]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

دعوى الجاهلية المعاصرة ( اقصاء الدين عن مجالات الحياة )

بواسطة: Mabrouka Ramadan  |  بتاريخ: 2012-11-10 ، الوقت: 21:06:55
  • تقييم المقالة:

 

دعوى الجاهلية

الموضوع هذه المرة صعب ومتشعّب ، فبقدر ما يستهويني وأرغبهُ ، بقدر ما أخافه وأرهبهُ ، وأجده من السهل الممتنع ، سهل لأنه يشغل بالي منذ مدة ، وقد أمعنت النظر فيه طويلاً مراراً وتكراراً ، ولذلك هو قريب من نفسي ، وتألفه روحي حتى أكاد أجزم بأنّ أبعاده ، وتفاصيله ، وحواشيه ، أملكها بين يدي ، وممتنع لأني أجده قد استعصى على قلمي ، حتى أكاد أقنع بالتراجع عن الخوض فيه ، فهو يحتاج إلى كاتب مخضرم ، يهزم الكلمات والمعاني ، ولا تهزمه الكلمات والمعاني ، ويستطيع أن يستدعي ما شاء من المفردات ، فتأتيه طائعة ليوظفها لخدمة الموضوع والفكرة ، فلا مجال هنا لزلة لسان ، أو لسوء فهم ، خاصة عندما يتعلق الأمر ، بأشد الأمور قداسة والتصاقاً بالناس ألا وهو الدين . انبثقت بين ظهرانينا في الآونة الأخيرة عن نيةٍ سوداء ، أو حسن نية ، ما أسميه دعوى الجاهلية المعاصرة ، بتهميش الدين وفصله عن مجالات الحياة الأخرى ، محاكاةً لما ذهبت إليه المجتمعات الغربية إيماناً واقتداء ، ووجدت هذه الدعوى لها أنصار كثيرون ، ذهبوا في أمرهم هذا كل مذهب ، إلى أبعد ما يمكن أن يتخيله عقل ، فرحين بما لديهم ، وهي ظاهرة هدّامة ، من الأولى بنا أن نتصدى لها ، ولا نسمح بأن تتفشى في مجتمعنا ، لما فيها من فساد ، فلا صلاح بدون إصلاح إمّا باليد أو باللسان أو بالقلب ، ( وما كان ربك ليُهلك القرى بظلمٍ وأهلها مُصلحون ) . يظنُّ هؤلاء بأنّ الدين يجرفُ المجتمعات بعيداً إلى الوراء ، ويبث في النفوس روح الكسل ، والالتصاق بالأرض ، وبأنّ في الدين تأصيلٌ لنزعةِ الزهد والانعزال والتخلف ، إنّ هذا لمن السذاجة بما كان ، يَعيبون الدين وليس للدين عيبٌ سوى ، أنهم لم يفهموه كما يجب أن يُفهم ، حتى كادوا أن يقتربوا في دعواهم ، من النظرة الشيوعية للدين ، بأنه أفيون الشعوب . ويخطيءُ هؤلاء عندما يتخذون من فترة العصور المظلمة في أوربا ، شاهداً على صدق دعواهم وحسن نواياهم ...، حيث كانت أوربا تعيش تحث سيطرة الكنيسة ، التي تمثل الدين ، وكانت ضد العلم التجريبي ، وتعتبره شيئا من الشعوذة والسحر ، وضد كل جديد يُناقض المنطق الأرسطي ، الذي يخدم المصلحة الخاصة لرجال الدين ، من قساوسة ورهبان وبأنّ أوربا ما كانت لتستلم زمام القيادة الحضارية ، إلا بعد أن تخلصت من سيطرة الكنيسة ، وبثرت يد الدين عن التدخل في شئونها الدنيوية ، وليس سرّاً إذا قلنا بأنّ هؤلاء انبهروا بالحضارة الغربية ، وغالوا في انبهارهم ، فملأت قلوبهم شغفاً وحبّاً ، حتى ظنوا بأن الحضارة الغربية بمنأى عن التدهور والسقوط ، ولكن هيهات فلكل حضارة أجل لا مفر منه، ( ولكلِّ أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ، وإن طال بهم الزمن قرناً أو بعض قرن ، فلأنّ العدَالة الإلهية تقتضي أن تمنحها الفرصة ، لتكفر عن ما اقترفت من آثام وذنوب ، ( ولا يحسبنّ الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مُهين ) . ذلك أنّ من سنة الله التي لن تجد لها لها تبديلاً ، أن لا أحد بمنأى عن عقاب الله ، حتى المجتمعات المسلمة ، وإذا كانت المجتمعات الغربية اليوم في القمة ، فحتماً ولابد بأنّها ستكون غداً أسفل سافلين ..، والأمثلة في التاريخ الإنساني على ذلك كثيرة : الإتحاد السوفييتي ، ألمانيا النازية ، إيطاليا الفاشستية ، أسبانيا ، والبرتغال ..الخ ذلك لأنّ الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة ، ويدمر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة .  والمجتمعات الغربية رغم ما يبدو عليها من زينة وزخرف ، إلا أنها من الداخل مفككة ، وتطحن رحاها ، وتأكل مِنسأَتها الإنحرافات والسلوكيات الأخلاقية الشاذة ، والمجتمعات الغربية مجتمعات ظالمة ، لأنها لم تحقق الشرط الإلهي الذي به توهب المجتمعات النمو والإزدهار ، وهو المضي على الصراط المستقيم ، والذي لا يتحقق إلا بالعودة إلى حكم الله ، الذي أنزله في كتابه ثم الرضا به . ثم إنّ من الجدير بالذكر بأن الكنيسة في العصور الوسطى ، عصور التخلف والجهل في أوربّا ، عصور الإرهاب الإيماني ، لم تحكم بما أنزل الله في كتابه الإنجيل الأصيل ، بل كانت تحكم بنصوص محرّفة كتبوها بأيديهم ، وقالوا هي من عند الله ، والكنيسة يمثلها رجال الدين ، وأكثرهم أميين لا يعلمون الكتاب ، من رهبان وقسيسين بموقفهم الشاذ والمنحرف ، الذي يرفض التغيير والتجديد والتطوير والدخول إلى قلب العالم ، فحرّموا الكثير من الطيبات التي أحل الله لعباده ، واضطهدوا الفكر والعلماء ، وألجمت الحقيقة التي تجري على ألسنتهم ، واستحق من ينطق بالحقيقة القتل بوحشية ، بل والطرد من رحمة الله بزعمهم . أما في الإسلام فالحال مختلف ولا مجال للمقارنة ، حيث لا وجود لهذه الطبقة الشاذة من الرهبان والقسيسين ، الذين يقفون بين الناس وبين الله ، وعلماء الدين في الإسلام يقومون بدور الناصح والمرشد والواعظ ، وليسوا سيوفاً متسلطة على رقاب الناس ، فلا داعي إذاً للخوف من أن يتكرر هذا الأمر عندنا  ولسنا بحاجة هنا إلى الإشارة ، بأنه في المقابل كانت الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها ، وأنّ ما حققته مسيرة الحضارة الإسلامية من إنجازات وابتكارات ، في مجالات العلوم التطبيقية والإنسانية ، ظلت إلى اليوم واستحقت وبتفوق ، أن تكون مصدر فخرنا ، وتزخر بذكرها مناهجنا ومجالسنا ، هو نتيجة من نتائج التوازن بين تجربتي المادة والروح ، فاستطاعت أن تحتفظ بهذا التوازن لفترة طويلة من الزمن ، فتحققت لها من المعطيات الحضارية ، ما لم يتحقق لأكثر الدول تقدماً في عصرنا اليوم ، ذلك لأنّ حضارات اليوم - إذا جاز لنا أن نسميها حضارات - قائمة على قرن ثور واحد ( الجانب العلمي المادي البحث ) ، وأهملت بل أقمعت الجانب الروحي والأخلاقي ، فتفوقت في الأول ، وتخلفت في الثاني ، هي نتاج فلسفات أنكرت الدين وملحدة ، كالتجريبية وفلسفات التنوير والوضعية ، ولذلك هي مهددة بالزوال والإنهيار ، وما كانت الحضارة الإسلامية التي ورث عنفوانها ، وامتدت آثارها إلى أسبانيا والبرتغال ، لتقهر إلا عندما انحرفت باتجاه المادة ، وانغمست في الترف الذي ارتبط في القرآن الكريم دائماً بالفساد والهلاك ، وأهملت الروح فضعفت إرادتها ، وخارت عزيمتها ، ورضي بنو جنسها أن يكونوا مع الخوالف ، مدثرين برداء التبعية والتخلف والإمعية ، الذي توارثته الأجيال جيلاً بعد جيل إلى اليوم ، فعندما ما جاء التغيير الذاخلي سلبياً لا إيجابياً في حال الحضارة الإسلامية ، عجزت عن مواصلة مسيرة العطاء والإبداع ، كان زوال النعمة والتدهور والسقوط هو العقاب الإلهي العادل . ( ذلك بأنّ الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ، وستكون لديها الفرصة لتعود وتتصدر القيادة الحضارية والعقائدية ، إذا ما ظهر لديها بوادر التغيير الداخلي الإيجابي ، ذلك أنّ الله ( لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) . إذاً لا يوجد مبرر لاستقصاء الدين عن مجالات الحياة المختلفة ، فعلى هؤلاء أن يرجعوا إلى القرآن فيتدارسوه بينهم ، ويستعينوا بالعلماء والفقهاء لكي يفقهوه جيداً ، وحتى لا يتأولّوه على غير تأويله ، وقد جاء في الحديث : " ما أخاف على هذه الأمة من مؤمنٍ ينهاهُ إيمانه ، ولا من فاسقٍ بيّنٌ فسقه ، ولكني أخاف عليها رجلاً ، قد قرأ القرآن حتى أزلقه بلسانه ، ثم تأولّه على غير تأويله " ، ففي القرآن وحده الحجةُ البالغة التي تفنّد دعواهم ، وترمي بها إلى عرض الحائط ، من قال بأنّ القرآن يدعو إلى احتقار المادة والإستعلاء عليها ، من قال بأنّ الدين عدو التطور والتحضر ، إن الصراع والتناقض بين الدين والعلم ، وبين الروح والمادة في رأيي ، ليس إلا خرافة لا وجود لها إلا في الفلسفات الوضعية غربية الأصل .  فالقرآن مليء بالآيات التي تدفع الإنسان ، لأن يبذل جهداً من أجل البحث والتنقيب ، عن النواميس والسنن التي تحكم المادة ، بالنظر في السماوات والأرض والتفكر والتدبر وإعمال العقل ، لتحقيق مستوى حضاري مادي عالي ، يقف جنباً إلى جنب مع العلو الروحي ، بما ينسجم والتركيب البشري من جسد وروح . ومنها قوله سبحانه وتعالى ومن أصدق من الله قولاً ..:  " فلينظر الإنسان إلى طعامه ، إنا صببنا الماء صبّا ، ثم شققنا الأرض شقاً ، فأنبتنا فيها حبّا ، وعنباً وقضباً ، وزيتوناً ونخلاً ، وحدائق غلباً ، وفاكهة وأبّا ، متاعاً لكم ولأنعامكم "
" قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق "
" أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ، وإلى السماء كيف رفعت ، وإلى الجبال كيف نصبت ، وإلى الأرض كيف سطحت " .
أنظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه " 
ونلتمس من السنة النبوية الشريفة قوله صلى الله عليه وسلم في الحث على طلب العلم :
" ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً ، سهل الله له طريقاً إلى الجنة "
" من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع " ومن الشواهد في القصص القرآني ، ما يدل على أن التمسك بالدين ، يؤول بأصحابه إلى امتلاك مقومات التقدم المادي والعلمي ، ولو تأملنا قصة سيدنا داوود وسليمان ، لوجدنا فيها ما يغنينا عن النظر في غيرها ..، ففي اعتقادي أن الله سبحانه وتعالى ، ما كان ليسخر لسيدنا داوود الجبال والطير ، يسبحن معه بالعشي والإبكار ، ويلين له الحديد ويؤتيه الحكمة وفصل الخطاب ، لو لم يكن داوود أوّاباً ..، وما كان الله سبحانه ليسخر لسيدنا سليمان ، الريح غدوها شهر ورواحها شهر ، ويسخر له النفط هذه الطاقة ، التي لا تقوم للحضارة قائمة إلا بها كما الحديد ، ويسخر له الشياطين كل بنّاء وغّوّاص ، وآخرين مقرّ نين في الأصفاد ، وآتاه ملكاً لا ينبغي لأحد بعده ، ومكّّن لذي القرنين في الأرض ، لو لم يكونا عبدين صالحين ، فمن يجروء بعد الآن ، أن يدعي بأنّ هناك تعارض بين الدين والعلم . على مثل هؤلاء أنْ يخرسوا وأن يبتلعوا ألسنتهم ، ويتنكروا لدعواهم المهزومة والمهزوزة ، " كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً " ، ألا يكفيهم شاهداً وإقناعاً على نزعة التحضر والإبداع والبناء في الإسلام ، بأن تسمى سورة كاملة في القرآن باسم الحديد ، وهو معدن له من المنافع العظيمة ماله ، في التصنيع والعمران والتسلح والزراعة وغيرها ، وهل يمكن أن يتخيل امرءٍ حضارة وتقدم بدون معدن الحديد  وختاما أقول بأن المجتمعات التي لا ترتضي أن يكون الدين ، منهجها وشرعتها وطريقتها في الحياة ، ( هي كمثل مبنى على جرف هار فانهار به في نار جهنم ) ولو بعد حين ، وإن أي مشروع حضاري ، لا يكون للدين الذي يمثل القيم الروحية والأخلاقية دور فيه ، ويعانق بالمقابل المادة وما يتعلق بها من علم تجريبي ، هو مشروع لا ديمومة ولا مستقبل له ، لأنه يفتقر لأهم شروط النمو الحضاري ، وهو تحقيق التوازن بين تجربتي الروح والمادة ، ولا يقول عكس ذلك إلا جاهل بالتاريخ والنواميس والسنن التي تحكمه ، أو سفيه أو ظالم لنفسه ، يفتري على الله الكذب ، ثم إن الإنجاز الحضاري والتقدم العمراني ، ليس غاية في حد ذاته ، بل هو وسيلة لغاية أكبر وأسمى ، وهي تجسيد الخلافة على الأرض ، والتي ما نزلت التعاليم الدينية والكتب السماوية ، إلا لتصحح مسيرتها وتوجهها وتضبطها ، ولكن إن نحن رفضنا الأخذ بتعاليم الله وتوجيهاته ، وكنا كمن قالوا سمعنا وعصينا ، وحُمّلوا الثوراة ثم لم يحملوها ، كان الخسران المبين هو مصيرنا في النهاية لا محالة ، وإني لآسف على كل من يُكذّب بهذا الحديث ..، ويروق لي أن أختم بقوله سبحانه وتعالى " من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة " .

 

وللحديث دائما في القلب بقية 


بقلمي 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق