منطقية معينة، تُرجح من فرص وقوعها.

 

 

رابعا : معوقات الدراسات المستقبلية

 

ان معوقات الدراسات المستقبلية تختلف من مجتمع الى اخر ومن بيئة الى اخرى ، ولكن من أهم هذه المعوقات التي تعاني منها الدراسات المستقبلية في العالم اجمع ، هو عدم وجود اطاراً نظرياً وتأطيراً معرفياً كافي لكي تسهم في زيادة كفاءة مثل هكذا نوع من الدراسات ، بمعنى أخر ان الدراسات المستقبلية تعاني من قصور في التنظير والتطوير المعرفي لها ، وعدم وجود اهتماماً كبيراً من قبل المختصين خصوصا المتخلفة منها لضعف الإمكانيات المادية والقدرات البشرية وغيرها من الأمور والتي تأتي من مشاكل تتمحور حول الكثير من الأمور المتعلقة بالعادات والتقاليد و الإيمان المطلق بالأمور القدرية أي ان الدين في بعض الأحيان يعد سبباً رئيسيا في تحجيم دور الدراسات المستقبلية ، ولا اقصد هنا دين معين ، بل على العكس من ذلك فأن الأديان السماوية كلها حثت على العمل من خلال فلسفة الثواب والعقاب وهذه الفلسفة بحد ذاتها تقوم على أسس مستقبلية ، ولكن المقصود هنا هو الفهم الخاطئ للدين خصوصا في فهم الحياة اليومية للبشر باعتبارها قدراً مسلماً لا مفر منه ، وان على الإنسان ان يبقى ساكناً وهامداً إمام جميع العقبات التي تصادفه لأن القوى ( بمختلف مفاهيمها ) الخفية كفيلة في جعل الأمور على ما يرام ، هذا هو بحد ذاته يعد من الأسباب التي أدت إلى تعويق الدراسات المستقبلية وعدم قدرتها على التطور في بعض المجتمعات بسبب التمسك بمثل هكذا معتقدات هذا من جانب .

 

 اما من جانب أخر فيمكن ان نقول ان المستوى التعليمي والثقافي للشعوب تعد عاملاَ مهما في في تطوير المجتمعات ، والعكس صحيح ، أي ان كل مجتمع يعاني من مستويات منخفضة في التعليم سوف ينعكس بدوه على طبيعة التقدم في المجتمع ، وبالتالي فأن المستوى التعليمي المنخفض للفرد داخل المجتمع هو من الأسباب المهمة في جعل الدراسات المستقبلية مهمشة وغير ذات جدوى ونفع ، ومع كل ذلك يمكن ان نضيف الى كل هذه المعوقات عامل أخر وهو طبيعة التأثير الشخصي للقائمين على الدراسات المستقبلية ، بمعنى ان الفرد القائم على هذه العملية مهما حاول ان يتجرد من عواطفه ومؤثرات بيئته ودينه وانتماءاته العرقية والقومية والمذهبية فأنه في النهاية لا يمكن له ان يتسم بالحيادية مهما حاول وذلك ببساطة ان الشخص الذي يقوم بهذه العملية ليس بالآلة او بجهاز حاسوب يقوم بمعالجة البيانات وإخراجها وإنما يمتلك عواطف ومشاعر تأثر كثيرا على تحليل و تكون الرؤية الاستشرافية .

 

 

خامسا : إسهامات الدراسات المستقبلية

منذ ان وجدت الدراسات المستقبلية وعرفها الإنسان سواءاً بصورتها العلمية الحديثة او بصورتها القديمة التي كانت تعتمد على التبصير والضرب في الرمال ومتابعة مواقع النجوم وما الى ذلك من امور ، كل هذه النتاجات التي برزت من الدراسات المستقبلية أسهمت وبشكل فعال في المجتمع سواءا في الجانب السلبي او الايجابي ، لذى فأن الحديث عن إسهامات الدراسات المستقبلية وما قدمته من نتاج مادي او معنوي للبشرية بشكل عام يمكن ان تلمس من خلال البحث في اسهامات الدراسات المستقبلية والنتالجات التي قدمتها للبشرية وساعدت الدول خصوصا في قطع اشواطا كبيرة وواسعة .

لقد قدم لنا القائمين على الدراسات المستقبلية إسهامات كبيرة أصبحت في ما بعد قواعد يحتذى بها سواءا من الناحية المادية او المعنوية عن طريق النهوض والرفع بمستوى الدول من خلال تقديم المشاريع والدراسات الاستشرافية التي توجه الدولة وتعين لها الطرق التي يجب ان تسلكها لكي تنهض بنفسها عن طريق توظيف كافة الإمكانيات التي تتوافر للدولة واستغلالها بطرق علمية مبنية على أساس دراسات مخطط لها من قبل القائمين بعملية الدراسات المستقبلية ( واستغلال الموارد البشرية و الإمكانيات الاقتصادية وتوظيفها مع ما هو قادم من المستقبل تحت اطار علمي يقوم على اساس التوظيف العلمي للموارد لاستشراف المستقبل الذي هو مجهول والذي يصبح واضح المعالم عند الدراسات المستقبلية التي تبنى بصورة علمية صحيحة ) هذا ناهيك عن ما يشهده العالم الان من قفزة كونية تكنولوجية في مجال الالكترونات وأساليب الحسابات الرقمية والاقمار الصناعية التي ترفد صانع القرار بالمعلومات والصور والتي بدوره يحولها الى خبراء السلطة الذين هم قائمين على بناء النموذج الصحيح والطريق الذي يجب ان تسلكه الدولة في المستقبل بناءا على معطيات الحاظر وخبرة الماضي وهذه الموسسات التي تدعى بمؤسسات خبراء السلطة هي إما مؤسسات مستقلة عن الدولة او هي تابعة لها كالمراكز البحثية والمراكز المتخصصة بالدراسات الاستشراقية التي ترفد صانع القرار بكل ما هو مهم لاتخاذ القرار اللازم في المشاريع التي يجب ان تتبناها الدولة لكي تصل الى أهدافها عبر فترات زمنية طويلة وهذا الكلام ينطبق تحديدا على الدول المتقدمة والمتطورة تكنولوجيا واقتصاديا وعسكريا كالولايات المتحدة (وإسرائيل) وفرنسا والصين واليابان وغيرها من الدول المتقدمة التي تعتمد كثيرا على مراكز البحوث المتخصصة في الدراسات المستقبلية ، ومن أبرز الإسهامات المنهجية التي قدمتها المدرسة الأمريكية فى مجال البحوث المستقبلية أسلوب  (دلفى(Delphi Method  الذى يمثل رؤية عصرية للدور الذى كان يقوم به كهنة معبد دلفى فى الحضارة اليونانية القديمة بالنسبة للتكهن بالمستقبل، وقد أصبح هذا الأسلوب لصيقا بالدراسات المستقبلية وخصوصا أن استحداثاته المتنوعة فى إطار هذه الدراسات قد أعطى عائدا خصبا فى مجال التنبؤات التكنولوجية والاجتماعية.

 

سادسا : الدراسات المستقبلية ما بين الضرورة الملحة والترف الفكري

بعد ان كانت الدراسات المستقبلية في بداية ظهورها بصورتها العلمية والأكاديمية غير ذات أهمية كبيرة ولا يعول عليها كثيراً خصوصا ان هذا النوع من الدراسات  لم يلاقي القبول والاهتمام الواسع من قبل بعض المختصين لعتبارهم ان مثل هكذا نوع من الدراسات يعد مضيعتاً للوقت ولا يجدي نفعاً ، ولكن بعدما تطورت المجتمعات وتطور معها حاجات هذه المجتمعات و وصول التكنولوجيا الى جميع انحاء العالم ولم يعد هذا التطور محصورا على فئة معينة من دول العالم بعد تقليص الفجوة وانكماشها ما بين عالم الشمال المتطور وعالم الجنوب النامي والذي هو بأمس الحاجة للدراسات المستقبلية لكي يتمكن من اللحاق بالعالم المتطور .

 

أن الدراسات المستقبلية باتت من الأولويات المهمة والتي تعول عليها الشعوب والدول المتقدمة كافة ، بمعني أنها صارت ضرورية ملحة من ضرورات التقدم والتطوير والنهوض والتي لا يمكن الاستغناء عنها اذا ما أرادت دولة ما ان ترسم لنفسها وتختط لنفسها مساراً نحو تحقيق الحياة الأمثل لمجتمعها  ، حيث لم تعد الدراسات المستقبلية مجالاً من مجالات الترف الفكري أو الرفاهية الثقافية أو التسلية الذهنية فى الدول المتقدمة وحدها ، بل إنها انتقلت الى الدول كافة ، على اختلاف حظوظها من من التقدم أو التخلف ومن الغنى أو الفقر ، كما أنها وإن كانت تستلزم بالضرورة قدراً من الإبداع و الخيال والقدرة الذاتية على التصور المسبق لما هو غير موجود أو غير معروف الآن من خلال ممازجة هذه القدرات الفطرية التي يمتلكها البعض والتي يكتسبها البعض الاخر مع العلم والتكنولوجيا والحداثة لكي تساعد على تشكيل مجتمع عصري منظم  ، فما يطلق عليه اليوم الدراسات المستقبلية إنما يتمثل على العموم فى دراسات جادة تقوم على مناهج بحث وأدوات درس وفحص مقننة أو شبه مقننة ، وتحظى بقدر عال من الاحترام فى الأوساط العلمية ، وتنهض بها معاهد ومراكز بحثية وجمعيات علمية ذات سمعة راقية". ومثل هذا التصور هو ما يجب أن يتم الانتباه إليه، لاسيما من زاوية التعامل معه بدقة منهجية وانفتاح عقلي ورؤية سليمة ، لا تتعارض والثوابت، وفي الوقت نفسه لا تهمل المستجدات التي يشهدها العالم وما تحتاجه هذه العملية من إدامة مستمرة وتغذية عكسية للمعلومات والتي تضفي عليها الطابع العلمي والتجريدي .

 

 

الهوامش :

(*)منى وليد ، الدراسات المستقبلية ، بحثا عن آفاق مغايرة ، نقلا عن :http://www.misrelmahrosa.gov.eg/NewsD.aspx?id=923

(**)وليد عبد الحي ، مدخل إلى الدراسات المستقبلية في العلوم السياسية ، المركز العلمي للدراسات السياسية ، عمان2002.ص62-64.

(***)فاروق عبده ، الزكي فلية ، أحمد عبد الفتاح ، الدراسات المستقبلية: منظور تربوي ، عمان دار المسيرة، 2003 ، ص 67 .

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق