]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

السقوط الأخلاقي لرابطة حقوق الانسان التونسية

بواسطة: عادل السمعلي  |  بتاريخ: 2012-11-11 ، الوقت: 08:55:04
  • تقييم المقالة:


 

 

 لا أحد يمكن أن ينكر الدور البارز الذي  قامت بها الرابطة التونسية لحقوق الانسان في الدفاع عن المضطهدين والمعذبين والمساجين السياسيين في تونس في العهدين السابقين وذلك منذ  تأسيسها أواخر السبعينات فهذه الجمعية الحقوقية التي تعتبر أول جمعية لحقوق الانسان في الوطن العربي كانت سباقة في الدفاع عن حرية الانسان وكرامته في تونس وخاضت نضالات مريرة ضد دولة الفساد والاستبداد ودفع الكثير من قياداتها ضريبة النضال من سجن ونفي وتشريد وتضييق على الرزق

 

إلا أن الشيء الملفت للنظر بعد هروب الديكتاتور وقيام الثورة هو السقوط الايديولوجي والاخلاقي لهذه الرابطة بعد  14  يناير 2011  فالمتتبع لبياناتها ومواقفها  منذ ثورة الحرية والكرامة يتفاجأ بالمستوى الهزيل التي أصبحت عليه ويصدم بضبابية المواقف ونقص الدقة في تثبيت المعلومات والحوادث التي تتناولها .حتى يخيل للقاريء أنه بصدد قراءة بيان لحزب سياسي راديكالي منحاز لخياراته الايديولوجية  لا لجمعية حقوقية مدنية تضع جميع الأحداث والتجاوزات تحت ميزان  العدل والإنصاف

 

ونورد تباعا في هذا المقال بعض سقطات هذه الجمعية الحقوقية الرائدة في مجالها سابقا أما الآن فالاعتقاد السائد أنها ليست هي نفسها رابطة حقوق الانسان التي فتحنا أعيننا عليها في الثمانينات وهي تقارع نظام الديكتاتور الهارب و التي كانت تهز عرشه وتقض مضجعه وتفضح ممارسات القمع والتعذيب والتضييق على الحريات

 

 

    السقطة الأولى  :  أجندا قائمة على فزاعة الإرهاب والتطرف :  

 

  أطنبت الرابطة في إستعمال فزاعة الارهاب التي تفنن المخلوع بن علي في إستعمالها لتثبيت الديكتاتورية ففي تاريخ 19 فبراير 2011  تتحفنا الرابطة ببيان غريب وعجيب يتعلق  بعملية  تنديد وشجب للجماعات الدينية المتعصبة والمتطرفة التي ذبحت القس البولوني بمدينة منوبة في الوقت الذي يعرف فيه كل التونسيين أن ذلك لا يمكن أن يكون صحيحا ولا يمكن أن يكون واقعيا نظرا لطبيعة الشعب التونسي وتاريخه المتسم بالإنفتاح والتسامح ونبذ الطائفية والتعصب وهي من الثوابت التاريخية  للشعب التونسي  

 

ولقد زادت الغرابة حين تم القبض على القاتل وظهر أن الامر يتعلق بجريمة حق عام  وأن القتل كانت بغاية السرقة و لم تكلف الرابطة  الحقوقية  نفسها بيانا توضيحيا أو إعتذارا  عن تسرعها وسوء تقديرها بإتهام أطراف دينية متطرفة بدون حجة ولا دليل ولكن من المفارقات أيضا أنها  واصلت  التعاطي على نفس المنوال والطريقة وكأنها خاضعة لأجندا لا علاقة لها بالمسألة الحقوقية

 

ففي يوم 24 أفريل 2011 تصدر  بيانا آخر يحمل نفس اللهجة و نفس التمشي الذي تعود عليه التونسيون منذ عهد بن علي والذي لم يعد ينطلي على التونسيين  فهي تطلق صيحات الفزع المبالغ فيه من مثال(وقد وصل الأمر إلى حد الاعتداء على الحرمة الجسدية لبعض الفنانين  أو تهديد بعض المربين في حياتهم.و انتهاكات تمثلت في حملات تكفير تورطت فيها بعض التيارات الدينية واعتداءات لفظية مشينة على النساء أصبحت شبه شائعة بسبب أرائهن أو لباسهن أثناء تجمعات حاولت منعها بعض المجموعات)).

 

ولو قامت الرابطة بالتثبت والتقصي الميداني  لعلمت يقينا أن ذلك مجرد  إشاعات إعلامية ودعايات مغرضة في نطاق التجاذب السياسي القائم أنذاك بين التيارات الدينية  من جهة والتيارات الليبرالية واليسارية والعلمانية من جهة أخرى وكل طرف يجرم الآخر ليكسب نقاط إنتخابية . 

 

إن تركيز رابطة حقوق الانسان على ما يسمى تجاوزات السلفية الدينية والإصرار على غض الطرف  وتجاهل تجاوزات السلفية اليسارية التي تمارس العنف الرمزي والمادي  بدورها تحت عنوان  العنف الثوري يجعل  مصداقية هذه الجمعية في موقف المساءلة حول أجندتها الحقوقية وعدم إلتزامها مبدأ الحياد والشفافية 

 

 

 

  : السقطة الثانية : تحالفها مع جمعيات متهمة بالتطبيع الصهيوني  :

 

  في السابق كانت الرابطة تذيل بياناتها بإمضاء رئيس الرابطة وتعبر عن مواقفها بصفة فردية كهيئة حقوقية تونسية معترف بها محليا ودوليا إلا أننا فوجئنا منذ مدة بإصدار جملة من البيانات المشتركة مع جمعيات مدنية بما في ذلك جمعيات مشتبه بها في علاقات مباشرة أو علاقات موضوعية مع اللوبي الفرنكوصهيوني ومن أمثلة ذلك  ذلك توقيع بيانات حقوقية  مشتركة مع جمعية (لم الشمل )  وجمعية (حماية الأقليات بتونس ) وكلتاهما تحوم حولهما شكوك تبلغ درجة اليقين حول إختراقهما   من أطراف على علاقة بالكيان الصهيوني

 

      فجمعية (لم الشمل ) التي يرأسها الأستاذ الجامعي والنقابي  منصف بن سليمان معروف عنه أنه أول تونسي قام  بمحاولة تطبيع النقابات التونسية مع النقابات الصهيونية  حيث حضر  حين كاتب عام النقابة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي خلال صائفة 1988 لقاء في مدينة ميلبورن الأسترالية مع وفد صهيوني وذلك "بغية المساعدة على إقامة علاقات نقابية بين نقابات الهستدروت للتعليم ونقابات التعليم الفلسطينية حيث تعهد بالقيام بالوساطة اللازمة وذلك في إطار الكنفدرالية الدولية لمنظمات مهن التعليم التي كان يقاطعها الاتحاد العام التونسي للشغل آنذاك".

 

  بالإضافة لذلك قامت هذه الجمعية بعرض الفيلم الاستفزازي  المثير للجدل (لا ربي لا سيدي)  للمخرجة الفرنكوتونسية نادية الفاني  مما أدى لأحداث فوضى في تونس كادت أن تعصف بالسلم الأهلي ولا يفوتنا أن نذكر أن هذه المخرجة صديقة جمعية لك الشمل تم إستقبالها في تل أبيب منذ أشهر قليلة إستقبال الأبطال وتم تكريمها من بني صهيون فهل كان يخفى على رابطة حقوق الانسان هذه المعطيات الموثقة حول خيوط العلاقة بين جمعية لم الشمل واللوبي الصهيوني    وهي المنظمة الحقوقية التي عودتنا  بالتصريحات النارية ضد التطبيع وضد أي شكل من أشكال العلاقات مع الكيان الصهيوني  وأن فلسطين هي القضية المركزية لكل الأمة

 
إن تواجد إمضاء رابطة حقوق الانسان بجانب إمضاء من وضع يده في يد الصهاينة يمثل  إساءة و مهانة لكل أجيال الرابطة الحقوقية التي قدمت زخما نضاليا فريدا في عهد الديكتاتورية وساندت قضية فلسطين بكل ما أوتيت من  جهد وقوة  

 

 السقطة الثالثة : دعواتها الصريحة لضرب مؤسسة الأسرة :

 
أصدرت رابطة حقوق الانسان بيانا حاد اللهجة بتاريخ 4 أكتوبر 2012 ينحى فيه باللائمة على المجلس المنتخب لكتابة الدستور لأنه لم يتبنى مباديء حقوق الانسان الكونية كمصدر أعلى لكل القوانين والتشريعات وجاء في البيان :
( إن الجمعيات الممضية أسفله إذ تعبر عن استنكارها الشديد إزاء هذا التراجع الذي لا يمكن إطلاقا القبول به، فإنها تدعو أعضاء المجلس الوطني التأسيسي إلى تحمّل مسؤولياتهم التاريخية لدسترة حقوق الإنسان في بعدها الكوني وفي مفهومها الشمولي وكما ورد بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات ذات الصلة المصادق عليها من طرف الدولة التونسية. وتنبههم إلى أن هذا الخط الأحمر لا يمكن النزول عنه البتّة.)

 

 
إن التركيز على ما يسمى القيم الكونية والشمولية وضرورة تبني المعاهدات الدولية بدون قيد أو شرط والتهديد بشن حملة على المجلس المنتخب ( ستعمل من أجل تنظيم حملة شاملة للتشهير بهذا التراجع الخطير ولفرض دسترة حقوق الإنسان في مفهومها الكوني والشمولي وجعلها جزء لا يتجزّأ .من المنظومة القانونية التونسية والعمل على احترامها نصّا وممارسة ) إنما هو قفز في الهواء على الواقع الثقافي والتاريخي التونسي  لأنه  لودققنا في هذه المنظومة لوجدنا أن دولا كبرى لم تمضي عليها ولم تتبناها ومن ذلك الولايات المتحدة الأمريكية والصين في مسألة الاعدام  كما أن كل الدول العربية والاسلامية بلا إستثناء تقريبا تحفظت على البنود المتعلقة بعدم تجريم الشذوذ الجنسي  وبمأسسة الزواج المثلي وكذلك تحفظت على البند الذي يعتبر الممارسة الجنسية للمتزوجين خارج إطار عقد الزواج ( الخيانة الزوجية ) هي حرية شخصية ولا يجب تجريمها قانونا

 
 إن هذه  الدعوة  من رابطة حقوق الانسان لتبني هذه الاتفاقات بدون تحفظ  ولا قيد ولا شرط  يعني ذلك االدعوة للإعتراف  القانوني بعلاقات الشذوذ الجنسي وبحق الزواج المثلي وبحرية الخيانات الزوجية ويعد ذلك    ضرب في الصميم لمؤسسة الزواج ومؤسسة الأسرة  التي يقوم عليها المجتمع و يعتبر ذلك تجاوز صريح لكل الخطوط الحمراء الثقافية والتاريخية لشعب تونس العربي المسلم


إن إستعمال العبارات والمصطلحات الفضفاضة كالكونية والشمولية وإبداعات العقل الانساني لا يجب أن يخفي عنا الأهداف الحقيقية لمثل هذه الدعاوي التي يعمل الغرب على غرسها في مجتمعاتنا مقابل وعود بمعونات إقتصادية أو إلحاق في دفتر الدول التقدمية


إن سقطات رابطة حقوق الانسان أكثر من أن تحصى أو تعد وقد أكتفينا بما ذكر أعلاه على سبيل المثال لا الحصر وفي الختام  نرجو أن يتدارك عقلاء الرابطة التونسية لحقوق الانسان هذه الزلات المكشوفة وهذه الإنحرافات المنهجية  و أن ينأوا بأنفسهم عن الضغوط والاملاءات الخارجية وعن الممارسات الايديولوجية  المنحازة التي تفطن لها أغلب التونسيين  ونحن على يقين أن الجمعية تزخر بعديد الكفاءات والخبرات الوطنية الحرة  المشهود لها محليا ودوليا القادرة على إنقاذ الرابطة والخروج بها من عنق الزجاجة


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق